الباحث القرآني

﴿وإنَّهُ﴾ القرآن ﴿لَتَنْزِيلُ﴾ منزل ﴿رَبِّ العالَمِينَ نَزَلَ بِهِ﴾ الباء للتعدية ﴿الرُّوحُ الأمِينُ﴾ جبريل ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ لأنه بلسانك ولغتك، فتفهمه أولًا من غير أن تلاحظ الألفاظ كيف جرت، ولو لم يكن بلغتك لكان نازلًا على سمعك تسمع الألفاظ، أولًا ثم تخرج المعاني منها وإن كنت ماهرًا بتلك اللغة أيضًا ﴿لِتَكُونَ مِنَ الُمنذِرِينَ﴾ عن كل ما لا يرضى به الله ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ واضح المعنى متعلق بـ نزل، وقيل بالمنذرين أي: لتكون ممن أنذروا بلغة العرب، وهم خمسة هود، وصالح، وإسماعيل، وشعيب، ومحمد عليهم أفضل الصلوات وأتمها ومن التحيات أزكاها ﴿وإنَّهُ﴾ أي: ذكر القرآن ﴿لَفِي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ كتبهم ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً﴾ على صحته ﴿أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أي: أليس علم علمائهم بأنه من الله دليلًا دالًا على صحته، والمراد العدول منهم كعبد الله بن سلام وسلمان، وقرئ تكن بالتاء مع رفع آية فآية اسم كان، ولهم خبره ”وأن يعلمه“ إلخ بدل من الاسم، أو اسم كان ضمير القصة ”وأن يعلمه“ إلخ مبتدأ أو آية خبره، والجملة خبر كان ﴿ولَوْ نَزَّلْناهُ﴾ القرآن الفصيح الذي عجز دونه أفصح فصحاء العرب ﴿عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ الذين لا يدرون من العربية ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ لفرط عنادهم، قال تعالي: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (٩٦) ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ﴾ الآية [يونس: ٩٦]، قيل: معناه، ولو نزلنا القرآن بلغة العجم على بعض الأعجمين فقرأه على أهل مكة ما كانوا به يؤمنون قال تعالى: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ [فصلت: ٤٤] ﴿كَذَلِكَ سَلَكناهُ﴾ أدخلنا الكفر والتكذيب ﴿فِي قُلُوبِ المُجْرِمِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ فلا ينفعهم حينئذ ﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُون﴾ بإتيان العذاب ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ يتمنون النظرة ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ وهم يطلبون النظرة عند نزول العذاب كما قالوا: ”فأتنا بما تعدنا“ [الأعراف: ٧٠] نقل أنه لما نزل لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم، قالوا: متى هذا العذاب؟ فنزل ”أفبعذابنا يستعجلون“؟! ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ أينفعهم تمتعهم في أيام متطاولة، ولم يدفع شيئًا من العذاب عنهم ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا لَها مُنْذِرُونَ﴾ رسل ينذرونهم ﴿ذِكْرى﴾ مصدر لـ منذرون لأن أنذر وذكر متقاربان، أو مفعول له أي: منذرون لأجل الموعظة، أو أهلكناهم بعد إلزام الحجة تذكره وعبرة لغيرهم ﴿وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ فنهلك قبل الإنذار ﴿وما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ نزل به الروح الأمين لا الشياطين ﴿وما يَنْبَغِي لَهُمْ﴾ ما يصح للشياطين أن ينزلوا به فإنهم ينزلون للفساد، وما في القرآن إلا الرشاد ﴿وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ إنزاله وإن أرادوا ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْع﴾ عن استراق السمع من السماء بحيث يكون المسموع كلامًا مفيدًا تامًّا ﴿لَمَعْزُولُونَ﴾ محجوبون كما قالوا: ﴿وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع﴾ الآية [الجن: ٩] ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ﴾ عن ابن عباس يحذر به غيره يقول: يا محمد أنت أكرم خلقي، ولو اتخذت إلهًا غيري لعذبتك ﴿وأنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ فإن الاعتناء بشأنهم [أهم] [[في الأصل وفو والتصويب من البيضاوي.]] ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ﴾ لين جانبك، وتواضع ﴿لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ لا من المنافقين، فإنهم أيضًا يتبعونك بحسب الظاهر ﴿فَإنْ عَصَوْكَ﴾ لم يتبعوك ﴿فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ وتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ الذي يقدر على قهر الأعداء، ونصر الأولياء يكفيك شر من يعصيك ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ إلى الصلاة وحدك ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ عطف على كافٍ يراك، أي: تصرفك بأركان الصلاة فيما بين المصلين يعني: يراك إذا صليت منفردًا، وإذا صليت في جماعة أو تصرفك وذهابك ومجيئك في أصحابك المؤمنين، أو تقلبك في أصلاب آبائك الأنبياء من نبي إلى نبي، حتى أخرك يعني: توكل على من يراك في أحوال اجتهادك في مرضاته ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ بعدما قال: ”وما تنزلت به الشياطين“، قال: هل أخبركم بأن الشياطين على من تتنزل ﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ﴾ كذاب ﴿أثِيمٍ﴾ كثير الإثم هم الكهنة والمنجمون ﴿يُلْقُون السَّمْعَ﴾ أي: يسترق الشياطين السمع من السماء فيختطفون كلمة من الملائكة ثم يلقونها إلى أوليائهم من الإنس مع مائة كذبة، وفي الحديث ”ربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقى قبل أن يدركه“، وهذا يدل على أن الاستراق حينئذ أيضًا واقع، أو معناه يلقى الأفاكون السمع إلى الشياطين فيتلقون منهم ظنون وأمارات أكثرها أكاذيب ﴿وأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾ قل من يصدق منهم ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ أي: الضالون يعني: شعراء الكفار الذين يهجون النبي عليه السلام، ويقولون: نحن نقول مثل ما يقول محمد يجتمع إليهم غواة يستمعون ويروون عنهم ﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ﴾ من أودية الكلام ﴿يَهِيمُونَ﴾ يذهبون كالمجنون، فإن أكثر الأشعار وأحسنها خيالات لا حقيقة لها ﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ فعلم أن القرآن ليس بشعر، وأنت لست بشاعر، فإن أتباعك هداة مهديون، والقرآن كله حق صدق وأنت بالصدق موصوف، وبالوفاء معروف ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحات﴾ استثناء للشعراء المؤمنين المادحين لرسول الله ﷺ الهاجين لأعداء الله ﴿وذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا﴾ في شعرهم، وغير شعرهم ﴿وانتصَرُوا﴾ من الكفار بهجوهم ﴿مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ أي: مكافأة هجاتهم هجوا للمسلمين لما نزلت ”والشعراء يتبعهم الغاوون“ جاء حسان، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك إليه عليه السلام، وهم يبكون، فقالوا: قد علم الله حين أنزل هذه الآية أنا شعراء، فأنزل الله ”إلا الذين آمنوا“ الآية ﴿وسَيَعْلَمُ الذِينَ ظَلَمُوا﴾ بأن ذموا قومًا، ومدحوا قومًا بباطل، وتكلموا بالأكاذيب ﴿أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ أي: مرجع يرجعون بعد الموت، فيه تهديد شديد وسياق الآية، وإن كان في الكفار وشعرائهم لكن عام لكل ظالم، ولهذا كتب الصديق رضى الله عنه عند الوصية: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به أبو بكر بن أبي قحافة عند خروجه من الدنيا حين يؤمن الكافر وينتهي الفاجر ويصدق الكاذب إني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب فإن يعدل فذاك ظني به، ورجائي فيه، وإن [يجر] ويبدل فلا أعلم الغيب، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب