الباحث القرآني

* اللغة: (أَحَدٌ) تقدم القول فيه ونضيف إليه ما أورده ابن خالويه وهو كلام لطيف قال: «والأصل في أحد وحد أي واحد فانقلبت الواو ألفا وليس في كلام العرب واو قلبت همزة وهي مفتوحة إلا حرفان أحد وقولهم امرأة أناة أي رزان لأن الواو إنما تستثقل عليها الكسرة والضمة فأما الفتحة فلا تستثقل وهذان الحرفان شاذّان وزاد ابن دريد ثالثا: إن المال إذا زكّي ذهبت أبلته أي وبلته» قلت: قال أبو عبيدة أراد وبلته أي فساده وثقله من قولهم كلأ وبيل أي لا يمرىء الراعية ثم قال: «وزاد محمد بن القاسم رابعا: واحد آلاء الله ألى والأصل ولى من أولاه الله معروفا فإن جمعت بين واوين قلبتها همزة وإن كان مفتوحة مثل قولك في فوعل من وعد أوعد وكان الأصل ووعد فقلبوا الأولى همزة كراهية لاجتماع واوين» . (الصَّمَدُ) المقصود في الحوائج فهو فعل بمعنى مفعول كالقبض بمعنى المقبوض وقيل الصمد هو الذي لا جوف له وفي القاموس: «والصمد بالتحريك السيد لأنه يقصد والدائم» وعبارة ابن خالويه «واختلف الناس في تفسير الصمد فأجود ما قيل في الصمد: السيد الذي قد انتهى سؤدده ويصمد إليه الناس في حوائجهم فهو قصد الناس والخلائق مفتقرون إلى رحمته وأنشد: ألا بكر الناعي بخيري بني أسد ... بعمرو بن مسعود وبالسيد الصّمد وقال آخرون: الصمد الذي لا يطعم والصمد الذي لا يخرج منه شيء: من كان ذا خوف يخاف من الردى ... فإن خوفي صمد مصمت والصمد الباقي بعد فناء خلقه» وفي البخاري: «باب قوله «الله الصمد» والعرب تسمّي أشرافها الصمد قال أبو وائل: هو السيد الذي انتهى سؤدده» وفي العيني: أشار بهذا إلى أن المعنى الصمد عند العرب الشرف ولهذا يسمّون رؤساءهم الأشراف بالصمد، وعن ابن عباس: هو السيد الذي قد تكمل بأنواع الشرف والسؤدد وقيل هو السيد المقصود في الحوائج. (كُفُواً) وكفيئا على وزن فعيل وكفاء بالكسر على وزن فعال بمعنى واحد والكفء المثل والنظير وقال أبو حيان: بضم الكاف وكسرها وفتحها مع سكون الفاء وبضم الكاف مع ضم الفاء وقرأ حمزة وحفص بضم الكاف وهمز حمزة وأبدلها حفص واوا وباقي السبعة بضمها والهمز، وسهّل الهمزة الأعرج وأبو جعفر وشيبة ونافع وفي رواية عن نافع كفاء بكسر الكاف وفتح الفاء والمد. * الإعراب: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) قل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت يا محمد وهو فيه وجهان: 1- أنه ضمير الشأن لأنه موضع تعظيم كأنه قيل الشأن هو وهو أن الله واحد لا ثاني له والجملة بعده خبر مفسّرة له 2- أنه ضمير عائد على ما يفهم من السياق لأنه يروى في الأسباب التي دعت إلى نزولها أنهم قالوا صف لنا ربك وانسبه وقيل قالوا له أمن نحاس هو أم من حديد فنزلت وحينئذ يجوز أن يكون الله مبتدأ وأحد خبره والجملة خبر الأول ويجوز أن يكون أحد خبر مبتدأ محذوف أي هو أحد، وعبارة الزمخشري «هو ضمير الشأن كقولك هو زيد منطلق كأنه قيل: الشأن هذا وهو أن الله واحد لا ثاني له فإن قلت ما محل هو؟ قلت الرفع على الابتداء والخبر الجملة فإن قلت فالجملة الواقعة خبرا لا بدّ فيها من راجع إلى المبتدأ فأين الراجع قلت: حكم هذه الجملة حكم المفرد في قولك زيد غلامك في أنه هو المبتدأ في المعنى وذلك أن قوله الله أحد هو الشأن الذي هو عبارة عنه وليس كذلك زيد أبوه منطلق فإن زيدا والجملة يدلّان على معنيين مختلفين فلا بدّ مما يصل إليهما» وأحد بدل من قوله الله أو على هو أحد أو خبر ثان (اللَّهُ الصَّمَدُ) مبتدأ وخبر (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) ارتبطت هذه الجمل الثلاث بالواو دون الثلاث الأولى لأن قوله الله الصمد محقق ومقرر لما قبله وكذلك ترك العطف في قوله لم يلد لأنه مؤكد للصمدية لأن الغنى عن كل شيء المحتاج إليه كل ما سواه لا يكون والدا ولا مولودا، وقد أشار صاحب الجوهر المكنون إلى مواضع الفصل بقوله: الفصل ترك عطف جملة أتت ... من بعد أخرى عكس وصل قد ثبت فافصل لدى التوكيد والإبدال ... لنكتة ونيّة السؤال وعدم التشريك في حكم جرى ... أو اختلاف طلبا وخبرا وفقد جامع ومع إيهام ... عطف سوى المقصود في الكلام ووصل بين الثلاث المتأخرة لأنها سيقت لغرض ومعنى واحد وهو نفي المماثلة والمناسبة عنه تعالى بوجه من الوجوه، قال صاحب الجوهر المكنون: وصل لدى التشريك في الإعراب ... وقصد رفع اللّبس في الجواب وفي اتفاق مع الاتصال ... في عقل أو في وهم أو خيال ولم حرف نفي وقلب وجزم ويلد فعل مضارع مجزوم بلم، ولم يولد عطف عليه، ولم عطف ويكن فعل مضارع مجزوم بلم وله حال أو متعلقان بكفوا وكفوا خبر يكن المقدم وأحد اسمها المؤخر، وفيما يلي مناظرة ممتعة بين الزمخشري وأبي حيان حول تقديم له، قال الزمخشري: «فإن قلت الكلام العربي الفصيح أن يؤخر الظرف الذي هو لغو غير مستقر ولا يقدم وقد نصّ سيبويه على ذلك في كتابه فما باله مقدما في أفصح الكلام وأعربه قلت: هذا الكلام إنما سيق لنفي المكافأة عن ذات البارئ سبحانه وتعالى وهذا المعنى مصبه ومركزه هو هذا الظرف فكان لذلك أهم شيء وأغناه، وأحقّه بالتقديم وأحراه» وقال أبو حيان: «هذه الجملة ليست من هذا الباب وذلك أن قوله ولم يكن له كفوا أحد ليس الجار والمجرور فيه تاما إنما هو ناقص لا يصلح أن يكون خبرا لكان بل هو متعلق بكفوا وقدم عليه فالتقدير ولم يكن أحد كفوا له أي مكافئه فهو في معنى المفعول متعلق بكفوا وتقدم على كفوا للاهتمام به إذ فيه ضمير البارئ سبحانه وتوسط الخبر وإن كان الأصل التأخير لأن تأخر الاسم هو فاصلة فحسن ذلك وعلى هذا الذي قررنا يبطل إعراب مكّي وغيره أن له الخبر وكفوا حال من أحد لأنه ظرف ناقص لا يصلح أن يكون خبرا ويبطل سؤال الزمخشري وجوابه وسيبويه إنما تكلم في الظرف الذي يصلح أن يكون خبرا ويصلح أن يكون غير خبر، قال سيبويه: وتقول ما كان فيها أحد خير منك وما كان أحد مثلك فيها وليس فيها أحد خير منك إذا جعلت فيها مستقرا ولم تجعله على قولك زيد قائم أجريت الصفة على الاسم فإن جعلته على فيها زيد قائم نصبت فتقول ما كان فيها أحد خيرا منك وما كان أحد خيرا منك فيها إلا أنك إذا أردت الإلغاء فكلما أخّرت الملغى كان أحسن وإذا أردت أن يكون مستقرا فكلما قدّمته كان أحسن والتقديم والتأخير والإلغاء والاستقرار عربي جيد كثير قال تعالى «ولم يكن له كفوا أحد» وقال الشاعر: «ما دام فيهنّ فصيل حيّا» انتهى، وما نقلناه ملخصا هو بألفاظ سيبويه فأنت ترى كلامه وتمثيله بالظرف الذي يصلح أن يكون خبرا، ومعنى قوله مستقرا أي خبرا للمبتدأ ولكان، فإن قلت فقد مثّل بالآية الكريمة قلت: هذا الذي أوقع مكيا والزمخشري وغيرهما فيما وقعوا فيه وإنما أراد سيبويه أن الظرف التام وهو في قوله: ما دام فيهنّ فصيل حيّا أجري فضلة لا خبرا كما أن له في الآية أجري فضلة فجعل الظرف القابل أن يكون خبرا كالظرف الناقص في كونه لم يستعمل خبرا ولا يشك من له ذهن صحيح أنه لا ينعقد من قوله: ولم يكن له أحد بل لو تأخر كفوا وارتفع على الصفة وجعل له خبرا لم ينعقد منه كلام بل أنت ترى أن النفي لم يتسلط إلا على الخبر الذي هو كفوا وله متعلق به والمعنى ولم يكن له أحد مكافئه» هذا وقد أورد ابن المنير بهذا الصدد نكتة عن سيبويه تدل على ألمعية هذا الرجل وثقوب ذهنه قال: «نقل عن سيبويه أن سمع بعض الجفاة من العرب يقرأ ولم يكن أحد كفوا له وجرى هذا الجلف على عادته فجفا طبعه عن لطف المعنى الذي لأجله اقتضى تقديم الظرف مع الخبر على الاسم وذلك أن الغرض الذي سيقت له الآية نفي المكافأة والمساواة عن ذات الله تعالى فكان تقديم المكافأة المقصود بأن يسلب عنه أولى ثم لما قدّمت لتسلب ذكر معها الظرف ليبيّن الذات المقدسة بسلب المكافأة» . * البلاغة: وأبرز ما تتميز به سورة الإخلاص هو الإيجاز وقد تقدمت أمثلة منه وسنحاول الآن جلاء الأغراض الكامنة في إيجازها وحصر متنها وتقارب طرفيها، وسنحاول أن نبسط ذلك بسطا يوضّح المقصود ويدرك به الهدف المنشود: 1- اشتملت هذه السورة على اسمين من أسماء الله تعالى يتضمنان جميع أوصاف الكمال وهما الأحد والصمد لأنهما يدلان على أحدية الذات المقدسة الموصوفة بجميع أوصاف الكمال وبيان ذلك أن الأحد يشعر بوجوده الخاص الذي لا يشاركه فيه غيره والصمد يشعر بجميع أوصاف الكمال لأنه الذي انتهى إليه سؤدده فكان مرجع الطلب منه وإليه ولا يتم ذلك على وجه التحقيق إلا لمن حاز جميع صفات الكمال وذلك لا يصلح إلا لله تعالى. 2- تضمنت توجيه الاعتقاد وصدق المعرفة وما يجب إثباته لله من الأحدية المنافية لمطلق الشركة والصمدية المثبتة له جميع صفات الكمال الذي لا يلحقه نقص. 3- نفي الولد والوالد المقرر لكمال المعنى. 4- نفي الكفء المتضمن لنفي الشبيه والنظير. 5- قالوا: سورة الإخلاص ثلث القرآن لأن القرآن خبر وإنشاء والإنشاء أمر ونهي وإباحة والخبر خبر عن الخالق وخبر عن خلقه فأخلصت سورة الإخلاص الخبر عن الله وخلصت قارئها من الشرك الاعتقادي. 6- كثرت أسماؤها وزيادة الأسماء تدل على شرف المسمى وهذا جدول بأسمائها العشرين مع شرح سريع لكل اسم: 1- الإخلاص: وقد تقدم معناه وأنها أخلصت الخبر عن الله وخلصت قارئها من الشرك. 2- التنزيل: لأنها أدّت أكمل الأغراض بتنزيلها. 3- التجريد: لأنها تجرد قارئها من الشرك وبواعثه ومن تعلق بها تجرد عن الانحياز. 4- التوحيد: لاحتوائها على صفات الله تعالى وعدله وتوحيده، وعلم التوحيد من الله بمكان وكيف لا يكون كذلك والعلم تابع للمعلوم يشرف بشرفه ويتضع بضعته، ومعلوم هذا العلم هو الله تعالى وصفاته وما يجوز عليه وما لا يجوز وناهيك بشرف منزلته وجلالة محله وإنافته على كل علم واستيلائه على قصب السبق. 5- النجاة: لأنها تنجي قائلها من النار. 6- الولاية: لأن من تعلق بها أعطاه الله الولاية. 7- الجمال: لدلالتها على جمال الله تعالى أي اتصافه بالكمالات وتنزيهه عن النقائص. 8- المعرفة: لأن من فهمها وسبر أغوارها عرف الله تعالى حق المعرفة. 9- المقشقشة: من قشقشه من الجرب أو الجدري أبرأه فبرىء وسمّيت بذلك لأنها تبرئ قارئها من الأوضار ومن جميع دواعي الشرك والنفاق. 10- المعوذة: لأنها تحصن قارئها من فتن الدنيا والآخرة. 11- الصمد: وقد تقدم القول فيه مطولا. 12- النسبة: لقول المشركين انسب لنا ربك. 13- الأساس: لأنها أصل الدين وعماده. 14- المانعة: لأنها تمنع فتنة القبر وعذاب النار. 15- المحتضر: لأن الملائكة تحضر لاستماعها. 16- المنفرة: لأن الشياطين تنفر عند قراءتها. 17- البراءة: لأنها براءة من الشرك. 18- المذكرة: لأنها تذكر العبد خالص التوجيه. 19- النور: لأنها تنوّر القلب. 20- الإنسان: لأنه لا غنى للإنسان عنها.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.