الباحث القرآني

* اللغة: (هُمَزَةٍ) في المختار: «الهمز كاللمز وزنا ومعنى وبابه ضرب» وفيه أيضا «واللمز: العيب وأصله الإشارة بالعين ونحوها وبابه ضرب ونصر» والتاء فيهما للمبالغة في الوصف وقد تقدم أن بناء فعلة بضم الفاء وفتح العين لمبالغة الفاعل أي المكثرة لمأخذ الاشتقاق وبناء فعلة بضم الفاء وسكون العين لمبالغة المفعول يقال: رجل لعنة بضم اللام وفتح العين لمن كان يكثر لعن غيره ولعنة بضم اللام وسكون العين إذا كان ملعونا للناس يكثرون لعنه وعبارة السمين: «والعامة على فتح ميميهما على أن المراد الشخص الذي يكثر منه ذلك الفعل، وقرأ الباقون بالسكون وهو الذي يهمز ويلمز أي يأتي بما يهمز به ويلمز كالضحكة لمن يكثر ضحكه والضحكة لمن يأتي بما يضحك منه وهو مطّرد أعني أن فعله بفتح العين لمن يكثر منه الفعل وبسكونها لمن يكثر الفعل بسببه» . وعبارة ابن خالويه «والهاء في همزة دخلت للمبالغة في الذم كقولهم رجل همزة لمزة أي عياب مغتاب ورجل فروقة صخابة جخّابة: كثير الكلام والخصومات نقّاقة مهذارة هلباجة. قال الأصمعي: سألت أعرابيا عن الهلباجة فقال: هو الطويل الضخم الأحمق الكثير الفضول الكثير الأكل السيّء الأدب وإن وقفت نعتّه إلى غد فليس في العيوب شيء أسوأ من الهلباجة. فلما دخلت الهاء لذلك استوى المذكر والمؤنث فقيل امرأة همزة ورجل همزة وامرأة فروقة ورجل فروقة ولا يثنى ولا يجمع يقال: رجال همزة ونساء همزة، قال النحويون: إذا أدخلوا الهاء في الممدوح ذهبوا به مذهب الداهية ذي الإربة وهو العقل كما قيل رجل علّامة ونسّابة فإذا أدخلوا الهاء في المذموم ذهبوا به مذهب البهيمة ومثله قوله «بل الإنسان على نفسه بصيرة» الهاء للمبالغة ومثله قوله تعالى: ولا تزال تطلع على خائنة منهم، الهاء للمبالغة وأنشد: تدلي بودّي إذا لاقيتني كذبا ... وإن أغيب فأنت الهافر اللمزه فالهافر المغتاب واللامز العيّاب قال الله تعالى: ومنهم من يلمزك في الصدقات، أي يصيبك» والذي استخلصناه من كتب اللغة هو التصريف التالي لكليهما. يقال: همزه يهمزه بضم الميم وبكسرها همزا غمزه وضغطه ونخسه ودفعه وضربه وعضّه واغتابه في غيبته فهو همّاز وهمزة كسرة وهمز الشيطان الإنسان: همس في قلبه وسواسا وهمز به الأرض صرعه وهمز الفرس: نخسه بالمهماز ليعدو وهمز العنب أو رأسه عصره وهمز الكلمة أو الحرف نطق بها بالهمز أو وضع لها علامة الهمز. ويقال: لمزه يلمزه بضم الميم وبكسرها لمزا: عابه وأشار إليه بعينه ونحوها مع كلام خفي ودفعه وضربه ولمزه الشيب: ظهر فيه وقال سعيد بن جبير: «الهمزة الذي يهمز الناس بيده ويضربهم واللمزة الذي يلمزهم بلسانه ويعيبهم. وقال ابن كيسان: الهمزة الذي يؤذي جليسه بسوء اللفظ واللمزة الذي يكسر عينه ويشير برأسه ويرمز بحاجبه، وهناك أقوال أخرى ترجع كلها إلى أصل واحد وهو الطعن وإظهار العيب. (عَدَّدَهُ) قال الشهاب الحلبي المعروف بالسمين: «العامة على تثقيل الدال الأولى وهو أيضا للمبالغة وقرأ الحسن والكلبي بتخفيفها فمن شدّد ميمه نظر للمبالغة والتكثير ومن خفف ميمه جعله محتملا للتكثير وعدمه» والمعنى جمعه وضبط عدده وأحصاه. (لَيُنْبَذَنَّ) ليطرحنّ وعبارة ابن خالويه «ومعنى ينبذن يتركن في جهنم قال الله تعالى: فنبذوه وراء ظهورهم أي تركوه والصبيّ المنبوذ المتروك وهو ولد الحركة والمدغدغ وابن الليل وهو ولد الخبيثة وهو النّفل وابن المساعاة كله ولد الزناء. (الْحُطَمَةِ) من أسماء النار أي التي تحطم كل ما ألقي فيها، وفي المختار: «حطمه من باب ضرب أي كسره فانحطم وتحطم والتحطيم التكسير والحطمة من أسماء النار لأنها تحطم ما تلتقم» . (مُؤْصَدَةٌ) مطبقة قال: تحنّ إلى جبال مكة ناقتي ... ومن دونها أبواب صنعاء مؤصدة (عَمَدٍ) قرىء بفتحتين وبضمتين وبضم فسكون أما الأولان فهما جمعان لعمود، ففي كتب اللغة: العمود ما يقوم عليه البيت وغيره وقضيب الحديد والجمع أعمدة وعمد وعمد وأما الثالث فهو تخفيف لقراءة عمد بضمتين، وعبارة ابن خالويه: «والعمد جمع عمود ولم يأت في كلام العرب على هذا الوزن إلا أحرف أربعة: أديم وأدم وعمود وعمد وأفيق وأفق وإهاب وأهب، وزاد الفراء خامسا قضيم وقضم يعني الصحكاك والجلود وقرأ أهل الكوفة في عمد بضمتين وهو أيضا جمع عمود مثل رسول ورسل وروى هارون عن أبي عمرو في عمد بسكون الميم تخفيفا مثل رسول ورسل» . * الإعراب: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ) ويل مبتدأ ولكل همزة خبره وسوّغ الابتداء به مع أنه نكرة ما تضمنه من معنى الدعاء عليهم بالهلكة، وعبارة ابن خالويه «فإن سأل سائل: فقال: ويل نكرة والنكرة لا يبتدأ بها فما وجه الرفع؟ فقل النكرة إذا قربت من المعرفة صلح الابتداء بها نحو خير من زيد رجل من بني تميم ورجل في الدار قائم وكذلك ألف الاستفهام مسهلة الابتداء بالنكرة نحو قوله أمنطلق أخوك هذا قول، وقال آخرون: ويل معرفة لأنه اسم واد في جهنم نعوذ بالله منه فإن قيل: وهل تعرف العرب ذلك؟ فقل إن ألفاظ القرآن تجيء لفظا عربيا مستعارا كما سمى الله تعالى الصنم بعلا حيث اتخذ ربا والصنم عذابا ورجزا. فقال: والرجز فاهجر لأن من عبد الصنم أصابه الرجز فسمي باسم مسبّبه فلما كان الويل هلاكا وثبورا ومن دخل النار فقد هلك جاز أن يسمّى المصير إلى الويل ويلا وكذلك فسوف يلقون غيا قيل واد في جهنم نعوذ بالله منه. ويجوز في النحو ويلا لكل همزة على الدعاء أي ألزمه الله ويلا قال جرير: كسا اللؤم تيما خضرة في جلودها ... فويلا لتيم من سرابيلها الخضر بالنصب الرواية الصحيحة وأجاز الكوفيون: ويل وويل وويل وويلا على حسم الإضافة على إرادتها والويس كلمة أخف من الويل والويح كلمة أخفّ من الويس والويب كلمة أخف من الويح. ويل لزيد وويله وويحه وويسه ويبه فمتى انفرد جاز فيه الرفع والنصب ومتى أضيف لم يكن إلا منصوبا لأنه يبقى بلا خبر ومتى انفصل جعلت اللام خبرا وقال الحسن: ويح كلمة رحمة فإن قيل: كيف تصرف الفعل من ويح وويس وويل؟ فقل: ما صرّفت العرب منها فعلا، فأما هذا البيت المعمول: فما وال وما واح ... وما واس أبو زيد فلا تلتفتنّ إليه فإنه مصنوع خبيث» ولمزة بدل من همزة وهذه عبارة ابن خالويه «لمزة بدل منه والمهمزة عصا في رأسها حديدة تكون مع الرائض يهمز بها الدابة والجمع مهامز، قال عدي يصف فرسا: نصفه جوزه نصير شواه ... مكرم من مهامز الرّوّاض وأنشد أبو محلّم: هل غير همز ولمز للصديق ولا ... ينكي عدوكم منكم أظافير» وقيل تأكيد لهمزة تأكيدا لفظيا بالمرادف والذي بدل من كل بدل المعرفة من النكرة أو نصب بفعل محذوف على الذم وأعربها ابن خالويه نعتا لكل همزة لمزة وليس ببعيد، وجملة جمع صلة للذي لا محل له وفاعل جمع مستتر تقديره هو يعود على كل همزة لمزة ومالا مفعول به وعدده عطف على جمع وعبارة ابن خالويه «وعدده نسق عليه والمصدر عدّد يعدّد تعديدا فهو معدّد والهاء مفعول به وقرأ الحسن: جمع مالا وعدّده بالتخفيف أي جمع مالا وعرف عدده وأحصاه فمن خفّف جعل العدد مصدرا واسما ومن شدّد جعله فعلا ماضيا» وهذا قول في معنى التخفيف وقيل وجمع عدد نفسه من عشيرته وأقاربه وعدده وهي على هذا التأويل اسم أيضا معطوف على مالا أي وجمع عدد المال أو عدد نفسه وقيل أيضا إن عدده فعل ماض بمعنى عدّه إلا أنه شذّ في إظهاره والقياس الإدغام كما شذّ الشاعر في قوله: «إني أجود لأقوام وإن ضنّوا» أي بخلوا (يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ) الجملة حال من فاعل جمع أي حاسبا ظانّا أن المال سيخلده أي يوصله إلى رتبة الخلود فلا يموت ويجوز أن تكون مستأنفة استئنافا بيانيا واقعا في سؤال كأنه قيل: ما باله يجمع المال ويهتم به، وأن واسمها وجملة أخلده خبرها وأن وما في حيّزها سدّت مسدّ مفعولي يحسب وفي المختار: «الخلد بالضم البقاء وبابه دخل وأخلده الله وخلد تخليدا» (كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ) كلا ردع وزجر له عن حسبانه أي ليس الأمر كما دار في خلده من أن المال يخلده واللام جواب قسم محذوف وينبذنّ فعل مضارع مبني للمجهول ومبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة ونائب الفاعل مستتر تقديره هو والجملة لا محل لها لأنها جواب القسم وفي الحطمة متعلقان بينبذنّ والواو حرف عطف وما اسم استفهام في محل رفع مبتدأ وجملة أدراك جملة فعلية في محل رفع خبر وما اسم استفهام مبتدأ والحطمة خبر والجملة الاسمية المعلقة بالاستفهام سدّت مسدّ مفعول أدراك الثاني وقد تقدمت له نظائر كثيرة ونار الله خبر لمبتدأ محذوف أي هي نار الله والموقدة نعت للنار، وأجاز ابن خالويه أن تكون بدلا من الحطمة والموقدة نعت لنار الله وعبارته: «نار الله الموقدة: إن شئت جعلت النار بدلا وإن شئت رفعتها بخبر مبتدأ مضمر أي هي نار الله واسم الله تعالى جر بالإضافة والموقدة نعت للنار وزنها مفعلة من أوقدت أوقد إيقادا فأنا موقد والنار موقدة وقد وقدت النار نفسها تقد وقدا ووقودا بضم الواو فهي واقدة قال الله تعالى: وقودها الناس والحجارة، يعني حجارة الكبريت والوقود بالفتح الحطب وقرأ طلحة وقودها بضم الواو جعله مصدرا قال الشاعر- حاتم الطائي-: ليلك يا موقد ليل قرّ ... والريح مع ذلك ريح صرّ أوقد يرى نارك من يمرّ ... إن جلبت ضيفا فأنت حر وهذا أحسن ما قيل في معناه» . (الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ) التي نعت للنار ويجوز أن تكون في محل رفع أيضا خبرا لمبتدأ محذوف وجملة تطّلع صلة التي لا محل لها وفاعل تطّلع هي يعود على النار وعلى الأفئدة متعلقان بتطّلع ووزن تطّلع تفتعل أبدلت تاء الافتعال طاء لوقوعها بعد طاء وكذلك تبدل طاء إذا وقعت صاد أو ضاد أو ظاء قال عروة بن أدينة: عاود القلب خيال ردعه ... كلما قلت تناهى اطلعه يا له داء ترى صاحبه ... ساهم الوجه له ممتقعه (إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ) إن واسمها وعليهم متعلقان بمؤصدة وفي عمد صفة لمؤصدة وإليه ذهب أبو البقاء فتكون النار داخل العمد وقيل بمحذوف خبر لمبتدأ مضمر ورجح السمين أن يكون حالا من الضمير في عليهم أي موثقين وممددة نعت للعمد. * البلاغة: في قوله «لينبذنّ في الحطمة» بعد «ويل لكل همزة لمزة» مقابلة لفظية رائعة البلاغة فإنه لما وسمه بهذه السمة بصيغة دلّت على أنها راسخة فيه ومتمكنة منه اتبع المبالغة المتكررة في الهمزة واللمزة بوعيده بالنار التي سمّاها الحطمة لما يكابد فيها من هول ويلقى فيها من عذاب واختار في تعيينها صيغة مبالغة على وزن الصيغة التي ضمنها الذنب المقترف حتى يحصل التعادل بين الذنب والجزاء فهذا الذي ضري بالذنب جزاؤه هذه الحطمة التي هي ضارية أيضا تحطم كل ما يلقى فيها، قيل نزلت هذه السورة في الأخنس بن شريق وكان من عادته الغيبة والوقيعة وقيل في أمية بن خلف وقيل في الوليد بن المغيرة واغتيابه لرسول الله صلّى الله عليه وسلم وغضّه منه ولئن كان السبب خاصّا فإن الوعيد كان عامّا يتناول كلّ من اتّسم بهذه السمة الموهونة ليكون جاريا مجرى التعريض بالوارد فيه فإن ذلك أزجر له وأنكى فيه وقد مرّ بحث التعريض وهو عبارة عن أن يكني الإنسان بشيء عن آخر ولا يصرّح به لئلا يأخذه السامع لنفسه ويعلم المقصود منه كقول القائل ما أقبح البخل فيعلم أنك أردت أن تقول له: أنت بخيل، وكقول بعضهم للآخر: لم تكن أمّي زانية، يعرض بأن أمه زانية. والتعريض على كل حال نوع من الكناية ومن أمثلته الشعرية قول الحجّاج يعرض بمن تقدمه من الأمراء: لست براعي إبل ولا غنم ... ولا بجزار على ظهر وضم
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.