الباحث القرآني

﴿وًإذْ نادى﴾ مقدر باذكر ﴿رَبُّكَ مُوسى أنِ ائْتِ﴾ أي بأن، أو أن مفسرة ﴿القَوْمَ الظّالِمِينَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ ألا يَتَّقُونَ﴾ تقديره ائتهم قائلًا قولي لهم ”ألا يتقون“ نحو: ﴿وإذا سألك عبادى عني فإني قريب﴾ [البقرة: ١٨٦] أو استئناف أتبعه إرساله إليهم تعجيبًا لموسى من أمنهم العواقب، وعدم خوفهم عقاب الله ﴿قالَ رَبِّ إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ ويَضِيقُ صَدْرِي ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي﴾ بعد التكذيب فأعجز عن جوابهم ﴿فَأرْسِلْ﴾ جبريل ﴿إلى هارُونَ﴾ اجعله نبيًا يقوي قلبي، ويتكلم حيث تعروني حبسة ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ تبعة ذنب وهي قصاص قتل قبطي قتله موسى ﴿فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ به فلم يتم أمر الرسالة ﴿قالَ كَلّا﴾ لن يقتلوك ﴿فاذْهَبا﴾ عطف على ما دل عليه كلا، أي: ارتدع عما تظن فاذهب أنت وهارون، وغلب الحاضر ﴿بِآياتِنا إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾ لما يجري بينكم، وبين عدوكم، فأظهركم عليه، فلا تخف ذكر ”معكم“ بلفظ الجمع كـ ”مستمعون“ للتعظيم مثل نفسه بمن حضر محضرًا ليصغى إلى مقاولتهم فيمد أولياءه، ومعكم إما حال، أو ظرف مقدم، أو خبر أول، ﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ لوحدة المرسل به وحد الرسول أو لاتحادهما في الأخوة، أو لأنه أراد كل واحد منهما، أو لأنه مصدر وصف به أي: ذوو رسالة ﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ خلهم يذهبوا معنا إلى الشام ﴿قالَ﴾ فرعون بعدما أتيا وأديا رسالتهما: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا﴾ في منازلنا ﴿ولِيدًا﴾ طفلًا ﴿ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ ثلاثين سنة ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَتِي فَعَلْتَ﴾ أي: قتل القبطي، وبخه بما جرى على يده، وعظمه حيث أتي به مجملًا كأنه لفظاعته لا ينطق به بعدما عدد عليه نعمه، ﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ الجاحدين لنعمتي ﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ الجاهلين لم يأتني من الله شيء ﴿فَفَرَرْتُ منِكم لَمّا خِفْتُكم فَوَهَبَ لِي ربَي حُكْمًا﴾ نبوة أو فهمًا وعلمًا ﴿وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أي: تلك التربية نعمة، لأنك اتخذتهم عبيدًا، وما اتخذتني عبدًا فهذا اعتراف بنعمته، أو تلك نعمة لأجل أنك عبدتهم، ولولا ذلك لكفلني أهلي، وما كنت إلى تربيتك محتاجًا يعني هذا منة، ونعمة لا حقيقة تحتها، بل نقمة في الحقيقة، أو تلك إشارة إلى ما في الذهن، وقوله أن عبدت إلخ عطف بيانها أي: تعبيدك إياهم منة تمنها عليَّ، وليست إلا غاية نقمة وبلية، أو همزة الإنكار مقدرة أي: أو تلك نعمة، وقوله: أن عبدت إلخ علة للإنكار، أي: هل يبقي إحسان مع تلك الإساءات، وكيف تقابله؟!، ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ أي: أي شيء هو وهذا إنكار منه أن يكون إله غيره ﴿قالَ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ ما بين الجنسين ﴿إن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾ من أهل الإيقان والنظر الصحيح ﴿قالَ﴾ فرعون ﴿لِمَن حَوْلَهُ﴾ من أشراف قومه تعجبًا: ﴿ألاَ تَسْتَمِعُونَ﴾ هذا كأنه سمع ما لم يسمع قط ﴿قالَ﴾ موسى: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ حين لم يكن فرعون، ولا قومه إشارة إلى أن الإله لابد أن يكون قديمًا فالحادث لا يليق ﴿قالَ﴾ فرعون: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ حيث يتكلم بما لم نعهد أن نسمعه، وينفي ما اتفق عليه الخلق من ألوهيتي ﴿قالَ﴾ موسى ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَينَهُما﴾ فإن طلوع الشمس من جانب، والغروب من آخر علي هيئة مستقيمة مع اختلاف المطالع في فصول السنة من أظهر ما استدل به ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ إن كنتم عقلاء عارض [إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ] " به قيل: سؤال فرعون بقوله، وما رب العالمين، عن حقيقة المرسل، وموسى عرفه بأظهر خواصه وآثاره، إشارة إلى أن بيان حقيقته ممتنع، ولهذا قال: إن كنتم موقنين الأشياء محققين لها ثم استعجب فرعون لأنه سأل عن الحقيقة، وأجيب بالأفعال، ثم عدل إلى ما أقرب إلى الناظر، وأوضح عند التأمل، ثم صرح فرعون بجنونه لأنه يسأل عن شيء، ويجيب عن آخر، ثم استدل بشيء من غرائب آثاره الظاهرة الدالة على كمال قدرته وحكمته، فعدل فرعون إلي التهديد ﴿قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لأجْعَلَنَّكَ منَ المَسْجُونينَ﴾ اللام للعهد فسجنه هوة بعيدة العمق مظلمة، أي: ممن عرفت حالهم في السجن ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ الواو للحال، أي أتفعل بي ذلك، ولو جئتك بشيء يبين لك صدقي؟ ﴿قالَ فَأتِ بِهِ إن كنتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في دعواك أو في أن لك بينة ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مبِينٌ﴾ ظاهر ثعبانيته ﴿ونَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ تتلألأ كالشمس لها شعاع يكاد يغشى الأبصار ويسد الأفق.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب