الباحث القرآني

* اللغة: (سَبِيلِي) : السبيل الطريق أو ما وضح منها يذكر ويؤنث والجمع سبل وسبل وأسبل وأسبلة وسبول، وابن السبيل: المسافر، وسبيل الله الجهاد وطلب العلم والحج وكل ما أمر الله به من الخير ويقال: ليس لك عليّ سبيل أي حجة تعتلّ بها وليس عليّ في كذا سبيل أي حرج ويقول المولّدون: ما على المحسن سبيل أي معارضة وسبيلنا أن نفعل كذا أي نحن جديرون بفعله. * الإعراب: (قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) هذه مبتدأ وسبيلي خبر وجملة أدعو الله تفسير للسبيل والى الله متعلقان بأدعو ويجوز أن تكون الجملة حالية من الياء والأول أولى وعلى بصيرة متعلقان بأدعو أو بمحذوف حال من فاعل أدعو وأنا تأكيد لفاعل أدعو المستتر ومن اتبعني عطف على فاعل أدعو المستتر ويجوز أن يكون من مبتدأ وخبره محذوف أي ومن اتبعني يدعو أيضا ويجوز أن يكون أنا مبتدأ مؤخرا وعلى بصيرة خبرا مقدما ومن اتبعني عطفا على أنا. (وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) وسبحان مفعول مطلق لفعل محذوف أي وأسبح سبحان الله وما الواو حرف عطف وما نافية حجازية وأنا اسمها ومن المشركين خبرها. (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى) ما نافية أرسلنا فعل وفاعل ومن قبلك حال وإلا أداة حصر ورجالا مفعول به وجملة نوحي إليهم صفة ومن أهل القرى صفة ثانية لرجالا. (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ) الهمزة للاستفهام والفاء عاطفة على محذوف وقد تقدم تقريره ولم حرف نفي وقلب وجزم ويسيروا فعل مضارع مجزوم بلم وفي الأرض جار ومجرور متعلقان بيسيروا. (فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) الفاء عاطفة أو سببية وينظروا فعل مضارع إما مجزوم نسقا على يسيروا أو منصوب بأن مضمرة في جواب النفي وكيف اسم استفهام في محل نصب خبر كان مقدما وعاقبة اسم كان والذين مضاف لعاقبة ومن قبلهم متعلقان بمحذوف صلة الموصول. (وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ) الواو حالية واللام لام الابتداء ودار مبتدأ والآخرة مضاف إليه من إضافة الشيء إلى نفسه لأن المراد بالدار الجنة وهي نفس الآخرة واختار الزمخشري والبيضاوي ان يكون التقدير ولدار الساعة الآخرة أو الحال الآخرة فليس في الكلام على ذلك اضافة الشيء إلى نفسه. وخير خبر دار وللذين متعلقان بخير وجملة اتقوا صلة، أفلا تعقلون تقدم إعرابه. (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا) حتى حرف غاية وهي متعلقة بمحذوف دل عليه الكلام كأنه قيل وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا فتراخى نصرهم حتى إذا استيئسوا من النصر ولا يلزم أن يكون الله وعدهم بالنصر في الدنيا بل كانوا يظنون ذلك ويرجونه لا عن اخبار ووحي وهذا خير ما قيل في هذه الآية التي اضطربت فيها أقوال العلماء والمفسرين والمعربين فيها اضطرابا شديدا وسياق الآية يرشد اليه وظنوا عطف على استيئسوا وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي ظنوا وكذبوا بالبناء للمجهول أي ظنت الأمم أن الرسل أخلفوا ما وعدوا به من النصر وجملة كذبوا خبر أنهم. (جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ) جملة جاءهم لا محل لها لأنهم جواب إذا وجاءهم نصرنا فعل ومفعول به وفاعل والفاء عاطفة ونجي بالبناء للمجهول عطف على جاءهم ومن نائب فاعل ونشاء صلة. (وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) الواو عاطفة ولا نافية ويرد بالبناء للمجهول وبأسنا نائب فاعل وعن القوم متعلقان بيرد والمجرمين صفة. (لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ) اللام جواب قسم محذوف وقد حرف تحقيق وفي قصصهم خبر مقدم وعبرة مبتدأ مؤخر ولأولي صفة لعبرة والألباب مضاف اليه وسيرد في باب البلاغة مغزى هذه العبرة. (ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى) ما نافية وكان فعل ماض ناقص واسمها ضمير مستتر يعود على القرآن وحديثا خبرها وجملة يفترى صفة لحديثا. (وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) الواو حرف عطف ولكن مخففة مهملة وتصديق عطف على حديثا وهو أولى من تقدير كان، وقد تقدم مثل هذا في سورة يونس، والذي مضاف اليه والظرف صلة وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة معطوفان على تصديق ولقوم صفة وجملة يؤمنون صفة لقوم. * البلاغة: في سورة يوسف نفحة من القصص الرائع الذي استوفي شرائط القصة كما انتهت اليه أبحاث النقاد في العصر الحديث مما يؤخذ من مظانه الكثيرة وقد امتازت هذه القصة على تسلسل حوادثها وكثرة فنونها، وتنوع فصولها بالايجاز وقد ألمعنا اليه فيما تقدم ونزيده بسطا هنا فنقول: 1- تقسيم الإيجاز: يأتي الإيجاز على قسمين: 1- قسم طويل، 2- وقسم قصير. والطويل: طوله بالنسبة للقصير منه لا لغيره من الكلام كما جاءت قصص القرآن كلها وأحسن ما جاء منها في هذا الباب قصة يوسف فإنها جاءت على الطريقتين في سورة واحدة من قوله: «نحن نقض عليك أحسن القصص» إلى قوله: «وخروا له سجدا» وجاءت على الطريقة المختصرة في قوله على لسان يوسف: «يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين اخوتي» فذكر تعالى القصة أولا على طريق البسط مفصلة لمن لم يشارك في طريق علمها وذكرها تعالى أخيرا مختصرة ليعلمها مفصلة من لم يكن يعلمها حتى إذا جاءت مجملة علم الإشارات فيها وابتدأها بقوله «نحن نقص عليك أحسن القصص» ثم أنهاها بقوله «لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب» ووجه الاعتبار بقصصهم هو أن هذه القصص انما سجلت لحصول العبرة منها ومعرفة الحكمة والمغزى. 2- اختلاف صيغة اللفظة: وفي قوله تعالى «لأولي الألباب» فن يطلق عليه القدامى الاسم الآنف الذكر وهو من البيان بمثابة القلب من الإنسان وهو يدق إلا على من صفت قرائحهم واستغزرت ملكة الفصاحة فيهم ونعني باختلاف صيغة اللفظة نقلها من هيئة إلى هيئة كنقلها من وزن إلى وزن آخر أو نقلها من صيغة الاسم إلى صيغة الفعل أو بالعكس أو كنقلها من الماضي إلى المستقبل أو بالعكس أو من الواحد إلى التثنية أو الجمع أو إلى النسب إلى غير ذلك انتقل قبحها فصار حسنا وحسنها فصار قبحا وسنورد أمثلة مترتبة على نسق الترتيب الذي أوردناه فمن نقل اللفظة من صيغة إلى أخرى لفظة «خود» عبارة عن المرأة الناعمة وإذا نقلت إلى صيغة الفعل قيل خوّد على وزن فعّل ومعناها أسرع يقال: خوّد البعير إذا أسرع فهي على صيغة الاسم حسنة رائعة وإذا جاءت على صيغة الفعل لم تكن مستحسنة كقول أبي تمام من قصيدة له يمدح فيها أحمد ابن عبد الكريم: وإلى بني عبد الكريم تواهقت ... رتك النعام رأى الظلام فخودا فهي ثقيلة سمجة كما ترى على أن ثقلها وسماجتها يخفان عند ما تنقل من الحقيقة إلى المجاز كقول رجل من بني أسد: أقول لنفسي حين خود رألها ... رويدك لما تشفقي حين مشفق رويدك حتى تنظري عمّ ينجلي ... غيابة هذا البارق المتألق والرأل النعام والمراد به هاهنا أن نفسه فرت وفزعت وشبه ذلك باسراع النعام في فراره وفزعه ولما أورده على حكم المجاز خف عنه بعض القبح الذي على لفظة خوّد وهذا يدرك بالذوق السليم ولا ضابط له ولا يخفى ما بين هذه اللفظة في إيرادها هاهنا وإيرادها في بيت أبي تمام فانها وردت في بيت أبي تمام قبيحة سجة ووردت هنا متوسطة أما نقل الفعل من صيغة إلى صيغة فمثاله لفظة «ودع» وهي فعل ماض ثلاثي لا ثقل بها وليست حروفها متنافرة ومع ذلك أحجم العرب عن استعمالها بصيغة الماضي لسماجتها فاذا نقلت إلى المستقبل أو الأمر كانت حسنة فصيحة، أما الأمر فكقوله تعالى «فذرهم يخوضوا ويلعبوا» ولم تأت في القرآن إلا كذلك وأما نقلها إلى صيغة المستقبل فكقول أبي الطيب المتنبي: تشقّكم بقناها كل سلهبة ... والضرب يأخذ منكم فوق ما يدع فهي هنا غاية في الفصاحة ولهذا أمات العرب ماضي يدع ويذر وقد استسمجوا قول أبي العتاهية مع حسن معناه: أثروا فلم يدخلوا قبورهم ... شيئا من الثروة التي جمعوا وكان ما قدموا لأنفسهم ... أعظم نفعا من الذي ودعوا أما النقل من الإفراد إلى التثنية والجمع فمثاله الآية التي نحن بصددها وذلك ان لفظة «اللب» الذي هو العقل لا لفظة اللب الذي تحت القشر فانها لا تحسن في الاستعمال الا مجموعة وكذلك وردت هنا وفي أكثر من موضع من القرآن الكريم وقد تستعمل مفردة ولكن شريطة أن تكون مضافة أو مضافا إليها فأما كونها مضافة فكقول النبي صلى الله عليه وسلم في ذكر النساء: «ما رأيت ناقصات عقل ودين أذهب للبّ الحازم من إحداكن يا معشر النساء» واما كونها مضافا إليها فكقول جرير: إن العيون التي في طرفها حور ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا يصر عن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن أضعف خلق الله إنسانا وهذا أمر يكاد يذهل المبين، اسمع إلى كلمة الصوف وهي مفردة تجدها سمجة في الاستعمال وقد استعملها أبو تمام فجاءت غثة وزاد في غثاثتها انها جاءت مجازية في نسبتها إلى الزمان حيث يقول: كانوا برود زمانهم فتصدعوا ... فكأنما لبس الزمان الصوفا ولكنها وردت في القرآن. الكريم مجموعة فاذا هي مرقصة مطربة قال تعالى «وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين» . ولم يمنع العرب جمع المصادر إلا لهذا السبب والمدار في ذلك على الذوق السليم والجرس الموسيقي الذي لا يكتنه حسنه ولا يوصف وقد استعمل عنترة المصدر مجموعا فجاء سمجا مرذولا قال: فإن يبرأ فلم أنفث عليه ... وإن يفقد فحق له الفقود فقوله الفقود جمع مصدر من قولك فقد يفقد فقدا، واستعمال مثل هذه اللفظة غير سائغ وهذا كله مرده الذوق السليم ويرحم الله فولتير القائل «ذوقك أستاذك» . وما دمنا قد وصلنا إلى هذه المرحلة من التحليل الأدبي فلا بد لنا من أن نشير إلى كتاب رائع هو «معاني القرآن للفراء» ومنهج الكتاب يقوم على الأمور التالية: ينهج الكتاب نهجا مبتكرا فهو يتعرض لآيات كل سورة بالترتيب فلا يقتصر على الغريب بل يتجاوزه إلى إيضاح الجانب النحوي والاعراب في الآية وينتهي إلى النظرية العامة فيبين قواعدها وأصولها وأدلتها وأسبابها ومسبباتها ثم يتكلم عن التشبيه والمثل والكناية والمجاز بصورة عامة ثم يتناول الاستعارة أحد قسمي المجاز والالتفات، على أن الجديد كل الجدة في كتاب الفراء انه لا حظ النسق الصوتي، والترابط بين الكلمات وانسجام النغم وتوافق الفواصل في آخر الآيات فيجيز حذف أواخر الكلمات موافقة لرؤوس الآيات مع موافقة ذلك لكلام العرب مثل قوله عز وجل: «والليل إذا يسر» وقد قرأ القراء يسري بإثبات الياء ويسر بحذفها وحذفها أحب إليّ لمشاكلتها لرؤوس الآيات والعرب قد تحذف الياء وتكتفي بكسر ما قبلها أنشدني: كفاك كف ما تليق درهما ... جودا وأخرى تعط بالسيف الدما وأنشدني الآخر: ليس يخفي يسارتي قدر يوم ... ولقد يخف شيمتي إعساري وقوله «بطغواها» أراد بطغيانها إلا أن الطغوى أشكل برؤوس الآيات فاختير لذلك، ألا ترى أنه قال: «وآخر دعواهم أن الحمد لله» ومعناه آخر دعائهم وكذلك «دعواهم فيها سبحانك اللهم» دعواهم فيها هذا، «وما قلى» يريد ما قلاك فألقيت الكاف كما تقول: قد أعطيتك وأحسنت، معناه وأحسنت إليك فيكتفى بالياء الاولى من إعادة الأخرى ولأن رؤوس الآيات بالياء فاجتمع ذلك فيه» إلى أن يقول الفراء: لله وقوله عز وجل فأغنى فآوى يريد به فأغناك وآواك جرى على طرح الياء لمشاكلة رؤوس الآيات» . ويجيز الفراء في كتابه الممتع «معاني القرآن» إضافة المصدر إلى صاحبه مثل ما في قوله تعالى «إذا زلزلت الأرض زلزالها» قال: «فأضيف المصدر إلى صاحبه وأنت قائل في الكلام: لأعطينك عطيتك وأنت تريد عطية وكان قربه من الجواز موافقة رءوس الآيات التي جاء بعدها» . وعلى هذا النحو وضع الفراء أمامنا قواعد عامة للتغييرات التي يمكن أن تطرا على الكلمات والتي قد يعمد إليها القرآن أحيانا للتوافق الموسيقي في نظمه، وصلة تلك التغييرات بما يطرأ على القافية في الشعر لإقامة الوزن ولا يفتأ الفراء يشير إلى أن القرآن في عدوله عن لفظ إلى آخر أو تعديله الألفاظ لا يخرج عن أساليب العرب وفنون القول عندهم، وخاصة في الشعر وهو الكلام الموزون الذي يشابه ما في نظمه من توافق وانسجام ما يراعيه أسلوب القرآن، هذا وسيرد من كتاب الفراء في مواضع متفرقة من هذا الكتاب ما تميز به هذا السفر الجليل في مواضع متعددة من البيان. ويرى الجاحظ في كتابه «نظم القرآن» الذي ألفه للفتح بن خاقان وزير المتوكل على الله الذي لم يطبع- مع الأسف- بل فقد مع ما فقد من الكتب في محنة بغداد التي أوقعها بها هولاكو ولم تقع إلا نبذ منه مبثوثة في كتب الجاحظ المطبوعة الأخرى، يرى أن التنزيل قد أولى اللفظ عناية خاصة فاختاره بدقة ليدل على المعاني بدقة وقد يشترك لفظان في المعنى لكن أحدهما أدق من الآخر في الدلالة عليه، ولنظم القرآن براعته في تنزيل اللفظ منزلته في الموضع الذي أريد له ويمتاز بروعته أيضا في الاختيار ومراعاة الفروق بين الألفاظ فلا يأتي بالألفاظ المترادفة دالا على معنى واحد إنما للدلالة على معان مختلفة وبقدر الدقة في إصابة المعنى يكون الفرق بين ألفاظ الناس في كلامهم وألفاظ القرآن ويقول في هذا الصدد: «وقد يستخف الناس ألفاظا ويستعملونها وغيرها أحق بذلك منها ألا ترى أن الله تعالى لم يذكر في القرآن الجوع إلا في موضع العقاب أو في موضع الفقر المدقع والعجز الظاهر والناس لا يذكرون السغب ويذكرون الجوع في حال القدرة والسلامة وكذلك ذكر المطر لأنك لا تجد القرآن يلفظ به إلا في مواضع الانتقام والأمة وأكثر الخاصة لا يفصلون بين ذكر المطر وبين ذكر الغيث ولفظ القرآن الذي عليه نزل انه إذا ذكر الابصار لم يقل الاسماع وإذا ذكر سبع سموات لم يقل أرضين ألا ترى أنه لا تجمع الأرض على أرضين ولا السمع اسماعا، والجاري على أفواه العامة غير ذلك لا يتفقدون من الألفاظ إلا ما هو أحق بالذكر وأولى بالاستعمال وقد زعم بعض القراء انه لم يرد ذكر النكاح في القرآن إلا في موضع التزويج» . وتعرض الجاحظ لما جرى عليه نظم القرآن من نغم وموسيقى ووزن خاص رتيب مكون من وحدات مترابطة منسجمة، وكم كنا نتمنى لو بقي هذا الكتاب لنستمتع بما فيه من أبحاث ولكننا سنحاول جمع ما تفرق منه في هذا الكتاب فقد تصدى لوزن القرآن وتكلم كثيرا لينفي عنه وزن الشعر يقول في هذا الصدد «ويدخل على من طعن في قوله تعالى «تبت يدا أبي لهب وتب» وزعم انه شعر لأنه في تقدير مستفعلن مفاعلن فيقال له: اعلم انك لو اعترضت أحاديث الناس وخطبهم ورسائلهم لوجدت فيها مثل مستفعلن مستفعلن كثيرا ومستفعلن فاعلن وليس أحد في الأرض يجعل ذلك المقدار شعرا ولو أن رجلا من الباعة صاح: من يشتري باذنجان؟ لقد كان تكلم بكلام في وزن مستفعلن مفعولات وكيف يكون هذا شعرا وصاحبه لم يقصد إلى الشعر؟ ومثل هذا المقدار من الوزن قد يتهيأ في جميع الكلام وإذا جاء المقدار الذي يعلم انه من نتاج الشعر والمعرفة بالاوزان والقصد إليها كان ذلك شعرا وهذا قريب والجواب فيه سهل والحمد لله» . ويرى ابن قتيبة في كتابه «مشكل القرآن» ان النغم الموسيقي والنظم والتوقيع الداخلي في الآيات هي احدى الخصائص التي يقوم عليها إعجاز القرآن فهو حلو النغم، رتيب الوقع، حبيب الجرس إلى النفوس لا تمله الآذان لما ينساب في عباراته وخلال لفظه من الموسيقى الخافتة ولا تتعثر فيه الألسنة لسلاستها وفي هذا الصدد يقول ابن قتيبة: «وجعله متلوا على طول التلاوة ومسموعا لا تمجه الآذان، وغضا لا يخلق على كثرة الرد» . ونختم هذا المبحث، على أن نعود اليه في مكان آخر بكلمة وردت في القرآن جميلة جدا ووردت في الشعر فكانت باردة وهي كلمة يؤذي فقد قال أبو الطيب: تلذ له المروءة وهي تؤذي ... ومن يعشق يلذ له الغرام وهذا البيت جميل شريف المعنى إلا أن لفظة يؤذي قد جاءت فيه غثة باردة بينما وردت في القرآن بالغة الروعة بادية الكمال وذلك في قوله تعالى: «فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق» ويبدو لنا أنها وردت في بيت أبي الطيب منقطعة، ألا ترى أنه قال: «تلذ له المروءة وهي تؤذي» ثم قال: «ومن يعشق يلذ له الغرام» فجاء بكلام مستأنف وهذا باب طويل المدار في سبر غوره واكتناه حسنه على الذوق السليم والطبع الرهيف. هذا ولا مندوحة عن الاشارة إلى أن أكثر القصص التي وردت في القرآن الكريم من قصص الأنبياء في جهادهم لتبليغ رسالتهم ونشر دعوتهم ومقاومة خصومهم من ذوي السلطان الذين أنكروهم وحالوا بينهم وبين هداية أقوامهم. وإذا روجعت قصص القرآن الكريم مراجعة دقيقة تبيّن للناظر في مضامينها ان عبرتها الأولى دروس ينتفع بها الهداة ودعاة الإصلاح إذ كان من فرائض الإسلام الاجتماعية أن يندب من الأمة طائفة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. من تلك الدروس أن الجهلاء ينقادون للأمر والسطوة ولا ينقادون للحجة والدليل ويريدون من صاحب الدعوة كما جاء في قصة نوح أن يكون ملكا أو تكون عنده خزائن الله ويقولون له: «قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين» . ومن تلك الدروس أن أصحاب السادة في الأمة يكرهون التغيير ويتشبثون بالقديم، ويأخذون على النبي أن يتبعه أناس من غير ذوي السيادة والجاه «وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادىء الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كذبين» . ومن تلك الدروس أن الجمود على التقاليد الموروثة أكبر آفات العقل البشري لأنها تعطل تفكيره وتتركه في حكم الآلة التي تسير على نهج واحد في آثار الآباء والأجداد مع اختلاف الزمن وتبدل الأحوال. على أن في القرآن الكريم قصصا شتى من غير قصص الدعوة أو قصص الجهاد في تبليغ الرسالة ولكنها تراد كذلك لعبرتها ولا تراد لأخبارها التاريخية، ومنها قصة يوسف التي نحن بصددها فهي قصة إنسان قد تمرس من طفولته بآفات الطبائع البشرية من حسد الأخوة إلى غواية المرأة إلى ظلم السجن إلى تكاليف الولاية وتدبير المصالح في إبان الشدة والمجاعة.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.