الباحث القرآني

* اللغة: (بِضْعَ سِنِينَ) : البضع: ما بين الثلاث إلى التسع وأكثر الأقاويل على انه لبث فيه سبع سنين قال أحد علماء اللغة: والبضع بالكسر والفتح ما بين واحد إلى خمسة في قول أبي عبيدة وقال غيره ما بين واحد إلى عشرة والبضع بالفتح الشق والبضع بالضم النكاح قال بعضهم: شقّ وري وجماع بضع ... ما بين واحد وعشر بضع وفي الأساس: «وعندي بضعة عشر من الرجال وبضع عشرة من النساء، الذكور بالتاء والإناث بطرحها، على سنن حكم العدد. وأقمت عنده بضع سنين وهو ما بين الثلاث إلى العشر» وفي القاموس والتاج: «البضع والبضع الطائفة من الليل وما بين الثلاث إلى التسع يقال بضع سنين وبضع عشرة من النساء وبضع وعشرون امرأة ومع المذكر بضعة عشر من الرجال وبضعة وعشرون رجلا ويجب تقديم بضع فلا يقال عشرون وبضع» وقال الحريري في درة الغواص: «البضع أكثر ما يستعمل فيما بين الثلاث إلى العشر وأسند ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير قوله تعالى: «وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين» وذلك أن المسلمين كانوا يحبون أن تظهر الروم على فارس لأنهم أهل الكتاب، والمشركون يميلون إلى أهل فارس لأنهم أهل أوثان فلما بشر الله المسلمين بأن الروم سيغلبون سر المسلمون ثم ان أبا بكر رضي الله عنه أخبر مشركي قريش بما نزل عليهم فقال أمية بن خلف خاطراني على ذلك فخاطره على خمس قلائص في مدة ثلاث سنين ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن البضع فقال ما بين الثلاثة إلى العشرة فأخبره بخطاره مع ابن خلف فقال له: ما حملك على تقريب المدة؟ قال الثقة بالله ورسوله فقال له: عد إليهم فزدهم في الخطر وازدد في الأجل فزادهم قلوصين وزادوه سنتين فظفرت الروم بفارس قبل انقضاء الأجل الثاني تصديقا لتقدير أبي بكر رضي الله عنه. (سِمانٍ) : جمع سمينة ويجمع سمين أيضا عليه يقال رجال سمان كما يقال نساء سمان والسمن مصدر سمن يسمن فهو سمين فالمصدر والاسم جاءا على غير قياس إذ قياسهما سمنا بالفتح فهو سمن نحو فرح فرحا فهو فرح وفي المصباح: «سمن يسمن من باب تعب وفي لغة من باب قرب إذا كثر لحمه وشحمه ويتعدى بالهمزة وبالتضعيف» ومن المجاز كلام غثّ وسمين، وقد أسمنت القدر، ودار سمينة: كثيرة الأهل، وسمّنوا لفلان: أعطوه عطاء كثيرا، وسمّنت في الحمد أعطيت فيه الكثير، قال ابن مقبل: تركت الخنا لست من أهله ... وسمّنت في الحمد حتى سمن وسمع أعرابي يقول لآخر: جعلت لك الدار بغير ثمن ليكون أسمن لخطي عندك، وانقلب بلدهم سمنة وعسلة إذا كثرتا فيه وفي مثل «سمنكم هريق في أديمكم» أي ما لكم ينفق عليكم. (عِجافٌ) : جمع عجفاء على غير قياس والعجف الهزال الذي ليس بعده والسبب في وقوع عجاف جمعا لعجفاء وأفعل وفعلاء لا يجمعان على فعال حمله على سمان لأنه نقيضه ومن دأبهم حمل النظير على النظير والنقيض على النقيض والقياس عجف نحو حمراء وحمر. (رُءْيايَ) : فرق أرباب العربية بين الرؤيا والرؤية فقالوا: الرؤيا مصدر رأى الحلمية والرؤية مصدر رأى العينية وغلطوا أبا الطيب في قوله: مضى الليل والفضل الذي لك لم يمض ... ورؤياك أحلى في العيون من الغمض وقال أبو البقاء في شرحه لديوان المتنبي: «والرؤيا تستعمل في المنام خاصة ومنه قوله تعالى «لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق» و «لا تقصص رؤياك على إخوتك» و «إن كنتم للرؤيا تعبرون» و «قد صدقت الرؤيا» وهذا كله في المنام ولو قال «لقياك» لكان أحسن إلا أنه ذهب بالرؤيا إلى الرؤية كقوله تعالى «وما جعلنا الرؤيا التي أريناك» فإنه لم يرد بها رؤيا المنام وانما أريد اليقظة وكان ذلك ليلا في ليلة الاسراء» . وقال أبو الفتح بن جني: «الرؤيا في المنام وأما في العين فلا أعرفها وإن جاءت فهي شاذة» . وقال ابن هشام في أوضح المسالك: «ولا تختص الرؤيا بمصدر الحلمية بل قد تقع مصدرا للبصرية خلافا للحريري وابن مالك بدليل: «وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس» قال ابن عباس: هي رؤيا عين ولكن المشهور استعمالها في الحلمية. واقتصر صاحب القاموس على أن الرؤيا في الحلم قال: «والرؤيا ما رأيته في منامك» وجمعه رؤى كهدى. (تَعْبُرُونَ) : من باب نصر ينصر ويستعمل أيضا بالتشديد كعلّم تعليما وحقيقة عبرت الرؤيا ذكرت عاقبتها وآخر أمرها كما تقول عبرت النهر إذا قطعته حتى تبلغ آخر عرضه وهو عبره أو نحوه أولت الرؤيا إذا ذكرت مآلها وهو مرجعها وعبرت الرؤيا بالتخفيف هو الذي اعتمده الإثبات ورأيتهم ينكرون عبرت بالتشديد والتعبير والمعبر وقد عثرت على بيت أنشده المبرد في كتاب الكامل لبعض الإعراب: رأيت رؤيا ثم عبرتها ... وكنت للأحلام عبارا وفي القاموس: العبار مبالغة العابر ومفسر الأحلام وجمل عبار قوي على السير وشاع العبر اليوم بالفتح والكسر وهو من الوادي شاطئه وناحيته أما العبر بالضم فهو الكثير من كل شيء والعبارة بالكسر مصدر والاسم من عبّر والألفاظ الدالة على معنى ويقال فلان حسن العبارة أي البيان وهذا عبارة عن كذا أي بمعناه ومساوله في الدلالة. (أَضْغاثُ أَحْلامٍ) تخاليطها وأباطيلها وما يكون منها من حديث نفس أو وسوسة شيطان وأصل الأضغاث ما جمع من أخلاط النبات وحزم الواحد ضغث فاستعيرت لذلك والاضافة بمعنى من أي أضغاث من أحلام وفي المثل «ضغث على إبالة» الإبّالة بكسر الهمزة وتشديد الباء الحزمة من الحشيش والحطب والضغث قبضة من حشيش مختلطة الرطب باليابس ومعنى المثل بلية على أخرى ويضرب أيضا مثلا للرجل يحمّل صاحبه المكروه ثم يريده منه. (ادَّكَرَ) : بالدال وهو الفصيح ويجوز واذّكر بالذال المعجمة وأصلها اذتكر افتعل من الذكر فوقعت تاء الافتعال بعد الذال فأبدلت دالا فاجتمع متقاربان فأبدل الاول من جنس الثاني وادغم. (أُمَّةٍ) : بضم الهمزة وتشديد الميم وتاء منونة وهي المدة الطويلة والأمة معروفة والإمة بكسر الهمزة النعمة وقرىء بها أيضا قال عدي: ثم بعد الفلاح والملك والإمة ووارتهم هناك القبور * الإعراب: (وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ) وقال عطف على ما قبله وفاعله يوسف وللذي متعلقان به وجملة ظن صلة وفاعل ظن يوسف أيضا وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي ظن وان واسمها وناج خبرها ومنهما حال أي حال كون الناجي من جملة الاثنين وهو الساقي وجملة اذكرني مقول القول وعند ربك ظرف متعلق بمحذوف حال. (فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ) فأنساه الشيطان الفاء عاطفة وأنساه فعل ومفعول به والضمير يعود إلى الساقي والشيطان فاعل والمعنى فأنساه الشيطان أن يذكر يوسف عند الملك وقيل فأنسي يوسف ذكر ربه حين وكل أمره إلى غيرة. ذهب كثير من المفسرين إلى أن الذي أنساه الشيطان ذكر ربه هو الذي نجا من الغلامين وهو الشرابي وقد رجح هذا بكون الشيطان لا سبيل له على الأنبياء وأجيب بأن النسيان وقع من يوسف ونسبته إلى الشيطان على طريق المجاز، والأنبياء غير معصومين عن النسيان إلا فيما يخبرون به عن الله سبحانه وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فاذا نسيت فذكروني» ورجح أيضا بأن النسيان ليس بذنب فلو كان الذي أنساه الشيطان ذكر ربه هو يوسف لم يستحق العقوبة على ذلك بلبثه في السجن بضع سنين وأجيب بأن النسيان هو الترك وانه عوقب بسبب استعانته بغير الله سبحانه ويؤيد رجوع الضمير إلى يوسف ما بعده من قوله: فلبث في السجن بضع سنين ويؤيد رجوعه إلى الذي نجا من الغلامين قوله فيما سيأتي: وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة. وذكر مفعول به ثان، فلبث الفاء عاطفة ولبث فعل وفاعل مستتر وفي السجن جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وبضع سنين نصب على الظرفية متعلق بلبث. (وَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ) إن واسمها وجملة أرى خبرها وسبع بقرات مفعول به وسمان صفة لبقرات وسيأتي في باب الفوائد لماذا وصفت البقرات دون سبع ويأكلهن سبع فعل مضارع ومفعول به وفاعل وعجاف صفة لسبع وجملة يأكلهن في محل نصب مفعول ثان لأرى، وعبر بالمضارع لاستحضار الصورة. (وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ) وسبع عطف على سبع الأولى وسنبلات مضاف اليه وخضر صفة لسنبلات وأخر عطف على سبع وسيأتي القول في منعها من الصرف في باب الفوائد ويابسات صفة لأخر. (يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ) أفتوني فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والياء مفعول به وفي رؤياي متعلقان بأفتوني وإن شرطية وكنتم كان واسمها وهي في محل جزم فعل الشرط وجملة تعبرون خبر كنتم والجواب محذوف دل عليه ما قبله أي فأفتوني في رؤيا وقوله للرؤيا الجار والمجرور فيه أوجه أحدها ان اللام للبيان كقوله وكانوا فيه من الزاهدين فهي ومجرورها في محل نصب حال وإما أن تكون للتقوية لأن العامل إذا تقدم عليه معموله لم يكن في قوته على العمل فيه مثله إذا تأخر عنه فعضد بها كما يعضد بها اسم الفاعل إذا قلت عابر للرؤيا لانحطاطه عن الفعل في القوة فهي في حكم المزيدة فلا تعلق بشيء وانما زيدت لمجرد التقوية ويجوز أن تكون خبر كنتم كما تقول كان فلان لهذا الأمر إذا كان مضطلعا به متمكنا منه وعندئذ تكون جملة تعبرون خبرا ثانيا لكنتم. قال المبرد في الكامل: وهذه اللام تزاد في المفعول على معنى زيادتها في الاضافة، تقول هذا ضارب زيدا وهذا ضارب لزيد، لأنها لا تغير معنى الاضافة إذا قلت هذا ضارب زيد وضارب له، وفي القرآن «وأمرت لأن أكون أول المسلمين» وكذلك «إن كنتم للرؤيا تعبرون» (قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ) قالوا فعل وفاعل وأضغاث أحلام خبر لمبتدأ محذوف أي هذه أضغاث أحلام وتخاليط أوهام والجملة مقول القول وسيأتي سر جمعها في باب البلاغة وما الواو عاطفة وما نافية حجازية ونحن اسمها وبتأويل متعلقان بعالمين والباء حرف جر زائد وعالمين مجرور بالباء لفظا منصوب محلا على أنه خبر ليس. (وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ) الواو عاطفة وقال الذي فعل وفاعل وجملة نجا صلة ومنهما حال وادكر عطف على نجا وبعد أمة متعلقان بادكر ويجوز أن تكون الواو حالية وجملة نجا حالية من الموصول أو من عائده أي فاعل نجا. (أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ) أنا مبتدأ وجملة أنبئكم خبر والكاف مفعوله وبتأويله متعلقان بأنبئكم فأرسلون الفاء الفصيحة وأرسلوني فعل أمر وفاعل ومفعول به أي ان شئتم تعبير الرؤيا فأرسلوني. (يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ) لا بد من تقدير محذوف أي فأرسلوه فأتى يوسف في السجن فقال، ويوسف منادى محذوف منه حرف النداء وأيها منصوب محلا على الاختصاص لأنه مبني على الضم والصديق بدل منه أو عطف بيان له تابع له على اللفظ وسيأتي بحث الاختصاص في باب الفوائد وأفتنا فعل أمر مبني على حذف حرف العلة وفاعله مستتر تقديره أنت ونا مفعول به وفي سبع جار ومجرور متعلقان بأفتنا وبقرات مضاف اليه وجملة يأكلهن سبع عجاف صفة لبقرات وما بعده عطف عليه. (لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ) لعل واسمها وجملة أرجح خبرها والى الناس متعلقان بأرجع ولعلهم يعلمون مثلها. (قالَ: تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً) جملة تزرعون مقول القول وسبع سنين ظرف متعلق بتزرعون ودأبا حال من المأمورين أي دائبين أو مصدر لفعل محذوف أي تدأبون دأبا. (فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ) الفاء عاطفة وما يجوز أن تكون شرطية أو موصولة وهي في محل نصب مفعول مقدم لحصدتم على الحالين، وحصدتم فعل وفاعل فذروه الفاء واقعه في جواب الشرط أو الموصول لما فيه من رائحة الشرط وذروه فعل وفاعل ومفعول به وفي سنبله متعلقان فذروه وإلا أداة استثناء وقليلا مستثنى واجب النصب ومما صفة لقليلا وجملة تأكلون صلة. (ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ) ثم حرف عطف وتراخ ويأتي فعل مضارع ومن بعد ذلك حال وسبع فاعل يأتي وشداد صفة لسبع. (يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ) جملة يأكلن صفة ثانية لسبع والنون فاعل وما مفعول به وجملة قدمتم صلة ما ولهن متعلقان بقدمتم وإلا أداة استثناء وقليلا مستثنى ومما صفة لقليلا وجملة تحصنون صلة. (ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ) عطف أيضا وجملة فيه يغاث الناس صفة لعام ويعصرون عطف على يغاث أي يعصرون الأعناب وغيرها. * البلاغة: 1- المبالغة: فقد جمعوا لفظ الضغث فقالوا أضغاث أحلام وجعلوه خبرا للرؤيا مع ايها واحدة للمبالغة في وصف الحلم بالبطلان أو لانطوائه على أشياء مباينة ولفظ الجمع كما يدل على كثرة الذوات يدل أيضا على المبالغة في الاتصاف كما في قولهم فلان يركب الخيل ويلبس العمائم لمن لا يملك إلا فرسا واحدة وعمامة فردة. 2- نفي الشيء بايجابه: وقد تقدمت الاشارة اليه ونزيده هنا بسطا لأنه من محاسن الكلام فإذا تأملته وجدت باطنه نفيا وظاهره إيجابا قال امرؤ القيس: على لا حب لا يهتدى بمناره ... إذا سافه العود النباطي جرجرا فقوله لا يهتدى بمناره لم يرد أن له منارا لا يهتدى به ولكن أراد أنه لا منار له على الإطلاق فضلا عن الاهتداء به وكذلك قول زهير ابن أبي سلمى: بأرض خلاء لا يسدّ وصيدها ... علي ومعروفي بها غير منكر فأثبت لها في اللفظ وصيدا وإنما أراد ليس لها وصيد فيسدّ علي، ويتصل بهذا قول الزبير بن عبد المطلب يذكر عميلة بن السباق بن عبد الدار وكان نديما له وصاحبا: صبحت بهم طلقا يراح إلى الندى ... إذا ما انتشى لم تحتضره صاقره ضعيفا يحث الكأس قبض بنانه ... كليلا على وجه النديم أظافره فظاهر كلامه أنه يخمش وجه النديم إلا أن أظفاره كليلة وانما أراد في الحقيقة انه لا يظفّر وجه النديم ولا يفعل شيئا من ذلك وكذلك قوله لم تحتضره مفاقره أي ليس له مفاقر فتحتضره وسيأتي ما هو أبلغ من ذلك في حينه وهو قوله تعالى: «لا يسألون الناس إلحافا» أي لا يسألون البتة وفي الآية التي نحن بصددها أراد البارئ تعالى نفي الأحلام الباطلة خاصة كأنهم قالوا: ولا تأويل للأحلام الباطلة فنكون به عالمين ويزداد الحسن اكتمالا بالمواءمة فقد قال الملك لهم أولا «إن كنتم للرؤيا تعبرون» للتدليل على أنهم لم يكونوا في علمه عالمين بها لأنه أتى بكلمة «إن» التي تفيد التشكيك رجاء اعترافهم بالقصور مطابقا لشك الملك الذي أخرجه مخرج الاستفهام عن كونهم عالمين بالرؤيا أولا وقول الفتى أنا أنبئكم بتأويله إلى قوله لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون دليل على ذلك أيضا فسبحان قائل هذا الكلام. * الفوائد: 1- أوقع سبحانه قوله «سمان» صفة للميّز وهو بقرات دون المميّز وهو سبع والفرق بين الأمرين وكلاهما جائز في قواعد النحو أنك لو أوقعتها صفة لبقرات فقد أردت أن تميز السبع بنوع من البقرات وهي السمان منهن خاصة لا بجنسهن ولو أوقعتها صفة لسبع فقد أردت أن تميز السبع بجنس البقرات لا بنوع خاص منها ثم رجعت فوصفت المميز بالجنس بالسمن. 2- دلت كلمة أخر على أن السنبلات اليابسات كانت سبعا كالخضر دون التصريح بالعدد ذلك لأن الكلام مبني على انصبابه إلى هذا العدد في البقرات السمان والعجاف والسنابل الخضر فوجب أن يتناول معنى الأخر السبع ويكون قوله وأخر يابسات بمعنى وسبعا أخر. 3- أخر: صفة معدولة عن وزن آخر ولعدل الصفة موضعان: آ- الاعداد على وزن «فعال ومفعل» كأحاد وموحد وثناء ومثنى وثلاث ومثلث ورباع ومربع وهي معدولة عن واحد واحد واثنين اثنين إلخ فإذا قلت جاء القوم مثنى فالمعنى أنهم جاءوا اثنين اثنين وقد قالوا أن العدل في الأعداد مسموع عن العرب إلى الأربعة غير أن النحويين قاسوا ذلك إلى العشرة والحق انه مسموع في الواحد والعشرة وما بينهما قال أبو الطيب: أحاد أم سداس في أحاد ... لييلتنا المنوطة بالتناد ب- أخر في قولك مررت بنساء أخر وقال تعالى «فعدة من أيام أخر» وهي جمع أخرى مؤنث آخر، وآخر بفتح الخاء اسم تفضيل على وزن أفعل بمعنى مغاير وكان القياس أن يقال مررت بنساء آخر كما يقال مررت بنساء أفضل لأن اسم التفضيل إذا كان مجردا من من أل والاضافة لا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع. 4- الاختصاص: هو نصب الاسم بفعل محذوف وجوبا تقديره أخص أو أعني ولا يكون هذا الاسم إلا بعد ضمير لبيان المراد منه نحو: نحن العرب نكرم الضيف، فنحن مبتدأ وجملة نكرم الضيف خبر والعرب منصوب على الاختصاص بفعل محذوف تقديره أخص وجملة الفعل المحذوف معترضة بين المبتدأ وخبره وليس المراد الاخبار عن نحن بالعرب بل المراد أن إكرام الضيف مختص بالعرب ومقصور عليهم ومنه قول أبي عبادة البحتري: نحن أبناء يعرب، أعرب النا ... س لسانا وأنضر الناس عودا وقد يكون الاختصاص بلفظ أيها وأيتها فيستعملان كما يستعملان في النداء فيبنيان على الضمّ ويكونان في محل نصب بأخص محذوفا وجوبا ويكون ما بعدهما اسما محلى بأل لازم الرفع على أنه صفة أو بدل للفظهما ولا يجوز نصبه على أنه تابع لمحلهما كما في الآية الكريمة. [المجلد الخامس] [تتمة سورة يوسف]
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.