الباحث القرآني

﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾: أفسح ربي قلبى لتحمل أعباء النبوة. ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: سهل عليَّ أبهم الكلام أولا، وعلم أن [ثَمَّ] مشروحًا وميسرًا، ثم رفع الإبهام بصدري وأمري ففيه تأكيد ومبالغة. ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِساني﴾ هو في صغره كان يومًا في حجر فرعون فأخذ لحيته ولطمه فتشاءم به وأراد قتله، فقالت امرأته: إنه لا يعرف ولا يعقل ونمتحنه، فقربوا إليه جمرتين ولؤلؤتين فتناول جمرتين ووضعهما في فيه فاحترق لسانه وصارت عليه عقدة وأصابه اللثغ، وعن بعض السلف سأل حل عقدة واحدة، ولو سأل أكثر من ذلك لأعطي، ولذلك بقي في لسانه شيء من الرتة، ومنها قال فرعون: ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾: يفهموه هو جواب الأمر ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي هارُونَ أخِي﴾ مفعولاه إما وزيرًا أو هارون قدم ثانيها للعناية به أولى ووزيرًا وهارون عطف بيان للوزير، أو وزيرًا ومن أهلى وأخى على وجه بدل من هارون أو عطف بيان آخر ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾: ظهري أو قوتي. ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾: في الرسالة ومن قرأ ﴿أشْدُد وأشْركه﴾ بلفظ الخبر فهما جواب الأمر ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾، فإن التعاون يؤدي إلى تكاثر الخير ﴿إنَّكَ كنْتَ بِنا﴾: بأحوالنا ﴿بَصِيرًا﴾، فأعطنا ما هو الأصلح لنا. ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾: مسئولك ﴿يا مُوسى ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ﴾: بالإنعام، ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾: في وقت آخر ﴿إذ أوْحَيْنا﴾: ألهمنا ﴿إلى أُمِّكَ﴾ وقيل: أوحى إليها ملكًا لا على وجه النبوة، أو على لسان نبي في وقتها ﴿ما يُوحى﴾: ما لا يعلم إلا بالوحي ﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾: بأن ألقيه وضعيه. ﴿فِي التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾: بحر النيل ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ جعل البحر كأنه ذو تمييز فأمره وأخرج الجواب مخرج الأمر ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ جواب فَلْيُلْقِهِ وتكرير عدو للمبالغة. ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً﴾: كائنة ﴿مِنِّي﴾ قد ركزتها في القلوب، يحبك كل من يراك، أو مني ظرف لـ ألقيت، أي: أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾: لتربى ويحسن إليك بمرأى، ومنظر مني كما يراعى الرجل الشيء بعينيه إذا اعتني به، تقديره ليتعطف عليك ولتصنع، أو تقديره ولتصنع فعلت ذلك ﴿إذ تَمْشِي﴾ ظرف لـ ألقيت أو لتصنع بدل من إذ أوحينا على أن المراد به وقت متسع ﴿أختكَ﴾: مريم ﴿فتَقُولُ﴾: حين ألقاه النيل إلى الساحل وأخذه فرعون وأحبه وكان لا يقبل ثدي أحد من المراضع كما قال تعالى: ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]. ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾: فجاءت بأمك فقبلت ثديها. ﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾: بلقياك وقد مر اشتقاقه في سورة مريم ﴿ولا تَحْزَنَ﴾: هي لفراقك قيل أي: لا تحزن أنت على فراقها، قد ذكر أن أمه اتخذت تابوتًا ووضعته فيه، فأرسلته في النيل وأمسكته بحبل، وكانت ترضعه في الليالي ثم ترسله في النيل، لأنه قد ولد في سنة أمر فرعون بقتل الغلمان المولود فيها، فذهبت مرة لتربط الحبل فانفلت من يدها فذهب به البحر فاغتمت، وذهب به النيل إلى دار فرعون فالتقطه آل فرعون ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ أي: القبطي الذي استغاثه على الإسرائيلي ﴿فَنَجَّيناكَ مِنَ الغَمِّ﴾: بأن غفر الله لك، وأمنك من القتل. ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾: ابتليناك ابتلاء أو جمع فتن يعني ضروبًا من الفتنة، وهي ما وقع عليه من الواقعات قبل النبوة ﴿فَلَبِثْتَ﴾: مكثت ﴿سِنِينَ﴾ أي: عشر سنين ﴿في أهْلِ مَدْيَنَ﴾: منزل شعيب - عليه السلام - على ثمان مراحل من مصر. ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحى فيه الأنبياء أو قدر قدرته في علمي ﴿يا مُوسى واصْطَنَعتكَ لِنَفْسِي﴾: اخترتك لرسالتي وأمري تمثيل لكمال قربه ووفور حبه ﴿اذْهَبْ أنتَ وأخوكَ بِآياتِي﴾: معجزاتي ﴿ولا تَنِيا﴾: ولا تقصرا ولا تفترا ﴿فِي ذِكْري﴾، يعني لا تنسياني وقيل لا تقصرا في تبليغ ذكري ورسالتي ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾: تكبر، أمره بالذهاب وحده أولًا حيث قال: اذهب إلى فرعون وثانيًا: مع أخيه ﴿فقولا لَه قَوْلًا لَيِّنًا﴾: فلا تعنفا في قولكما كي لا تأخذه أنفة ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾: يذعن للحق ﴿أوْ يَخْشى﴾: أن يكون الأمر كما تصفان فيجر إنكاره إلى هلاكه يعني: اذهبا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو ترتب الفائدة على سعيه فيجتهد بطوقه، قيل قبل النصح أولًا ثم أضله هامان ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾: أن يعجل علينا بالعقوبة ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾: يجاوز الحد في الإساءة علينا أو فيك ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما﴾: بالحفظ والعون ﴿أسْمَعُ﴾: ما يجري بينكم ﴿وأرى﴾: لست بغافل عنكما ﴿فَأْتِياهُ﴾: فأتياه مكثا في بابه حينًا طويلًا قيل: سنتين حتى أذن لهما ﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾: خل عنهم وأطلقهم ﴿ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾: بالأعمال الشاقة ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾: ببرهان ومعجزة على رسالتنا ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ أي: السلامة من عذاب الله عليه ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ﴾: الرسل ﴿وتَوَلّى﴾: وأعرض عنهم، ومن لين المقال أنه ما قال: إن العذاب عليك إن كذبت وتوليت ﴿قالَ﴾: بعدما أتياه، وقالا ما أُمرا به ﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾، خص موسى بالنداء لأنه المتكلم، أو لأنه عرف أنه الأصل وهارون ممده، أو لما علم أن له رتة، ولهارون فصاحة حمله خبثه على ذلك ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾: صورته وشكله اللائق به ﴿ثُمَّ هَدى﴾: هداه إلى منافعه وأعطى كل حيوان نظيره وزوجه ثم هداه كيف يأتي الذكر الأنثى، وقيل أي: أوجد الأشياء وقدر الأرزاق والآجال والأعمال، ثم الخلائق ماشون على قدر لا يقدر أحد عن الخروج منه، كما قال: ﴿والذي قدَّرَ فهدى﴾ [الأعلى: ٣]، وقيل أي: أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه، ثم هداهم إلى استعماله وعلى هذا خلقه مفعوله الأول، ولما كان الجواب بليغًا جامعًا مفحمًا بهت فلم ير إلا صرف الكلام عن الطريق الأول ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأولى﴾: ما حالهم مع أن أكثرهم عابدو الأصنام. ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ ربي﴾: أعمالهم محفوظة عنده ﴿فِي كِتابٍ﴾: اللوح المحفوظ ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي﴾: لا يخطيء شيئًا. ﴿ولا يَنْسى﴾: ولا يذهب عنه ويجازيهم أو لا يضل ربي الكافر حتى ينتقم منه ولا ينسى الموحد حتى يجازيه أو لما سأل عن سعادتهم وشقاوتهم أحال علمه إلى الله فكأنه قال: لا أعلم حالهم ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾: كالمهد، ﴿وسَلَكَ﴾: حصل ﴿لَكم فِيها سُبُلا﴾: تسلكونها ﴿وأنزَلَ مِنَ السماءِ ماءً﴾ أي: المطر ﴿فَأخْرَجنا بِهِ﴾ قيل: تم كلام موسى وهذا من كلام الله، وقيل: من تمام كلام موسى لكن عدل إلى التكلم على الحكاية لكلام الله تنبيهًا على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال قدرته، وإيذانًا بأنه مطاع تذعن الأجناس المتفاوتة لمشيئته، ويمكن أن يكون كلام موسى، فأخرج بصيغة الغيبة لكن لما حكى الله قوله حكاه لفظًا بلفظ حتى انتهى إلى قوله: ”فأخرجنا“ غير الأسلوب إلى التكلم تنبيهًا على عظم قدره، وأنه أمر لا يدخل تحت قدرة غيره ﴿أزْواجًا﴾: أصنافًا ﴿مِن نَباتٍ شَتّى﴾؛ مفترقات جمع شتيت والنبات مصدر سمي به النابت فاستوى فيه الواحد والجمع فلهذا جاز وصفه بـ شَتّى التي هي جمع وقيل شيء صفة أزواجًا ﴿كُلُوا﴾ أي: فأخرجنا قائلين كلوا ﴿وارْعَوْا أنعامَكُمْ﴾ أي كلوا أنتم من النبات وأسرحوا أنعامكم فيها ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ ذوي العقول الناهية عن القبائح.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب