الباحث القرآني

* اللغة: (الصلصال) : الطين اليابس الذي يصلصل وهو غير مطبوخ وإذا طبخ فهو فخار، قالوا: إذا توهمت في صوته مدا فهو صليل وإن توهمت فيه ترجيعا فهو صلصلة وقيل هو تضعيف صل إذا أنتن، وقيل: الصلصال: طين يابس إذا نقر سمع له صوت أي صلصلة وهو بمعنى المصلصل كالزلزال بمعنى المزلزل ويكون فعلال أيضا مصدرا نحو الزلزال وفي وزن هذا النوع أي ما كررت فاؤه وعينه خلاف، فقيل وزنه فعفع كررت الفاء والعين ولا لام للكلمة وهو قول الفراء وهو غلط لأن أقل الأصول ثلاثة فاء وعين ولام وقد عدل عنه الفراء فقال إن وزنه فعفل وقيل إن أصله فعّل بتشديد العين وأصله صلّل فلما اجتمع ثلاثة أمثال أبدل الثاني من جنس فاء الكلمة، وخص بعضهم هذا الخلاف بما إذا لم يختلّ المعنى بسقوط الثالث نحو لملم وكبكب فانك تقول فيهما لمّ وكبّ فلو لم يصح المعنى بسقوطه نحو سمسم فلا خلاف في أصالة الجميع. وقيل: ان وزنه فعلل بتكرير اللام فقلبت الأولى منهما من جنس فاء الكلمة، وفي القاموس: الصلصال الطين اليابس الذي يصل من نفسه أي يصوت ويقال صلصل صلصلة الحلي أو اللجام صوت، والرعد صفا صوته والجرس رجع صوته وصلصل فلانا تهدده. هذا وقد جاءت الزيادة رابعة بعد اللام الأولى في أسماء صالحة العدة تقارب عشرة أبنية من ذلك: فعليل وذلك في الاسم والصفة فالاسم قنديل وبرطيل والصفة شنظير وهمهيم فالقنديل معروف والبرطيل حجر طويل قدر الذراع والشنظير السيّء الخلق والهمهيم الذي يردّد ويهمهم ويقال حمار همهيم أي في صوته ترديد من الهمهمة. ومن ذلك فعلول في الاسم والصفة فالاسم عصفور وزنبور والصفة سرحوب وقرضوب فالعصفور والزنبور معروفان والسرحوب الطويل والقرضوب الفقير وهو من أسماء السيف وربما قيل للص قرضوب. ومن ذلك فعليل بضم الفاء وسكون العين وفتح اللام الأولى قالوا في الصفة: غرنيق وهو الرفيع السيد والغرنيق من طيور الماء طويل العنق قال الجوهري إذا وصف به الرجال قيل: غرنيق بكسر الغين وغرنيق بالضم والجمع غرانق بالفتح وغرانيق. ومن ذلك فعلول جاء في الاسم والصفة والاسم فردوس وحرذون والصفة علطوس فالفردوس هو البستان والحرذون دويبة كالقطاة والعلطوس الناقة الفارهة. ومن ذلك فعلول في الاسم والصفة فالاسم فربوس وزرجون والصفة قرقوس وحلكوك فالقربوس للسرج معروف والزرجون الخمر سميت بذلك للونها وأصلها بالفارسية زركون (الزر الذهب والكون اللون) وقال أبو عمرو الجرمي: هو صبغ أحمر. ومن ذلك فعلول بفتح الفاء والعين وسكون اللام وفتح اللام قالوا كنهور وبلهور، والكنهور: السحاب العظيم والبلهور من ملوك الهند يقال لكل ملك عظيم منهم بلهور ولا نعلمه اسما. ومن ذلك فعلال ولا يكون إلا في الكلام المضاعف من ذوات الأربعة يكون اسما وصفة فالاسم الزلزال والحثحاث والصفة الصلصال والقسقاس فالزلزال مصدر كالزلزلة والحثحاث بمعنى الحثحثة والصلصال الطين الحر خلط بالرمل فصار يتصلصل إذا جف فإن طبخ فهو الفخار والقسقاس الدليل الهادي وقد جاء حرف واحد على فعلال غير مضاعف قالوا ناقة بها خزعال وهو سوء مشي من داء. ومن ذلك فعلال بكسر الفاء يكون اسما وصفة فالاسم نحو سربال وحملاق والصفة سرداح وهلباج، والسربال القميص والحملاق ما تغطيه الأجفان من العين والسرداح الأرض الواسعة والهلباج الكثير العيوب. ومن ذلك فعلّل بفتح الفاء والعين وتضعيف اللام الأولى يكون اسما وصفة فالاسم شفلح وهمرّجة والصفة العدبس والعملّس فالشفلح ثمر معين وقد يكون صفة بمعنى الغليظ الشفة والهمرّجة الاختلاط يقال همرجت عليه الخبر أي خلطته والعدبس الضخم والعملس الخفيف وقيل للذئب عملّس، قال الشنفري: ولي دونكم أهلون سيد عملّس ... وأرقط زهلول وعرفاء جيأل ومن ذلك فعلّل بضم الفاء والعين وهو قليل قالوا الصفرق والزمرذ وهما اسمان فالصفرّق نبت والزمرذ من الجوهر معروف. (حَمَإٍ) : الحمأ: الطين الأسود المتغيّر الرائحة من طول مكثه ويقال الحمأة. (مَسْنُونٍ) : منتن من سننت الحجر على الحجر إذا حككته به فإن ما يسيل بينهما يكون منتنا ويسمى سنينا وقيل المصبوب المفرغ أي أفرغ صورة إنسان كما تفرغ الصور من الجواهر المذابة في أمثلتها وقد امتاز فعل سنّ بكثرة معانيه حتى ليكاد المرء يذهل يقال سن يسن السكين من باب نصر أحدّه وشحذه ويقال هذا مما يسنك على الطعام أي يشحذك على أكله ويشهيه إليك وسن الرمع ركب فيه السنان وسن الأسنان سوكها وسن العقدة حلها وسن الإبل ساقها سوقا سريعا وسن الرجل طعنه بالسنان وعضه بأسنانه وكسر أسنانه ومدحه وأطراه وسن الأمر بينه وسهله وأجراه وسن الطريقة سارفيها وسن عليهم السنة وضعها وسن الطين عمله فخارا وسن الشيء صوّره وسن الماء أو التراب صبه برفق وسنت العين الدمع صبته وسن الأمير رعيته أحسن سياستها يقال سن فلان طريقا من الخير أي ابتدأ أمرا من البر لم يعرفه قومه وهذا من أعاجيب لغتنا الشريفة. (الْجَانَّ) : للجن كآدم للناس. (السَّمُومِ) : نار الحر الشديد النافذ من المسام وقيل هي نار لا دخان لها تنفذ في المسام وقيل السموم: ما يقتل من افراط الحر من شمس أو ريح أو نار لأنها تدخل في المسام وهي الثقوب فتقتل وتجمع على سمائم. (رَجِيمٌ) مطرود وفي المصباح: الرجم بفتحتين الحجارة والرجم القبر سمي بذلك لما يجتمع عليه من الحجارة ورجمته رجما من باب قتل ضربته بالرجم، وفي القاموس: «الرجم: اللعن والشتم والطرد والهجران» والمرجوم المطرود الملعون ولعنه الله طرده وأبعده قال الشماخ: وماء قد وردت لوصل أروى ... عليه الطير كالورق اللّجين ذعرت به القطا ونفيت عنه ... مقام الذئب كالرجل اللعين * الإعراب: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) الواو استئنافية واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وخلقنا الإنسان فعل وفاعل ومفعول به ومن صلصال جار ومجرور متعلقان بخلقنا ومن حمأ يجوز أن يكون صفة لصلصال وأن يكون بدلا من قوله من صلصال باعادة الجار ومسنون صفة لحمأ. (وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ) والجان نصب على الاشتغال وخلقناه فعل وفاعل ومفعول به ومن قبل متعلقان بمحذوف حال ومن نار السموم متعلقان بخلقناه. (وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) الظرف متعلق بمحذوف تقديره اذكر وجملة قال ربك مضافة للظرف وللملائكة متعلقان بقال وإن واسمها وخالق خبرها وبشرا مفعول به لخالق ومن صلصال من حمأ مسنون تقدم اعرابها. (فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ) الفاء عاطفة وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة سويته مضافة للظرف ونفخت عطف على سويته وفيه متعلقان بنفخت ومن روحي صفة لمفعول محذوف أي روحا من روحي والمراد الأحياء وليس ثمة نفخ ولا منفوخ فقعوا الفاء رابطة لجواب إذا وقعوا فعل أمر والواو فاعل وله متعلقان بساجدين وساجدين حال (فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ) الفاء عاطفة على محذوف أي فخلقه وسواه ونفخ فيه من روحه فسجد الملائكة وكلهم وأجمعون تأكيدان لزيادة تمكين المعنى وترسيخه في الذهن، وسئل المبرد عن هذه الآية فقال: لو قال فسجد الملائكة احتمل أن يكون سجد بعضهم فلما قال كلهم زال هذا الاحتمال فظهر أنهم بأسرهم سجدوا ثم عند هذا بقي احتمال وهو أنهم هل سجدوا دفعة واحدة أو سجد كل واحد في وقت فلما قال أجمعون ظهر أنهم جميعا سجدوا دفعة واحدة. (إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ) تقدم القول في هذا الاستثناء أنه متصل إما لأنه كان جنيا مغمورا بألوف الملائكة فعدّ منهم تغليبا واما لأنه منهم حقيقة ويجوز أن يكون منقطعا فيتصل به ما بعده أي لكن إبليس أبى أن يكون معهم، وأبى فعل ماض وأن يكون مصدر مؤول منصوب على المفعولية لأبى واسم يكون مستتر تقديره هو أي إبليس ومع ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر يكون والساجدين مضاف اليه. (قالَ: يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ) يا حرف نداء وإبليس منادى مفرد علم وما اسم استفهام للتوبيخ مبتدأ ولك خبر وأن وما في حيزها نصب بنزع الخافض والجار والمجرور في محل نصب على الحال أي مالك غير كائن مع الساجدين، وأن لا تكون مع الساجدين تقدم اعرابها. (قالَ: لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) لم حرف نفي وقلب وجزم وأكن مضارع مجزوم بلم واسمها مستتر تقديره أنا واللام لام الجحود وهي لتأكيد النفي وأسجد فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبا بعدها والجار والمجرور خبر أكن ولبشر متعلقان بأسجد وجملة خلقته صفة لبشر ومن صلصال من حمأ مسنون تقدم إعرابها. (قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ) الفاء الفصيحة لأنها جواب شرط مقدر أي إن تماديت وعصيت فاخرج ومنها متعلقان باخرج والفاء تعليلية وان واسمها وخبرها والجملة لا محل لها. (وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ) الواو عاطفة وان حرف مشبه بالفعل للتوكيد وعليك خبر ان المقدم واللعنة اسمها المؤخر والى يوم الدين حال أي مستقرة إلى تلك الغاية. (قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) رب منادى محذوف منه حرف النداء وهو مضاف إلى ياء المتكلم والفاء الفصيحة لأنها وقعت في جواب شرط مقدر أي إن قضيت علي بهذا الجزاء فأنظرني أي أمهلني، والى يوم متعلقان بأنظرني ويبعثون مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وجملة يبعثون مضاف إليها وانما طلب الانظار إلى اليوم الذي فيه يبعثون ليجد مندوحة وفسحة في الإغواء ونجاة عند الموت إذ لا موت بعد وقت البعث فأجابه إلى الاول دون الثاني أي انظر إلى آخر أيام التكليف كما سيأتي. (قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ) الفاء عاطفة وإن واسمها ومن المنظرين خبرها. (إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ) إلى يوم جار ومجرور متعلقان بالمنظرين والوقت مضاف اليه والمعلوم صفة. (قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) رب منادى كما تقدم وبما الباء للقسم وما مصدرية أي أقسم باغوائك إياي وجملة لأزينن جواب القسم وقد تقدم نظيره في الأعراف وقيل الباء للسببية وكلاهما جائز، لأزينن اللام جواب القسم أو هي موطئة للقسم إن كانت الباء سببية وأزينن فعل مضارع مبني على الفتح ولهم متعلقان بأزينن وفي الأرض حال ولأغوينهم عطف على لأزينن وأجمعين تأكيد للضمير. (إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) إلا أداة استثناء وعبادك مستثنى والمخلصين صفة ومنهم حال. (قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ) هذا مبتدأ وصراط خبر وعلي متعلقان بمحذوف صفة أي حق ومستقيم صفة ثانية أي هذا طريق حق علي أن أراعيه ولا أتجاوزه وهو: (إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ) فالجملة تفسيرية للصراط المستقيم الذي أوجبت على نفسي التزامه وان واسمها وجملة ليس خبر ولك خبر ليس المقدم وعليهم حال لأنه كان صفة لسلطان وسلطان اسم ليس المؤخر. قال ابن هشام: «قول كثير من النحويين في قوله تعالى: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك» إنه دليل على جواز استثناء الأكثر من الأقل والصواب ان المراد بالعباد المخلصون لا عموم المملوكين وان الاستثناء منقطع بدليل سقوطه في الآية 65 سورة الاسراء «ان عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا» وتعقبه الدماميني بقوله: «اختياره لكون الاستثناء منقطعا مقدوح فيه بأنه ارتكاب لخلاف الأصل من غير ضرورة لإمكان حمل الاستثناء على الاتصال وهو الأصل ويكون المراد بالعباد عموم المملوكين ولا يضر في ذلك أن آية الاسراء بدون استثناء لأنه أريد بالعباد فيها المخلصون فترك الاستثناء وقد يجاب بأنه القرآن يفسر بعضه بعضا فإذا تكرر لفظ فيه وكان له موضع محمل واحد وفي آخر ذلك المحمل وغيره حمل في الآخر على ذلك المحمل دون غيره والاستثناء المنقطع وإن كان خلاف الأصل إلا أنه فصيح شائع. (إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ) قيل هو استثناء من غير الجنس لأن المراد بعبادي الموحدون ومتبع الشيطان غير موحد وقيل هو من الجنس لأن عبادي جميع المكلفين ومن الغاوين حال. (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ) الواو عاطفة وان واسمها واللام المزحلقة وموعدهم خبر إن وأجمعين تأكيد للضمير. (لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ) لها خبر مقدم وسبعة أبواب مبتدأ مؤخر ولكل باب خبر مقدم ومنهم حال لأنه كان صفة لجزء وجزء مبتدأ مؤخر ومقسوم نعت لجزء أيضا والمراد بالجزء الطائفة. * البلاغة: 1- الإيجاز في قوله «قال هذا صراط علي مستقيم» ولعله من أبلغ الايجازات لأنه قسيم الإيجاز بالحذف فهو إيجاز بالتقدير وهو قسمان: أحدهما ما ساوى لفظه معناه، وثانيهما ما زاد معناه على لفظه ويسمى بالقصر إذ يدل لفظه على محتملات عديدة ومشتملات كثيرة ولا يمكن التعبير عنه بمثل ألفاظه وفي عدتها لا بل يستحيل ذلك فقوله «هذا» اشارة تدل على القرب فكأنه يشير إلى ما هو على مرأى من عيونهم، ومسمع من آذانهم، وبين متناول أيديهم، وصراط تدل على الطريق المسلوكة التي تفضي بسالكها إلى حيث يختار لنفسه من مذاهب ولكن الطريق قد تكون معوجة ملتوية كثيرة المنعطفات فيتيه السالك في متاهاتها وتلتبس عليه أوجه الاستهداء في سلوكها فجاء بكلمة «مستقيم» والمستقيم هو أقصر بعد بين نقطتين وأقل انحراف يخرجه عن سنن الاستقامة وحدودها وكلمة «علي» تعني الإلزام والإيجاب تقول علي عهد الله لأفعلن كذلك فتشعر أنك قد ألزمت نفسك بما هو حق مفروض الأداء ثم ان الاشارة تضمنت كل ما يحتويه الاستثناء فيما بعد وهو قوله «الا عبادك منهم المخلصين» فكأنه أخذ على نفسه وأوجب على ذاته حقا لا انفكاك له عنه وهو تخليص المخلصين من إغوائه، وقد تضمن تعريف المخلصين أيضا ما يؤكد هذا المعنى ويجعله مستقرا في الذهن لأن التعريف فيه مع تحقيق الصفة للموصوف وهي الإخلاص تفخيم لشأنهم وبيان لمنزلتهم ولانقطاع مخالب الإغواء عنهم، وفل معاول النقد ان تتوجه إليهم، فهذه الآية كلمات قليلة وقد احتوت على هذه الأغراض ولا بد لنا من أن نعرض نماذج من غير القرآن لا لأنها ترقى إلى مستواه ولكن لأنها تدور في فلكه وتحوم حوله وتستقي من مناهله استمع إلى هذه القصة العجيبة: لما أرسل المهلب بن أبي صفرة أبا الحسن المدائني إلى الحجاج ابن يوسف يخبره أخبار الأزارقة كلمه كلاما موجزا كالذي نحن بصدده هنا وذلك ان الحجاج سأله فقال كيف تركت المهلب؟ فقال أدرك ما أمّل وأمن مما خاف فقال: كيف هو لجنده؟ قال: والد رءوف، قال: كيف جنده له؟ قال: أولاد بررة، قال: كيف رضاهم عنه؟ قال: وسعهم بفضله، وأغناهم بعدله، قال: كيف تصنعون إذا لقيتم العدو؟ قال: نلقاهم بجدنا ويلقوننا بجدهم، قال: كذلك الجد إذا لقي الجد، قال فأخبرني عن بني المهلب قال: هم أحلاس القتال بالليل، حماة السرج بالنهار قال: أيهم أفضل؟ قال: هم كحلقة مضروبة لا أيعرف طرفاها فقال الحجاج لجلسائه: هذا هو والله الكلام الفضل الذي ليس بمصنوع. وتأمل وصف الحجاج للكلام فقد وصف الكلام الموجز البليغ بما يدانيه في الإيجاز والبلاغة ولا غرو فالحجاج كان آية في إتقان اللغة ومعرفة خصائصها، روى الزجاج في أماليه قال: «أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد قال: أخبرنا أبو حاتم السجستاني عن الأصمعي قال: أربعة لم يلحنوا في جد ولا هزل: الشعبي وعبد الملك بن مروان والحجاج بن يوسف وابن القريّة، والحجاج أفصحهم، قال يوما لطباخه: اطبخ لنا مخلّلة وأكثر عليها الفيجن (أي السذاب وهو نبات ورقه كالصعتر) واعمل لنا مزعزعا فلم يفهم عنه الطباخ فسأل بعض ندمائه فقال له: اطبخ له سكباجا وأكثر عليها من السذاب واعمل له فالوذا سلسا. وسترى نماذج من الإيجاز في أماكن كثيرة يتم بها شرط الكتاب. 2- الاستثناء في قوله تعالى: «فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس» فإن هذا الاستثناء لو لم يتقدم لفظه هذا الاحتراس من قوله كلهم أجمعون لا حتمل- كما أشرنا في الاعراب- أن يكون في الملائكة من لم يسجد فيتأسى به إبليس ولا يكون منفردا بهذه الكبيرة لاحتمال أن تكون آلة التعريف للعهد لا للجنس فلما كان هذا الاشكال يتوجه على الكلام إذا اقتصر فيه على ما دون التوكيد وجب الإتيان بالتوكيد ليعلم أن آلة التعريف للجنس فيرتفع هذا الإشكال بهذا الاحتراس فحينئذ تعظم كبيرة إبليس لكونه فارق جميع الملأ الأعلى، وخرق إجماع الملائكة فيستحق أن يفرد بهذا اللعن إلى آخر الأبد، هذا والاستثناء الذي يطلقه البلاغيون هو غير الاستثناء المعروف عند النحاة فهو قسمان إذن لغوي وصناعي أما اللغوي فقد فرغ النحاة من تقريره وأما الصناعي فهو الذي نحن بصدده وهو المتعلق بعلم البيان وسترد له نماذج رائعة في هذا الكتاب العجيب.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.