الباحث القرآني

* اللغة: (نَسْلُكُهُ) : ندخله يقال سلكت الخيط في الإبرة وأسلكته إذا أدخلته فيها وفي المختار: «السلك بالكسر الخيط وبالفتح مصدر سلك الشيء في الشيء فانسلك أي أدخله فيه فدخل وبابه نصر قال الله تعالى: «كذلك نسلكه في قلوب المجرمين» واسلك لغة فيه» وفي القاموس وغيره: سلك يسلك بضم اللام في المضارع سلكا وسلوكا المكان دخل فيه والطريق سار فيه متبعا إياه وأسلك الشيء في الشيء أدخله فيه كما يسلك الخيط في الإبرة وسلكه المكان وأسلكه المكان وفيه وعليه أدخله فيه. (سُكِّرَتْ) : حيرت أو حبست من الأبصار أو سدت يقال سكرت النهر سكرا من باب قتل سددته والسكر بالكسر ما يسد به وفي القاموس وشرحه وغيرهما: سكر يسكر الإناء سكرا من باب قتل: ملأه والنهر جعل له سدا والباب سده وسكرت الريح سكورا وسكرانا سكنت والحر فتر وسكر، وسكّر بصره تحير وحبس عن النظر وسكر يسكر من باب علم الحوض امتلأ وسكر الرجل عليه اغتاظ وغضب وسكر سكرا، وسكرا وسكرا وسكرا وسكرانا من الشراب نقيض صحا فهو سكر وسكران وهي سكرة وسكرى وسكرانة والجمع سكرى وسكارى وسكارى. وللسين مع الكاف إذا وقعتا فاء وعينا للفعل معنى التأثير في الشيء واحداث الأثر فيه يقال سكب الماء سفحه وصبه وماء ودم أسكوب قالت جنوب أخت عمرو ذي الكلب: الطاعن الطعنة النجلاء يتبعها ... مثعنجر من دم الأجواف أسكوب وهذا أمر سكب وسنّة سكب: حتم قال لقيط بن زرارة لأخيه معبد وقد طلب اليه حين أسر أن يفديه بمئتين من الإبل: ما أنا بمنط (أي بمعط) عنك شيئا يكون على أهل بيتك سنة سكبا، ويدرب له الناس بنا دربا وسكت الرجل أصابته علة منعته من الكلام ورجل سكوت وساكوت وسكّيت وبه سكات إذا كان طويل السكوت من علة وللحبلى صرخة ثم سكتة، ومن المجاز ضربته حتى أسكتّ حركته، والسّكتة: داء معروف تتعطل به الأعضاء عن الحسّ والحركة إلا التنفس والسّكتة: ما تبقى في الوعاء وما تسكت به الصبيّ أو غيره والسّكات داء يمنع من الحيات والسكات من الحياة ما يلدغ قبل أن يشعر به. وسكع يسكع من بابي فهم وفتح سكعا وسكعا مشى على غير هدى لتأثره وفلان يتسكع لا يدري أين يتوجّه من أرض الله وتسكّع في الظلمة خبط فيها قال: أيادي بيضا بيّضت وجه مطلبي ... وقد كنت في ظلمائه أتسكع وسئل بعض العرب عن قوله تعالى: «في طغيانهم يعمهون» فقال: في عمههم يتسكعون، وهو إسكاف بكسر الهمزة من الأساكفة وهو الخراز وقيل: كل صانع، وما وطئت أسكفّة بابه، وما تسكّفت بابه وو الله لا أتسكّف له بيتا، ومن المجاز وقفت الدمعة على أسكفّة عينه أي على جفنها الأسفل، وسكّ الباب سده بالحديد وسكّ البئر حفرها وسك أذنيه اصطلمهما وسك النّعام ما في بطنه: رمى به رقيقا يقال: ما سك سمعي مثل ذلك الكلام أي ما دخل وضرب هذا الدرهم في سكة فلان وشقّ الأرض بالسّكة وله سكة من نخل وهو يسكن سكّة بني فلان وهي الزقاق الواسع، ومن المجاز استكت مسامعه: صمت، قال النابغة: أتاني أبيت اللعين أنك لمتني ... وتلك التي تستك منها المسامع وسكن المتحرك وأسكنته وسكّنته وتناسبت حركاته وسكناته وسكنوا الدار وسكنوا فيها وأسكنتهم الدار وأسكنتهم فيها، ومن المجاز سكنت نفسي بعد الاضطراب وعلمته علما سكنت إليه النفس ومالي سكن أي من أسكن اليه من امرأة أو حميم، قال أبو الطيب: بم التعلل لا أهل ولا وطن ... ولا نديم ولا كأس ولا سكن وعليه سكينة ووقار ودعة ولهم ضرب يزيل الهام عن سكناته. قال النابغة: بضرب يزيل الهام عن سكناته ... وطعن كايزاغ المخاض الضوارب وهذا- كما يبدو- أشبه بأن يكون مقصودا ولكن لغتنا ولدت مع الإلهام متمشية مع خواطر النفوس وهواجسها. (بُرُوجاً) : جمع برج وبروج السماء اثنا عشر- كما كانوا يقولون- وهي الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت، قالوا: وهي منازل الكواكب السبعة السيارة: المريخ وله الحمل والعقرب، والزهرة ولها الثور والميزان، وعطارد (ويمنع من الصرف لصيغة منتهى الجموع) وله الجوزاء والسنبلة، والقمر وله السرطان، والشمس ولها الأسد، والمشتري وله القوس والحوت، وزحل (بمنع الصرف للعلمية والعدل كعمر) وله الجدي والدلو، ولم نورد هذه الأسماء على سبيل التحقيق العلمي فقد بدل العلم الكثير من هذه المعلومات الابتدائية واكتشف ما لم يكن يدور بالخلد والحسبان ولكننا أوردناها للفوائد اللغوية فقط. (اسْتَرَقَ) : خطفه وسرقه وسارقه النظر مثله واسترق الكاتب بعض المحاسبات إذا لم يبرزه. (شِهابٌ) : الشهاب كل مضيء متولد من النار وما يرى كأنه كوكب انقضّ والكوكب عموما والسنان لما فيه من البريق والجمع شهب، قال أبو تمام وجانس: والعلم في شهب الأرماح ساطعة ... بين الخمسين لا في السبعة الشهب (مَعايِشَ) : جمع معيشة وهي ما يعيش به الإنسان مدة حياته من المطاعم والمشارب والملابس وهي بياء صريحة بخلاف الشمائل والخبائث وذلك لأن الياء في معايش أصلية في المفرد والمدّ في المفرد لا يقلب همزا في الجمع إلا إذا كان زائدا في المفرد كما قال ابن مالك في الخلاصة: والمد زيد ثالثا في الواحد ... همزا يرى في مثل كالقلائد * الإعراب: (كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ) الكاف نعت لمصدر محذوف أي مثل ذلك الإدخال ندخله في قلوب المجرمين ونسلكه فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به وفي قلوب المجرمين متعلقان بنسلكه. (لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ) الجملة في محل نصب على الحال ويجوز أن تكون مفسرة لقوله نسلكه فلا محل لها ويؤمنون فعل مضارع وفاعل وبه جار ومجرور متعلقان بيؤمنون وقد: الواو حالية وقد حرف تحقيق وخلت سنة الأولين فعل وفاعل والجملة حالية ويجوز أن تكون الواو استئنافية والجملة مستأنفة أي مضت سنة الله في إهلاكهم وتعذيبهم. (وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ) الواو عاطفة ولو امتناعية شرطية وفتحنا فعل وفاعل وعليهم متعلقان بفتحنا وبابا مفعول به ومن السماء صفة لبابا والفاء عاطفة وظل واسمها وسيأتي في باب البلاغة ذكر الضمير في يعرجون وفيه متعلقان بيعرجون وجملة يعرجون خبر ظل. (لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ) اللام واقعة في جواب لو وقالوا فعل وفاعل وانما كافة ومكفوفة وسكرت أبصارنا فعل وفاعل والجملة لا محل لها لأنها جواب لو وجملة إنما سكرت أبصارنا مقول القول وجملة نحن قوم مسحورون تابعة لجملة سكرت أبصارنا، وبل حرف إضراب ونحن مبتدأ وقوم خبر ومسحورون صفة. (وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ) الواو عاطفة واللام جواب القسم المحذوف وقد حرف تحقيق وجعلنا فعل وفاعل وإذا كان بمعنى خلقنا كان قوله في السماء متعلقا به وإذا كان بمعنى صيرنا فيكون مفعوله الأول بروجا والجار والمجرور في محل نصب هو المفعول الثاني وزيناها فعل وفاعل ومفعول به وللناظرين متعلقان بزيناها. (وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ) الواو عاطفة وحفظناها فعل وفاعل ومفعول به ومن كل شيطان رجيم جار ومجرور متعلقان بحفظناها ورجيم صفة لشيطان. (إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ) إلا أداة استثناء ومن اسم موصول في موضع نصب على الاستثناء المتصل إن فسر الحفظ بمعنى المنع أي منع الشياطين من التعرض لها على الإطلاق والوقوف على ما فيها في الجملة، أو الاستثناء المنقطع إن فسر بالمنع من دخولها والتصرف فيها. والفاء عاطفة وأتبعه فعل ماض ومفعول به وشهاب فاعل ومبين صفة. (وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ) والأرض نصب على الاشتغال أي مفعول به لفعل محذوف يفسره ما بعده ومددناها فعل وفاعل ومفعول به وألقينا فعل وفاعل وفيها متعلقان بألقينا ورواسي مفعول به أي جبالا ثابتة لئلا تميد بأهلها. (وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ) وأنبتنا عطف على ما قبله وفيها متعلقان بأنبتنا ومن كل شيء صفة للمفعول به المحذوف أي نباتا من كل شيء، وموزون صفة أي معلوم مقداره. (وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ) وجعلنا عطف على ما تقدم ولكم متعلقان بجعلنا أو في موضوع المفعول الثاني وفيها حال ومعايش مفعول جعلنا ومن الموصول عطف على معايش أو على محل لكم كأنه قيل وجعلنا لكم فيها معايش وجعلنا لكم من لستم له برازقين أو وجعلنا لكم فيها معايش ولمن لستم له برازقين وأراد بهم العيال والخدم والحشم والدواب وقدره الزجاج منصوبا بفعل محذوف مقدر تقديره وأغنينا من لستم له برازقين ويجوز قطع الواو فتكون ابتدائية ومن مبتدأ خبره محذوف تقديره ومن لستم له برازقين جعلنا له فيها معايش. * البلاغة: في قوله تعالى «كذلك نسلكه في قلوب المجرمين، لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين، ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون، لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون» تشبيه تمثيلي للعناد المستحوذ عليهم واللدد الراسخ في صدورهم وتفصيل ذلك أن الله تعالى سلك القرآن في قلوبهم وأدخله في سويداءاتها كما سلك ذلك في قلوب المؤمنين المصدقين فكذب به هؤلاء وصدّق به هؤلاء كل على علم وبينة ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيّ عن بينة ولئلا يكون للكفار على الله حجة بأنهم ما فهموا وجوه الاعجاز كما فهمها من آمن فأعلمهم الله تعالى من الآن، وهم في مهلة وإمكان: انهم ما كفروا إلا على علم معاندين باغين ليكون أدحض لأية حجة يختلقونها وأنقى لكل ادعاء يخرصون به ولذلك عقبه الله تعالى بقوله «ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا» إلخ أي إن هؤلاء فهموا القرآن حق الفهم واكتنهوا أسراره، وسبروا أغوار معجزاته وعلموا وجوه إعجازه وولج ذلك إلى قرارات نفوسهم ووقر في أسماعهم ولكنهم قوم ديدنهم العناد وشيمتهم اللجاج والمكابرة حتى لو سلك بهم أوضح السبل وأدعاها إلى الايمان بضرورة العيان والمشاهدة وذلك بأن يفتح لهم بابا في السماء يعرج ويعرج بهم حتى يدخلوا منه نهارا وقد أشار إلى ذلك بقوله ظلوا لأن الظلول إنما يكون نهارا لقالوا بعد ذلك الإيضاح العظيم المكشوف انما سكرت أبصارنا وسحرنا محمد وما هذه إلا خيالات مموهة لا حقائق تحتها فأسجل عليهم بذلك أنهم لا عذر لهم في التكذيب من عدم سماع ووعي ووصول إلى القلوب وفهم كما فهم غيرهم من المصدقين لأن شأنهم الاستمرار في اللدد والعناد والمكابرة واللجاج فاذا انتقلنا إلى التفصيل قلنا في هذا التشبيه التمثيلي: 1- التتميم وقد مر سابقا وذلك بعرض مختلف مجالي المشاهدة والاعتبار. 2- الاحتراس بكلمة ظلوا خشية أن يكون عروجهم في الظلام فيتعلوا به على عدم الاهتداء. 3- سكر الابصار على طريق الاستعارة المكنية التبعية. 4- وفي كلمتي الحصر والاضراب دلالة على البت بأن ما يرونه لا حقيقة له بل هو باطل خيل إليهم بنوع من السحر حسب ادعائهم وإيضاح ذلك انهم قالوا: «انما» وهي تفيد الحصر في المذكور آخرا فيكون الحصر في الأبصار لا في التسكير فكأنهم قالوا سكرت أبصارنا لا عقولنا ونحن وإن كنا نتخيل بأبصارنا هذه الأشياء لكنا نعلم بعقولنا أن الحال بخلافه أي لا حقيقة له ثم قالوا «بل» كأنهم أضربوا عن الحصر في الأبصار وقالوا بل جاوز ذلك إلى عقولنا بسحر صنعه لنا. وهذه الآيات من الروائع التي يقف البيان أمامها مذعنا.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.