الباحث القرآني

﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ﴾ لإرادة العموم أتى بهذا البيان ﴿فَحُكْمُهُ إلى اللهِ﴾ هذا كقوله: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللهِ والرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]. وهذا حكاية لقول رسول الله ﷺ على طريقة التعليم لقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾: أرجع ﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ خبر آخر لذلكم، أو مبتدأ خبره قوله: ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنفُسِكُمْ﴾ أي: من جنسكم ﴿أزْواجًا﴾: نساء ﴿ومِنَ الأنْعامٍ أزْواجًا﴾: وخلق للأنعام من جنسها أزواجًا، أو خلق لكم من الأنعام أصنافًا ﴿يَذْرَؤُكم فِيهِ﴾: يكثركم في ذلك الطريق والتدبير، وهو جعلكم أزواجًا يكون سببًا للتوالد ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾: قولنا: ليس كذاته، وليس كمثله، عبارتان عن معنى واحد إلا أن الأولى صريحة والثانية: كناية مشتملة على مبالغة، وهي أن المماثلة منفية ممن يكون مثله وعلى صفته، فكيف عن نفسه. وهذا لا يستلزم وجود المثل، وقيل: الكاف أو المثل: صلة ﴿وهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ لَهُ مَقالِيدُ﴾: مفاتيح، أو خزائن ﴿السَّماواتِ والأرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾: ويضيق ﴿إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى﴾ أي: أظهر وسنَّ لكم من الدين، دين نوح وهو أول أنبياء الشريعة، ومحمد وهو آخرهم، ومَن بينهما مِن أولي العزم ﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ﴾ بدل من مفعول شرع، أو ”أن“ مفسرة بمعنى: أي ﴿ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ المراد إقامة دين الإسلام وعدم الاختلاف فيه، أي: في التوحيد والطاعة ونحو ذلك من الأصول، لا الشرائع العملية المختلفة باختلاف مصالح الأمم ﴿كَبُرَ﴾: عظم وشق ﴿عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾ من ترك الشرك ﴿اللهُ يَجْتَبِي﴾: يصطفي ﴿إلَيْهِ﴾: إلى اللهَ ﴿مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾: من يُقْبِلُ إليه، وقيل: يجتبي من جبي الخراج أي: جمعه؛ لأن الكلام في عدم التفرق يناسب الجمع والانتهاء إليه، وضمير إليه للدين ﴿وما تَفَرَّقُوا﴾ أهل الأديان، أو أهل الكتاب ﴿إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ بأن الفرقة ضلالة، أو المراد من العلم الكتب السماوية ﴿بَغْيًا﴾: لعداوة وعناد ﴿بَيْنَهم ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾: بالإمهال ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾: يوم القيامة، أو آخر أعمارهم ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بأن جزيناهم بما يستحقون في أسرع وقت ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ إنجيل المتأخر بعد القرون الأولى ﴿لَفِي شَكٍّ مِنهُ﴾: من دينهم أو من القرآن ﴿مُرِيبٍ﴾: مدخل في الريبة ﴿فَلِذَلِكَ﴾ أي: إلى ما أوحينا إليك وإلى غيرك ﴿فادْعُ﴾ الناس. يقال: دعوت له وإليه، وقيل: لأجل ذلك التفرق ادع الناس إلى الاتفاق على دين الإسلام ﴿واسْتَقِمْ﴾ على عبادة الله تعالى ﴿كَما أُمِرْتَ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللهُ مِن كِتابٍ﴾ لا كمن آمن ببعض، وكفر ببعض ﴿وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ﴾: لأن أعدل في الحكم ﴿بَيْنَكُمُ اللهُ رَبُّنا ورَبُّكم لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكُمْ﴾ وكل يجازى بعمله ﴿لا حُجَّةَ﴾: لا خصومة ﴿بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ﴾ وهذا قبل نزول آية السيف فإن السورة مكية. وقيل: لا إيراد حجةٍ بيننا، فإنه قد ظهر الحق ﴿اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا﴾: يوم المعاد ﴿وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ فيفصل بيننا ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ﴾: يجادلون ﴿فِى اللهِ﴾: في دينه ﴿مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ أي: بعد ما استجاب الناس لله تعالى ودخلوا الإسلام، وقيل: بعد ما استجاب الله تعالى لرسوله بإظهار دينه، وقيل: بعد ما استجاب أهل الكتاب له وأقروا بنبوته ﴿حُجَّتُهم داحِضَةٌ﴾: باطلة زائلة ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ اللهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ﴾ جنسه ﴿بِالحَقِّ﴾ متلبسًا بعيدًا من الباطل ﴿والمِيزانَ﴾: العدل وهو شرعه، أو إنزال العدل عبارة عن الأمر به، أو المراد إنزال الميزان على الحقيقة، كما سنذكره في سورة الحديد من أنه نزل إلى نوح وأمر أن يوزن به ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ﴾: التي هي يوم الجزاء، ووضع الميزان والعدل ﴿قَرِيبٌ﴾ فواظب على العدل، وتذكير قريب، لأن الساعة بمعنى البعث، أو لأن تقديره: لعل مجيء الساعة ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾: استهزاء ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ﴾: خائفون ﴿مِنها ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ﴾: الكائن ألبتَّة فيستعدون لها ﴿ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ﴾: يجادلون ﴿فِي السّاعَةِ لَفي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ عن طريق الصواب ﴿اللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾: بار بالبر والفاجر ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ أي: يرزق من يشاء ما يشاء على مقتضى حكمته ﴿وهُوَ القَوِيُّ العَزِيزُ﴾: القادر المطلق الذي لا يغلب.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب