الباحث القرآني

* اللغة: (مُهْطِعِينَ) : مسرعين إلى الداعي وقيل: الإهطاع أن تقبل ببصرك على المرئي تديم النظر إليه لا تطرف وفي المختار: «اهطع الرجل إذا مدّ عنقه وصوب رأسه، وأهطع في عدوه أسرع» وفي الأساس: «بعير مهطع: في عنقه تصويب وقيل: هو المسرع وقد أهطع في سيره واستهطع وقال: تعبّدني نمر بن سعد وقد أرى ... ونمر بن سعد لي مطيع ومهطع وقال آخر يصف ثورا: بمستهطع رسل كأنّ زمامه ... بقيدوم رعن من رضام ممتّع (مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ) : الإقناع رفع الرأس وإدامة النظر من غير التفات إلى غيره. وفي القاموس «وأقنعه أرضاه ورأسه نصبه ورفعه أو لا يلتفت يمينا ولا شمالا وجعل طرفه موازيا» وقيل الاقناع من الاضداد يكون رفعا وخفضا، «مقنعي رءوسهم» رافعيها. (الطرف) : في الأصل مصدر والطرف أيضا: تحريك الجفن قال جرير: إن العيون التي في طرفها حور ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا يصرعن ذا اللب حتى لا حراك ... وهنّ أضعف خلق الله إنسانا (مُقَرَّنِينَ) : قرن بعضهم مع بعض أقرنت أيديهم إلى أرجلهم مغللين. (الْأَصْفادِ) : القيود وقيل الأغلال وانشد لسلامة بن جندل: وزيد الخيل قد لاقى صفادا ... يعضّ بساعد وبعظم ساق وهو جمع صفد يقال صفده يصفده صفدا من باب ضرب قيده وصفّده مشددا للتكثير ومن أقوالهم «الصّفد صفد» أي العطاء قيد ومن المجاز صفّدته بكلامي تصفيدا إذا غلبته، وقال عمرو ابن كلثوم: فآبوا بالنهاب وبالسبايا ... وأبنا بالملوك مصفّدينا (قَطِرانٍ) : القطران فيه ثلاث لغات: قطران بفتح القاف وكسر الطاء وقطران بزنة سكران وقطران بكسر القاف وسكون الطاء بزنة سرحان وهو ما يتحلب من شجر يسمى الأبهل فيطبخ فتهنأ به الإبل الجربى فيحرق الجرب بحره وحدته، والجلد وقد تبلغ حرارته الجوف ومن شأنه أن يسرع فيه اشتعال النار وقد يستسرج به وهو أسود اللون منتن الريح فتطلى به جلود أهل النار حتى يعود طلاؤه لهم كالسرابيل وهي القمص ليجتمع عليهم لذع القطران وحرقته واسراع النار في جلودهم واللون الوحش ونتن الريح وفي المنجد: «القطران والقطران والقطران: سيال دهني يتخذ من بعض الأشجار كالصنوبر والأرز» . * الإعراب: (وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ) الواو استئنافية ولا ناهية وتحسبن فعل مضارع مبني على الفتح لا تصاله بنون التوكيد الثقيلة وهو في محل جزم بلا الناهية والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت ولفظ الجلالة مفعول به أول وغافلا مفعول به ثان وعما متعلقان بغافلا وجملة يعمل الظالمون صلة. (إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ) الجملة مستأنفة أيضا مسوقة لتعليل النهي السابق وانما كافة ومكفوفة ويؤخرهم فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به وليوم متعلق بيؤخرهم وجملة تشخص صفة ليوم وفيه متعلقان بتشخص والأبصار فاعل والمعنى لا تستقر في أماكنها من هول ما ترى. (مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ) مهطعين ومقنعي رءوسهم حالان من المضاف المحذوف إذ التقدير أصحاب الأبصار أو تكون الأبصار دلت على أصحابها فجاءت الحال من المدلول عليه وجملة لا يرتد إليهم طرفهم حال ثالثة من الضمير في مقنعي رءوسهم ويجوز أن تكون مستأنفة وأفئدتهم الواو للحال أيضا، وأفئدتهم هواء مبتدأ وخبر والجملة حال رابعة ويجوز أن تكون الواو استئنافية والجملة مستأنفة. (وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ) وأنذر عطف على قوله ولا تحسبن والناس مفعول به أول ويوم مفعول به ثان لا مفعول فيه كما يتوهم للوهلة الاولى على حذف المضاف أي أنذرهم أهواله وعظائمه إذ لا إنذار في ذلك اليوم وإنما الانذار يقع في الدنيا وجملة يأتيهم العذاب مضافة للظرف ويأتيهم فعل ومفعول به والعذاب فاعل مؤخر. (فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ) الفاء عاطفة ويقول عطف على يأتيهم والذين فاعل وجملة ظلموا صلة وربنا منادى مضاف وأخرنا فعل وفاعل مستتر ومفعول به والى أجل متعلقان بأخرنا وقريب صفة ونجب جزم لأنه جواب الطلب والفاعل مستتر تقديره نحن ودعوتك مفعول به. (أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ) الهمزة للاستفهام التوبيخي التقريري والواو عاطفة ولم حرف نفي وقلب وجزم وتكونوا مضارع ناقص مجزوم بلم والواو اسمها والجملة مقول القول محذوف أي فيقال لهم هذا القول توبيخا وتقريعا، وجملة أقسمتم خبر تكونوا وما نافية حجازية أو تميمية ولكم خبر مقدم ومن حرف جر زائد وزوال اسم ما أو مبتدأ مؤخر محلا مجرور بمن لفظا والجملة لا محل لها لأنها جواب القسم وجاءت بلفظ الخطاب مراعاة لقوله أقسمتم. (وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) وسكنتم عطف على أقسمتم وهو فعل وفاعل وفي مساكن جار ومجرور متعلقان بسكنتم والذين مضاف لمساكن وجملة ظلموا صلة وأنفسهم مفعول به. (وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ) وتبين عطف على ما تقدم والفاعل مقدر على منطوق الجملة أي حالهم وذلك بالأخبار والمشاهدة ولكم متعلقان بتبين وكيف مفعول مطلق أي أيّ فعل فعلنا بهم ولك أن تعربها حالا ولا يصح أن تكون فاعلا لتبين لأن اسم الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله وله الصدارة وفعلنا فعل وفاعل وبهم متعلقان بفعلنا، وضربنا: لك أن تعطفه على تبين ولك أن تجعله مستأنفا وضربنا فعل وفاعل والأمثال مفعول به ولكم متعلقان بضربنا. (وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ) الواو عاطفة وقد حرف تحقيق ومكروا فعل وفاعل ومكرهم مفعول مطلق والواو حالية وعند الله ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم ومكرهم مبتدأ مؤخر والهاء مضاف اليه وهي إما هاء الفاعل فيكون المعنى ومكتوب عند الله مكرهم فهو مجازيهم عليه بمكر أعظم ويجوز وإن نافية وكان فعل ماض ناقص ومكرهم اسمها واللام لام الجحود الذي يستحقونه يأتيهم من حيث لا يشعرون والأول أولى لتلاؤمه مع هاء مكرهم الأولى. (وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ) الواو عاطفة وإن نافية وكان فعل ماض ناقص مكرهم اسمها واللام لام الجحود وتزول فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام الجحود والجار والمجرور خبر كان ومنه متعلقان بتزول والجبال فاعل والمعنى ولن تزول الجبال بمكرهم وسيأتي معنى ضرب المثل بالجبال في باب البلاغة. (فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ) عطف تفريعي على ولا تحسبن ولا ناهية وتحسبن مجزوم محلا بلا الناهية ولفظ الجلالة مفعول به ومخلف مفعول ثان لتحسبن وهو اسم فاعل ووعده مضاف إلى مخلف وهو المفعول الثاني لمخلف ورسله هو المفعول الاول لمخلف والأصل مخلف رسله وعده ولكنه قدم الوعد لأهميته وإيذانا منه بأنه لا يخلف الوعد أصلا. (إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ) ان واسمها وخبرها وذو انتقام خبر ثان لها. (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ) يوم الظرف بدل من يوم يأتيهم العذاب أو متعلق بمحذوف أي اذكر يوم وجملة تبدل مضاف إليها الظرف وتبدل فعل مضارع مبني للمجهول والأرض نائب فاعل وغير الأرض مفعول تبدل الثاني والسموات عطف على الأرض أي تتغير معالمهما على حد قوله: وما الناس بالناس الذين عهدتهم ... ولا الدار بالدار التي كنت تعلم وفي المطولات أحاديث وأقوال عن تبدل الأرض والسموات لا بأس بالرجوع إليها. (وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ) عطف على تبدل فهو ماض بمعنى المضارع ولله متعلقان ببرزوا والواحد القهار صفتان لله. (وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ) عطف على تبدل أيضا والمجرمين مفعول به والرؤية هنا بصرية أي تراهم رؤية العين ويومئذ ظرف أضيف اليه ظرف وهو متعلق بتراهم ومقرنين حال من المجرمين وفي الأصفاد جار ومجرور متعلقان بمقرنين أو بمحذوف حال (سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ) الجملة حال ثانية أو جملة مستأنفة وسرابيلهم مبتدأ ومن قطران خبره (وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ) عطف على الجملة الحالية وتغشى فعل مضارع ووجوهم مفعول به مقدم والنار فاعل مؤخر. (لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ) اللام لام التعليل ويجزي فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان ببرزوا والله فاعل وكل نفس مفعول به وما كسبت ما مفعول به ثان وجملة كسبت صلة. (إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ) ان واسمها وخبرها والجملة تعليلية لا محل لها. (هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ) هذا مبتدأ وبلاغ خبر وللناس صفة ولينذروا معطوف على محذوف أي لينصحوا ويحذروا وبه متعلقان بينذروا. (وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ) وليعلموا عطف على لينذروا وإنما كافة ومكفوفة وقد سدت مسد مفعولي يعلموا وهو مبتدأ وإله خبر وواحد صفة وليذكر عطف على ما تقدم وأولو الألباب فاعل. * البلاغة: الاستعارة التمثيلية في قوله «وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال» فقد شبه بقوله لتزول منه الجبال مكرهم لتفاقمه وشدته، وافتتانهم فيه. وبلوغهم الغاية منه وشبه شريعته وآياته وما أنزله على نبيه من تعاليم سامية، وحجج بينة شبهها بالجبال في رسوخها وتمكنها من نفوس المؤمنين بها المتشبثين بأهدابها وهي من أرقى الاستعارات وأجملها وتزداد روعتها بأن صدور المكر المعدّ لإزالة الجبال صادر عن قوم جوف لا جدوى فيه ولا قوة لهم، وهم في تقلبهم وخفتهم أشبه بالهواء إذ قال قبل ذلك «وأفئدتهم هواء» والهواء الخلاء والخواء الذي لم تشغله الاجرام فوصف به القلب فقيل قلب هواء إذا كان قزوقة جبانا لا قوة في قلبه ولا جرأة ويقال للأحمق أيضا قلبه هواء، قال زهير بن أبي سلمى يصف ناقته: كأن الرجل منها فوق صعل ... من الظلمان جؤجؤه هواء الصعل: المنجرد شعر الرأس والصغير الرأس والظلمان جمع ظليم وهو ذكر النعام، والجؤجؤ الصدر وجعل صدره فارغا ليكون أسرع في السير إلى طعامه، والنعام مثل في الجبن والخوف والحمق. وقال حسان بن ثابت يهجو أبا سفيان قبل إسلامه: ألا أبلغ أبا سفيان عني ... فأنت مجوف نخب هواء بأن سيوفنا تركت عبيدا ... وعبد الدار سادتها الإماء هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء أتهجوه ولست له بكفء ... فشركما لخيركما الفداء أمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد فيكم وقاء والمجوف والنخب والهواء: خالي الجوف أو فارغ القلب من العقل والشجاعة، وقد رمق شوقي في العصر الحديث هذا المعنى فاقتبسه لوصف الغيد العذارى بقوله: فاتقوا الله في قلوب العذارى ... فالعذارى قلوبهن هواء * الفوائد: معنى تبدل الأرض غير الأرض: ننقل لك خلاصة كلام الامام الرازي في قوله تعالى «يوم تبدل الأرض غير الأرض» إلى آخر الآية لأهميته ثم نعقب على هذا الكلام بكلمات لا تقل عنه أهمية. قال الرازي: «اعلم أن التبديل يحتمل وجهين أحدهما: أن تكون الأرض باقية وتبدل صفتها بصفة أخرى والثاني أن تفنى الذات وتحدث ذات ثانية والدليل على أن اطلاق التبديل لإرادة التغيير في الصفة جائز انه يقال بدلت الحلقة خاتما إذا أنت سويتها خاتما فنقلتها من شكل إلى شكل ومنه قوله تعالى «فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات» ويقال بدلت قميصي جبة أي نقلت العين من صفة إلى صفة أخرى ويقال تبدل زيد إذا تغيرت أحواله، أما ذكر التبديل عند وقوع المبدل في الذات فكقولك بدلت الدرهم دنانير ومنه قوله تعالى «بدلناهم جلودا غيرها» وقوله: «وبدلناهم بجنتيهم جنتين» فإذا عرفت أن اللفظ محتمل لكل واحد من هذين المفهومين ففي الآية قولان: الاول: المراد تبديل الصفة لا تبديل الذات.... وقوله والسموات أي وتبدل السموات بانتثار كواكبها وانفطارها وتكوير شمسها وخسوف قمرها وكورها فتارة تكون كالمهل وتارة تكون كالدهان. القول الثاني: ان المراد تبديل الذات قال ابن مسعود تبدل بأرض كالفضة البيضاء النقية لم يسفك فيها دم ولم تعمل عليها خطيئة» انتهى كلام الرازي. وقد علل الفيلسوف الشيخ علاء الدين بن النفيس في رسالته التي عارض بها رسالة حي بن يقظان لا بن الطفيل خراب هذه الدار وفساد هذا العالم وظهور الآيات فقال ما معناه ملخصا: وإذ قد ثبت أن ميل الشمس إلى الشمال والجنوب يتناقص دائما فإذا بطل هذا الميل أو قرب منه صارت الشمس دائمة المسامتة لخط الاستواء أو ما يقرب منه فلذلك تحدث حرارة شديدة جدا ويحدث في البقاع التي لها عرض بعيد برد مفرط فتفسد الأمزجة وتضعف القلوب ويكثر موت الفجأة وتسوء الأخلاق فتفسد المعاملات وتكثر الشرور والمخاصمات وتكثر الحروب والفتن ويتقدم الأشرار وتفسد الأذهان، وبفسادها تبعد الناس عن قبول العلوم والحكمة» إلى أن يقول: «وإذا دام فقدان ميل الشمس مدة أفرط الخروج عن الاعتدال حتى أفسد الأمزجة الحيوانية والنباتية وكان من ذلك القيامة» انتهى كلام ابن النفيس.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.