الباحث القرآني

﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ فَلاَ كفْرانَ لِسَعْيِهِ﴾ الكفران مثل في حرمان الثواب كما أن الشكر في إعطائه، ﴿وإنّا لَهُ﴾: لسعيه، ﴿كاتِبُونَ﴾، في صحيفة عمله، أو إنا كاتبون لمن يعمل ما عمل، ﴿وحَرامٌ﴾: ممتنع، ﴿عَلى﴾: أهل، ﴿قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ أي: رجوعهم إلى الدنيا، فـ ﴿لا﴾ صلة، وقيل معنى الحرام الواجب فـ ﴿لا﴾ غير صلة، وقيل: معناه حرام على أهل قرية قدرنا إهلاكهم بالكفر أن يرجعون عن كفرهم وينيبوا، وقيل: حرام عليهم عدم كفران سعيهم، لأنّهُم لا يرجعون عن الكفر، ﴿حَتّى إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ﴾ أي: حرام عليهم الرجوع إلى الدنيا إلى أن فتحت سد يأجوج ومأجوج فإنهم يحيون ويرجعون إلى الدنيا حينئذ للقيامة، أو ممتنع عليهم الإنابة إلى القيامة، وإنابتهم في القيامة لا تنفع، ﴿وهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ﴾: مرتفع من الأرض، ﴿ينسِلُون﴾، يسرعون في الحديث ”هم صغار العيون عراض الوجوه من كل حدب ينسلون“، ﴿واقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ﴾ أي: القيامة عطف على فتحت، ﴿فَإذا هِيَ﴾، جواب الشرط، وإذا للمفاجأة سد مسد الفاء فإذا دخل الفاء أيضًا تأكد الارتباط، ﴿شاخِصَةٌ أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فتحت أعينهم لا يكاد تطرف من الهول، وضمير هي مبهم يفسره الأبصار، أو ضمير القصة، ﴿يا ويْلَنا﴾ أي: قالوا يا ويلنا، ﴿قَدْ كُنّا في غَفْلَةٍ﴾: في الدنيا، ﴿مِن هَذا﴾، اليوم ما كنا نعلم أنه حق، ﴿بَلْ كُنّا ظالِمِينَ﴾: لأنفسنا لأنه نبهنا الرسل فكذبناهم، ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ﴾ أي: الأصنام، ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ الحصب، ما يحصب ويرمى به في النار، ﴿أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ استئناف، واللام للاختصاص فإن استعمال الورود بعلى، وقيل لها خبر وواردون خبر ثان، ﴿لَوْ كانَ هَؤُلاءِ﴾: الأصنام، ﴿آلِهَةً ما ورَدُوها وكُلٌّ﴾: من العابد والمعبود، ﴿فِيها خالِدُونَ لَهُمْ﴾: للكافرين، ﴿فِيها زَفِيرٌ﴾: أنين، ﴿وهم فِيها لا يَسْمَعُونَ﴾، عن ابن مسعود إذا بقي من يخلد فيها جُعل لكل منهم تابوت من نار مسمر من نار فلا يظن أحد منهم أنه يعذب في النار غيره، ثم قرأ وهم فيها لا يسمعون، ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾: الرحمة والسعادة، ﴿أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ قد ذكر أنه عليه السلام لما تلا ”إنكم وما تعبدون“ الآية، قيل قد عبدت الملائكة وعزير ومسيح فكل منهم مع آلهتنا في النار فأجاب عليه السلام أنّهم إنما يعبدون الشيطان، ومن أمرهم بعبادته ثم نزل ”إن الذين سبقت لهم منا الحسني“ الآية، استثناء من المعبودين، فعلى هذا ”وما تعبدون“ عام مخصص، ﴿لاَ يَسْمَعون حَسِيسَها﴾ هو صوت يحسُّ به، خبر ثان لأولئك أو حال، ﴿وهم في ما اشْتَهَتْ أنْفُسُهم خالِدُونَ﴾: دائمون في التنعم، ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾: النفخة في الصور، أو حين يؤمر بالكفار إلى النار، أو حين يطبق النار على أهلها، أو حين يذبح الموت، ﴿وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾: تستقبلهم الملائكة على أبواب الجنة مهنئين قائلين ﴿هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾: للثواب، ﴿يَوْمَ﴾ عامله لا يحزنهم أو تتلقاهم أو اذكر، ﴿نَطْوِي السَّماءَ﴾ الطي ضد النشر، ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ السجل الصحيفة، صرح بذلك جماهير السلف، أي: كطي الطومار لأجل ما يكتب فيه، يعني: تطوى السماء كما يطوى الكتاب الطومار ويسوى ويضعه مطويًا حتي إذا احتاج إلى الكتابة لم يحتج إلى تسوية، أو السجل ملك يطوي كتب بني آدم وعلى هذا اللام زيدت للاختصاص، وفي سنن أبي داود والنسائي أنه كاتب لرسول الله ﷺ وكثير من الأكابر صرحوا بوضعه، وقالوا: لا يعرف من الصحابة أحد اسمه السجل، ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾، أي: نعيد أول الخلق كما بدأناه، وأول الخلق عبارة عن إيجادة عن العدم فنصب أول نعيد المقدر المفسر بـ نعيد وكم مفعول مطلق أو كما مفعول له لـ نعيد المقدر وما موصولة، وأول ظرف لـ بدأنا وحينئذ مفعول بدأنا ضمير لما، أى: نعيد مثل الذي بدأناه في أول الخلق حين الإيجاد عن العدم، ﴿وعْدًا عَلَيْنا﴾، أي: نعد وعدًا علينا إنجازه، أو مصدر مؤكد، ﴿إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾: ذلك ألبتَّة، ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزبورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ﴾: الزبور ما أنزل من الكتاب، والذكر اللوح المحفوظ، أي: كتبنا في الكتب بعد ما كتبنا في اللوح أو هو كتاب داود، والذكر التوراة، ﴿أنَّ الأرْضَ﴾ أرض الجنة، أو أرض الكفار، أو بيت المقدس، ﴿يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾: المؤمن مطلقًا أو أمة محمد - عليه السلام، ﴿إنَّ في هَذا﴾: القرآن، ﴿لَبَلاغًا﴾: لكفاية، أو لوصولًا إلى البغية، ﴿لقَوْمٍ عابِدِينَ﴾: لله لا للشيطان، ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِّلْعَمالَمِينَ﴾: للبر والفاجر، فإنه رُفع ببركته ﷺ الخسف والمسخ والاستئصال، أو أرسله للرحمة على الكل، لكن بعضهم أعرضوا عن الرحمة، وما تعرضوا لها فحرمانهم وشقاوتهم من سوء شكيمتهم، ﴿قُلْ إنَّما يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾: لا متعدد كما تقولون، أو المقصود الأصلي من جميع الوحي العلم بالوحدانية، فكأنه ما نزل عليه إلا هذا، أو ما كافة، ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾: مخلصون العبادة لله، ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾: عن الإسلام، ﴿فَقُلْ آذَنْتُكُمْ﴾، أنذرتكم بالعذاب، ﴿عَلى سَواءٍ﴾: مستوين في الإعلام، أو إيذانًا على سواء، أو حال من الفاعل والمفعول، أي: مستويان في العلم بما أعلمتكم لا أدري وقته، وقيل معناه: إن أعرضوا فقل أعلمتكم بما يوحى إلى مستوين في العلم ما كتمت شيئًا عن أحد، ﴿وإنْ﴾: نافية، ﴿أدْرِي أقَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ﴾، من العذاب أو القيامة، ﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ مِنَ القَوْلِ ويَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ﴾ لا تفاوت عنده في إسراركم الطعن في الإسلام وإجهاركم، ﴿وإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ﴾: لعل تأخير العذاب، ﴿فِتْنَةٌ﴾: اختبار، ﴿لَكم ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ تمتيع إلى أجل قدَّره الله، ﴿قالَ رَبِّ احْكُمْ﴾، اقض بيننا وبينهم، ﴿بِالحَقِّ﴾ بالعدل، أمرٌ باستعجال عذاب هو حقيق لهم، وقد وقع ببدر، وفي الدعاء أيضًا إظهار لعبوديته والرغبة، وإن كان المدعو أمرًا محققًا، ﴿ورَبُّنا الرَّحْمَنُ المُسْتَعانُ﴾، المسئول منه المعونة، ﴿عَلى ما تَصِفُونَ﴾، من الحال فإن زعمهم أن راية الإسلام ستنتكس عن قريب وتصير الشوكة لهم فخيب الله آمالهم وخرب مآلهم. والحمد لله على ذلك.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب