الباحث القرآني

﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، أي: لأجلهم، ﴿لَوْ كانَ﴾، أي: الإيمان، ﴿خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيهِ﴾، فإنهم فقراء، وعبيد، وإماء، ونحن أشرف والأشرف للأشرف، ﴿وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾، أي: بالإيمان، ﴿فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾، كما قالوا: أساطير الأولين والعامل في إذ محذوف، والفاء مسبب عنه، أي: ظهر عنادهم فسيقولون، وقيل: السين لمجرد التأكيد، والمضارع للاستقرار أو بحيث يتناول الماضي فلا حاجة إلى تقدير، ﴿ومِن قَبْلِهِ﴾، أي: قبل القرآن، ﴿كِتابُ مُوسى﴾، مبتدأ، وخبر، ﴿إمامًا ورَحْمَةً﴾، نصب على الحال، ﴿وهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ﴾، للكتب السماوية، ﴿لِسانًا عَرَبِيًّا﴾، نصب على الحال، ﴿لِيُنْذِرَ﴾، النبي، أو الكتاب علة مصدق، ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا وبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾، عطف على محل لينذر، ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾: أقروا بواحدانيته ثم استقاموا على التوحيد، وثم لتراخي مرتبة الاستقامة، فإن لها الشأن كله، ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾، مما يستقبلون، ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾، على ما خَلَّفوا، ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً﴾، أي: جُوزوا جزاء، ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ﴾، لما ذكر التوحيد عطف عليه بالوصية بالوالدين كقوله تعالي: (وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا [إلّا إيّاهُ]) الآية [الإسراء: ٢٣]، وقوله: ﴿أن اشكر لي ولوالديك﴾ [لقمان: ١٤]، ﴿إحْسانًا﴾، منصوب بـ وصينا بأنه بمعنى ألزمناه الحسن في أبويه، ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾، نصب على الحال، أي: ذات كره، أو صفة لمصدر، أي: حملًا ذا كره ومشقة، ﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ﴾، أي: مدتهما، والفصال: الفطام، ﴿ثَلاُثونَ شَهْرًا﴾، فأقل مدة الحمل ستة أشهر لأنه إذا حط عنه حولان كاملان لمن أراد أن يتم الرضاعة بقي ذلك، وفي سورة لقمان ”وفصاله في عامين“ [لقمان: ١٤] وعن ابن عباس رضي الله عنهما: إذا وضعت بعد تسعة أرضعت إحدى وعشرين، وإذا وضعت بعد ستة أرضعت أربعة وعشرين، ﴿حَتّى إذا بَلغَ أشُدَّهُ﴾: استحكم قواه واكتهل، قيل: هو ما بين ثماني عشر إلى أربعين، وقيل: ثلاث وثلاثون إلى أربعين، وهو غايته، ﴿وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي﴾: ألهمني، ﴿أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ﴾، والنعمة: الهداية والإسلام، ﴿وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي﴾، اجعل لي الصلاح ساريًا فيهم، ﴿إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ وإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾، قيل: نزلت في أبى بكر رضي الله عنه، اجتمع له إسلام أبويه وأولاده جميعًا، ولم يكن ذلك لأحد من الصحابة، وهذا إرشاد لمن بلغ الأربعين أن يجدد الإنابة إلى الله تعالى: فقد ورد ”من بلغ الأربعين، ولم يغلب خيره شره فليتجهز إلى النار“ [[”موضوع“ ذكره ابن الجوزي في ”الموضوعات“، (١/ ١٧٨)، والسيوطي في ”اللآلئ المصنوعة“، (١/ ٧١).]]، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾ أي: طاعاتهم فإنها أحسن من المباح، ﴿ونَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ في أصْحابِ الجَنَّةِ﴾: كائنين معدودين فيهم، ﴿وعْدَ الصِّدْقِ﴾، مصدر مؤكد لأن يتقبل ويتجاوز وعد، ﴿الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾، بلسان الأنبياء، وعن علي رضي الله عنه من الذين قال الله تعالى فيهم: ”أولئك الذين نتقبل عنهم“ الآية قال: والله عثمان وأصحاب عثمان قالها ثلاثًا، ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾، هو صوت يعلم منه أن قائله متضجر، واللام للبيان أي: هذا التأفيف لكما خاصة، لما ذكر تعالى حال البارّين بهما عقب بحال العاقين لهما، ﴿أتَعِدانِنِي أنْ أُخْرَجَ﴾، من قبري حيًا، ﴿وقَدْ خَلَتِ﴾: مضت ﴿القُرُونُ مِن قَبْلِي﴾، ولم يبعث منهم أحد، ﴿وهُما﴾: الوالدان، ﴿يَسْتَغِيثانِ الله﴾: يسألانه أن يغيثه بالهداية، وقيل: الغياث بالله منك، ﴿ويْلَكَ آمِن﴾: يقولان له ذلك دعاء عليه بالهلاك، والمقصود التحريض على الإيمان لا حقيقة الهلاك نصب على المصدر، ﴿إنَّ وعْدَ اللهِ حَقٌّ فَيَقُولُ﴾، الولد: ﴿ما هَذا﴾، الذي تدعونني إليه، ﴿إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾: أباطيلهم التي كتبوها، ﴿أُولَئِكَ﴾، خبر لقوله: ”والذي قال“، فالمراد ”بالذي“ الجنس القائل ذلك القول حتى جاز أن يكون خبره مجموعًا، ﴿الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾: كلمة العذاب وأنهم أهل النار، ﴿فِي أُمَمٍ﴾، كائنين معدودين فيهم، ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾، في الدنيا، والآية في كل كافر عاق، وفي الآية أدلة على ضعف قول من قال: إنّها في شأن عبد الرحمن بن أبى بكرٍ قبل إسلامه، وفي النسائي لما بايع معاوية لابنه قال مروان: سنة أبي بكر وعمر، فقال عبد الرحمن: سنة هرقل وقيصر، فقال مروان: هذا الذي أنزل الله تعالى فيه: ”والذي قال لوالديه“ الآية، فبلغ عائشة رضي الله عنها فقالت: والله ما هو به، ولو شئت أن أسمي الذي أنزل الله فيه لسميته، ولكن رسول الله ﷺ لعن أبا مروان ومروان فى صلبه فمروان فضض من لعنة الله تعالى، ﴿ولِكُلٍّ﴾، من الفريقين، ﴿دَرَجاتٌ مِّمّا عَمِلُوا﴾: مراتب من جزاء ما عملوا من الخير والشر، وتسمية الدركات درجات للتغليب، ﴿ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهُمْ﴾، أي: جزاءها، ومعلله محذوف، أي: وقدر لهم درجات ليوفيهم، ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾: بزيادة عقاب ونقص ثواب، ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ﴾، من باب القلب للمبالغة، أي: يعرض النار عليهم، أو معناه يعذبون عليها، ﴿أذْهَبْتُمْ﴾، أي: يقال لهم يوم القيامة ذلك، ﴿طَيِّباتِكُمْ﴾: لذائذكم، ﴿فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها﴾، فلم يبق لكم منها شيء، ﴿فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ﴾: الذل، ﴿بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾، فإن التكبر يمكن أن يكون بحق، ﴿وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾، رأى عمر رضى الله عنه في يد جابر لحمًا فقال: ما هذا؟ فقال: لحمًا اشتريته، فقال: أو كل ما اشتهيت اشتريت، أما تخاف هذه الآية ”أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا“.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب