الباحث القرآني

﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ﴾: اليهود ومشركو مكة، ﴿ما ولّاهُمْ﴾: ما صرفهم، ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾، وهي الصخرة، ﴿قُل لِّلَّهِ المَشْرِقُ والمَغرِبُ﴾: ملكًا لا يختص به مكان دون مكان، ﴿يَهْدِى مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾: تقتضيه الحكمة فتارة إلى الصخرة ثم إلى الكعبة، ﴿وكَذَلِكَ﴾: كما هديناكم صراطًا مستقيمًا، وقيل إشارة إلى ولقد اصطفيناه في الدنيا، أي: كما اخترنا إبراهيم عليه السلام، ﴿جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾: عدولا خيارًا، ﴿لتَكُونوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ﴾: على صدقكم، ﴿شَهِيدًا﴾، وذلك لأن الأمم يجحدون يوم القيامة تبليغ الأنبياء، فالأنبياء يأتون بأمة محمد - عليه الصلاة والسلام - فيشهدون بالتبليغ، فتقول الأمم: من أين عرفتم؟، فيقولون: أخبرنا نبينا في كتابه، ثم يزكيهم محمد عليه الصلاة والسلام -، ﴿وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَتِى كُنتَ عَلَيْها﴾، أي: أصل أمرك استقبال الكعبة، فإنها قبلة إبراهيم، لكن جعلنا قبلتك بيت المقدس، وقوله: ”التي كنت عليها“ أحد مفعولي جعل، أي: الجهة التي كنت عليها، وقيل: تقديره وما جعلنا تحويل القبلة التي كنت عليها، وعلى هذا التي صفة القبلة أقول والله أعلم بمراده: يحتمل أن يراد من التي كنت عليها الكعبة، أي: خاطرك مائل إليها، فإن الأصح أن القبلة قبل الهجرة الصخرة لكن خاطره الأشرف مائل إلى أن تكون الكعبة قبلة، ﴿إلّا لِنَعْلَمَ﴾: علمًا حاليًا يتعلق به الجزاء، ﴿مَن يَتَّبِعُ الرَّسولَ﴾: عند نسخ القبلة، ﴿مِمَّن يَنقَلِب عَلى عَقِبَيْهِ﴾: يرتد، والظاهر أن تقديره متميزًا، ممن ينقلب حال من فاعل يتبع، أو ثاني مفعولي نعلم، وقد نقل أن كثيرًا من المسلمين ارتدوا عند تحويل القبلة، ظنًا منهم أن هذا حيرة منه عليه الصلاة والسلام، ﴿وإن كانَتْ﴾، أي التولية، وإن مخففة، ﴿لَكَبيرَةً﴾: ثقيلة، ﴿إلا عَلى الّذِينَ هَدى الله﴾، أي: هداهم الله، ﴿وما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ بالقبلة الأولى، وتصديقكم واتباعكم نبيكم في القبلة الثانية، أو صلاتكم إلى الصخرة، ففى الصحيح أن الصحابة سألوا كيف حال إخواننا الذين ماتوا على القبلة الأولى؟ فنزلت، ﴿إنَّ اللهَ بِ النّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، فلا يضيع أجورهم والرءوف أبلغ من الرحيم، ﴿قَدْ نَرى تَقَلبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾، أي: تردد وجهك في جهة السماء انتظارًا لجبريل والوحي بتغيير القبلة، فإنه يحب أن تكون ”قبلةً“ قبلة أبيه إبراهيم، ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾، نمكننك استقبال قبلة من وليته كذا، أي صيرته واليًا له، ﴿قِبْلَةً تَرْضاها﴾، تحبها، ﴿فَوَلِّ﴾: اصرف، ﴿وجْهَكَ شَطْر المَسْجِدِ الحَرامِ﴾، أي: نحوه، ﴿وحيثُ ما كُنتُمْ﴾، من بر وبحر، وهو بمعنى الشرط، أي: أينما كنتم فالفاء، ﴿فَوَلوا﴾، للجزاء، ﴿وُجُوهَكم شَطْرهُ﴾، حين الصلاة، ﴿وإن الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾: اليهود، ﴿لَيَعْلَمُونَ أنّهُ﴾: أمر الكعبة، ﴿الحَقُّ من ربهِمْ﴾، ليقينهم بحقية محمد عليه الصلاة والسلام، وبأن الكعبة قبلة إبراهيم، ﴿وما اللهُ بغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾: من العلم وكتمانه، ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آية﴾: دالة على أن الكعبة قبلة، ﴿ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾، لأنّهُم حساد جاحدون، ﴿وما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾، قطع لأطماع اليهود الرجوع إلى الصخرة ثانيًا، ﴿وما بَعْضُهُم بِتابِع قبْلَةَ بَعْضٍ﴾: اليهود تستقبل الصخرة، والنصارى مطلع الشمس، فمحال أن تراعي خاطرهم، إن أردت مثلًا لاختلافهم، ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُم﴾، مثلًا، ﴿مِّنْ بَعْدِ ما جاءكَ مِنَ العِلْمِ﴾، بأن لك الحق بالوحي، ﴿إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾، مثلهم وبالحقيقة هذا تهديد لأمته، ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾: علماءهم، َ ﴿يَعْرِفُونه﴾: محمدًا بنعته وصفته، ﴿كَما يَعْرِفُونَ أبْناءهُمْ﴾: كمعرفتهم أبناءهم بلا التباس، ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾، أي: نعته وصفته، أما العوام فلا يعرفون شيئًا، وأما المؤمنون منهم فلا يكتمون، ﴿وهم يَعْلَمُون﴾، فإنهم يقرؤن في كتابهم، ﴿الحَقُّ مِن رّبِّكَ﴾، مبتدأ أو خبر واللام للإشارة إلى الحق الذي يكتمونه، أو إلى ما عليه محمد عليه الصلاة والسلام، أو تقديره هو الحق حال كونه من ربك، ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الُممْتَرِينَ﴾: الشاكين فيما أخبرتك، وهذا مبالغة في تحقيق الأمر، أو أمر للأمة.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب