الباحث القرآني

﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ أي: اذكر حاله في ذلك الوقت حتى تعلم أنه ترك المأمور ولم يَكن ذا عَزم، ﴿فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ أبى﴾، مستأنفة أي: أظهر الإباء واستكبر ﴿فَقُلْنا يا آدَمُ إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما﴾ يعني: كونا على وجه لا يؤثر فيكما غوايته ﴿مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾: فتتعب في طلب رزقك، فإنك هاهنا في عيش رغيد بلا كلفة، وأسند الشقاءَ إليه وحده لأن طلب الرزق على الرجل، ﴿إنَّ لَكَ ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها﴾، من قرأ أنك بالفتح فهو عطف على أن لا تجوع قال أبو البقاء: تقع أن المفتوحة معمولة للمكسورة لما فصل بينهما، نحو: إن عندنا أن زيدًا منطلق، وعلى أي حال جاز في المعطوف عليه ما لا يجوز في المعطوف ﴿ولا تَضْحى﴾: لا تصيبك الشمس وأذاها ﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ﴾ أي: شجرة من أكل منها صار مخلدًا لا يموت ﴿ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾: لا يزول، ﴿فَأكَلا مِنها فَبَدَتْ لَهُما سَوْءاتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما﴾ أي: أخذا يلزقان على سوآتهما للتسَتر ﴿مِن ورَقِ الجَنَّةِ﴾ عن ابن عباس ذاك ورق التين، ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ﴾: بأن خالف أمره، ﴿فَغَوى﴾: أخطأ طريق الحق، ولم ينل مراده، ويجوز أن يقال ”وعصى آدم“ ولا يجوز أن يقال آدم عاصٍ لأنه لا يقال عاص إلا لمن اعتاد العصيان كما لا يقال من خاط ثوبه مرة خيّاط ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ﴾: اصطفاه، ﴿فَتابَ عَلَيْهِ﴾: قبل توبته ﴿وهَدى﴾: هداه إلى الثبات على التوبة ﴿قالَ﴾ الله: ﴿اهْبِطا مِنها﴾: من الجنة والهبوط النزول إلى الأرض ﴿جَميعًا﴾، لما كانا أصلي البشر خاطبهما مخاطبتهم ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾: متعادين بالحسَد وأنواع العداوات ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾: كتاب ورسول ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ﴾: في الدنيا، ﴿ولا يَشقى﴾: في الآخرة الشرط الثاني مع جوابه جواب للشرط الأول، وما مزيدة أكدت به ”إن“ التي للشك وعلم منه أن إرسال الرسل غيرٍ واجب عقلًا، ﴿ومَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾: عن اتباع القرآن، ﴿فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾، المراد عذاب القبر، وقد ورد أن المعيشة الضنك أنه يسلط عَليه تسعة وتسعون حية، ينهشون لحمه حتى تقوم الساعة أو في الدنيا بأن لا طمأنينة له فلا يزال في نصب من خوف القلة وما برح في تعب من هم إلا زيد في الدنيا أخذت بمجامع همه أو في النار، والضنك الضيق مصدر وصف به يستوى فيه المذكر والمؤنث ﴿ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾: أعمى البصر أو لا حجة له ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قالَ كَذَلِكَ﴾: مثل ذلك فعلت أنت ثم فسره فقال: ﴿أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها﴾: َ تركتها وأعرضت عنها، ﴿وكَذَلكَ﴾: مثل تركك إياها ﴿اليَوْمَ تُنْسى﴾: تترك على عماك ﴿وكَذَلكَ نَجْزِي مَن أسْرَفَ﴾: في مخالفة الله، ﴿ولَمْ يُؤْمِن بِآياتِ رَبِّه ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ﴾: من ضنك العيش، ﴿وأبْقى﴾ قيل: معناه عذاب الآخرة بعد العمى، وهو النار أشد وأبقى ﴿أفَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ﴾، فاعل ”يهْد“ جملة ”كم أهلكنا“ بواسطة مضمونها أي كثرة إهلاكنا لأن كم لا يعمل فيه ما قبله أو فاعله ضمير لله، والجملة في تأويل المفعول أي: أفلم يبين الله لهم مضمون هذه الجملة، وعند البصريين فاعله مضمر يفسره كم أهلكنا ﴿يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ﴾، والحال إنهم [يترددون في] مساكنهم الخالية حين سفرهم إلى الشام فإن ديار ثمود ولوط بين الشام ومكة ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾: لذوى العقول الناهية عن التغافل والتعامي.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب