الباحث القرآني

﴿واضْرِبْ﴾: [ومَثَّلَ] ﴿لَهُم مَّثَلًا أصْحابَ القَريةِ﴾ أي: مثلها بيان أو بدل من مثلًا، أو هما مفعولا اضرب، لما فيه من معنى الجعل، وقدم المفعول الثاني ﴿إذْ جاءها﴾ بدل اشتمال من أصحاب ﴿المُرْسَلُون﴾: رسل الله أو رسل عيسى بأمر الله ﴿إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾: وادَّعيا الرسالة ﴿فَكَذبُوهُما فَعَزَّزْنا﴾: قويناهما ﴿بِثالِثٍ﴾ برسول ثالث ﴿فَقالُوا﴾ أي: الرسل الثلاثة ﴿إنّا إلَيْكم مُرْسَلُونَ﴾: من ربكم، أو من رسول ربكم ﴿قالُوا ما أنتمْ إلا بَشَرٌ مِّثْلُنا﴾ وإنما الرسول ملك، وهذا شبهة أكثر الكفرة أن الرسول لابد أن يكون ملكًا ﴿وما أنزَلَ الرَّحْمنُ مِن شَيْءٍ﴾ أي: وحيًا ورسالة ﴿إن أنتُمْ إلا تَكْذِبُونَ﴾: في ادعاء الرسالة ﴿قالُوا ربنا يَعْلَمُ إنّا إلَيْكم لَمُرسَلُونَ﴾ استشهدوا بما هو يجرى مجرى القسم وهو علم الله ﴿وما عَلَيْنا إلا البَلاَغُ المُبِينُ﴾: التبليغ الظاهر المبرهن بالمعجزات ﴿قالُوا إذا نَظَيرْنا﴾: تشاءمنا ﴿بِكُمْ﴾ فإنه لم يدخل مثلكم على قرية إلا وعذب أهلها ﴿لَئِن لمْ تَنتَهُوا﴾: عن مقالتكم ﴿لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾: بالحجارة أو بالشتم ﴿ولَيَمَسَّنَّكُم مِّنّا عَذابٌ ألِيمٌ قالُوا طائِرُكُمْ﴾: شؤمكم ﴿مَعَكُمْ﴾ فإن قبائحكم التي لا تفارقكم سبب الشؤم ﴿أئِن ذكرتم﴾ جوابه محذوف، أي: أئن وُعِظتم تطيرتم بالواعظ ووعدتموه بالتعذيب؟! ﴿بلْ أنتمْ قَوْمٌ مسْرِفُونَ﴾: قوم عادتكم الإسراف في الضلال، ولذلك تتطيرون بواعظ من الله ﴿وجاءَ مِن أقْصا المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى﴾: يسرع شفقة على الرسل اسمه حبيب يعمل الحبال أو كان نجارًا أو قصارًا، ويتعبد في غارٍ بقرب بلدهم، وكان كثير الصدقة سقيمًا، لما سمع همهم بقتل رسلهم جاء لنصح قومه ونصرة رسل الله ﴿قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكم أجْرًا﴾: من لا غرض له ﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾ فقيل له: أنت تصدق هؤلاء وتذم ديننا فقال: ﴿وما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: بعد الموت، فيحازيكم بأعمالكم، فاعبدوا أنتم أيضًا إياه، ووحدوه وصدقوا رسله ﴿أأتَّخِذُ مِن دُونِهِ﴾: من دون الله ﴿آلِهَةً إنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهم شَيْئًا﴾: لا تمنع شفاعتهم عني شيئًا من العذاب ﴿ولاَ يُنقِذُونِ﴾: ولم يقدروا على إنقاذي ﴿إنِّي إذًا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾: إن أعدل عن عبادة قادر نافع ضار إلى عاجز ﴿إنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ﴾: الذي كفرتم به ﴿فاسْمَعُونِ﴾ أي: قولي أو الخطاب للرسل، ومعناه: اشهدوا لي بذلك عند ربكم، فوطئوه بأرجلهم حتى خرج قصبه من دبره، أو رجموه حتى قتلوه، فلما قتلوه ﴿قِيلَ﴾ أي: قال الله له: ﴿ادْخُلِ الجَنَّةَ﴾: بشره وأذن له فى الدخول، فلما رأى عناية الله ﴿قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ ما مصدرية أو موصولة، والباء صلة يعلمون، وقيل الباء صلة غفر وما استفهامية أي: يعلمون أنه غفر لي بأي شيء أراد الإيمان بالله، والمصابرة بإعزاز دينه ﴿وجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ﴾: تمني علمهم بحاله؛ ليعلموا أنه على الحق فيردعوا عن الكفر، أراد نصح قومه في حياته ومماته ﴿وما أنزَلْنا عَلى قَوْمِهِ﴾: قوم [حبيب] ﴿مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ منَ السَّماءِ﴾: لإهلاكهم ونصرة رسلنا، ولم نحتج في إهلاكهم إلى جند، بل الأمر أيسر ﴿وما كُنّا مُنْزِلِينَ﴾ الجند من السماء في إهلاك الأمم المكذبة، فإنزال الجند من السماء لنصرة نبيه المصطفى عليه أكمل الصلوات وأفضل التسليمات من خاصته لشرفه، أو معناه، وما صح في حكمتنا إنزال جند عليهم، لأنا قدرنا على إهلاكهم بأهون وجهٍ، وعن بعض معناه: وما أنزلنا على قومه من بعده برسل أخرى برسالة من السماء إليهم ﴿إن كانتْ﴾ أي: العقوبة ﴿إلا صَيْحَةً واحِدَةً﴾: من جبريل بعثه الله فأخذ بعضادتي باب بلدتهم، فصاح ﴿فَإذا هم خامِدُونَ﴾: ميتون كالرماد لم يبق في البلدة روح يتردد في جسد، واعلم أن بعض السلف وأكثر المتأخرين على أنّهم رسل عيسى، وأسماءهم يحيى، ويونس، وشمعون، والقرية أنطاكية، وذكروا أن ملك القرية وأكثر أهلها آمنوا بعد تقويتهما بثالث وظهور معجزاتهم، ومن بقى على الكفر أهلكوا، وكلام بعض السلف دال على أنّهم رسل الله وأسماؤهم صادق، وصدوق، وشكوم، وهو ظاهر القرآن انظر إلى قوله ”ما أنتمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا“ وأيضًا ذكر المؤرخون أن أول مدينة آمنت برسل عيسى هو أنطاكية، وفي القرآن أن هذه القرية أهلكوا لكفرهم، وأيضًا صرح كثير من السلف في قول الله ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى﴾ [القصص: ٤٣] أن الله ما أهلك من الأمم عن آخرهم بالعذاب بعد إنزال التوراة، بل أمر المؤمنين بقتال المشركين، فكيف يكون هلاك قرية رسل عيسى والله أعلم ﴿يا حَسْرَةً عَلى العبادِ﴾ نداء للحسرة، كأنه قيل تَعالي فهذه من أحوالك التي حقك أن تحضري، والظرف إما لغو أو صفة ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ ألَمْ يَرَوْا﴾: يعلموا ﴿كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ﴾ علق ألم يروا عن العمل لفظًا فيما بعده، لأن كم لا يكون معمولًا لما قبله ﴿أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ بدل الكل من جملة كم أهلكنا على المعني، فإن عدم الرجوع والإهلاك واحد ﴿وإنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ إن نافية ولما المثقلة بمعنى إلا، والظرف لجميع بمعنى مجموع أو لمحضرون أي: ما كلهم إلا مجموعون لدينا يوم الحشر محضرون.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب