الباحث القرآني

* الإعراب: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ) الواو استئنافية وضرب الله مثلا فعل وفاعل ومفعول به وقرية بدل من مثلا أي جعل القرية الموسومة بهذه السمات مثلا لكل قوم أنعم الله عليهم فأبطرتهم النعمة فكفروا، وجملة كانت صفة لقرية وكان واسمها المستتر وآمنة خبرها ومطمئنة خبر ثان وجملة يأتيها خبر ثالث وهو فعل مضارع ومفعول به مقدم ورزقها فاعل مؤخر ورغدا وصف للمصدر أي اتيانا رغدا فهو مفعول مطلق أو بمعنى راغدا فهو حال ومن كل مكان متعلقان بيأتيها. (فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ) الفاء عاطفة وكفرت فعل ماض والفاعل مستتر يعود على القرية وبأنعم الله متعلقان بكفرت فأذاقها الفاء عاطفة للتعقيب وأذاقها فعل ومفعول به مقدم وفاعل مؤخر ولباس الجوع والخوف مفعول ثان والباء حرف جر للسببية وما مصدرية أو موصولة والعائد محذوف أي بسبب صنعهم أو بسبب الذي كانوا يصنعونه. (وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ) الواو عاطفة واللام موطئة للقسم وقد حرف تحقيق وجاءهم رسول فعل ماض ومفعول به مقدم وفاعل مؤخر ومنهم صفة لرسول فكذبوه الفاء حرف عطف وكذبوه فعل ماض وفاعل ومفعول به. (فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ) فأخذهم عطف على فكذبوه والعذاب فاعل والواو حالية وهم مبتدأ وظالمون خبر والجملة حالية. * البلاغة: في قوله تعالى «وضرب الله مثلا قرية» مجاز مرسل واستعارتان مكنيتان، أما المجاز المرسل ففي قوله قرية والمراد أهلها فعلاقة المجاز المحلية إذ أطلق المحل وأريد الحال وأما الاستعارة الأولى فهي استعارة الذوق للباس فأما الإذاقة فقد كادت تجري عند العرب مجرى الحقيقة لشيوعها في البلايا فيقولون ذاق فلان البؤس والضرر شبّه ما يدرك منهما من أثر الضرر والألم بما يدرك من طعم المرّ البشع وأما اللباس فقد صح التشبيه به لأنه يشتمل على لابسه وأما الاستعارة الثانية فهي استعارة اللباس للجوع والخوف كأنما قد أحاط بهم واشتمل عليهم كما يشتمل اللباس على لابسه، وبناء الاستعارة على الاستعارة ميدان فسيح تضل فيه الأفكار وقد ينغلق فهمه كما انغلق على ابن سنان الخفاجي في نقده للآمدي حين تناول بيت امرئ القيس: فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل فقد قال الآمدي في كتاب الموازنة «وقد عاب امرأ القيس بهذا المعنى من لم يعرف موضوعات المعاني ولا المجازات وهو في غاية الحسن والجودة والصحة وهو إنما قصد وصف أجزاء الليل الطويل فذكر امتداد وسطه وتثاقل صدره للذهاب والانبعاث وترادف اعجازه وأواخره شيئا فشيئا وهذا عندي منتظم لجميع نعوت الليل الطويل على هيئته وذلك أشد ما يكون على من يراعيه ويترقب تصرمه فلما جعل له وسطا يمتد وأعجازا رادفة للوسط وصدرا متثاقلا في نهوضه حسن أن يستعير للوسط اسم الصلب وجعله متمطيا من أجل امتداده لأن تمطّى وتمدّد بمنزلة واحدة وصلح أن يستعير للصدر اسم الكلكل من أجل نهوضه وهذه أقرب الاستعارات من الحقيقة وأشد للاءمته هنا لما استعيرت له وكذلك قول زهير: وعرّي أفراس الصبا ورواحله لما كان من شأن ذي الصّبا أن يوصف أبدا بأن يقال: ركب جواده وجرى في ميدانه، وجمح في عنانه، ونحو هذا، حسن أن يستعار للصبا اسم الأفراس وأن يجعل النزوع عنه أن تعرى أفراسه ورواحله وكانت هذه الاستعارة أيضا من أليق شيء بما استعيرت له» . وقال ابن سنان الخفاجي في كتابه «سر الفصاحة» : حول قول امرئ القيس: فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل «إن هذا الذي ذكره الآمدي ليس بمرضي غاية الرضا وإن بيت امرئ القيس ليس من الاستعارة الجيدة ولا الرديئة بل هو وسط فإن الآمدي قد أفصح بأن امرأ القيس لما جعل لليل وسطا ممتدا استعار له اسم الصلب وجعل متمطيا من أجل امتداده وحيث جعل له أولا وآخرا استعار له عجزا وكلكلا وهذا كله إنما يحسن بعضه مع بعض فذكر الصلب إنما يحسن من أجل العجز والوسط والتمطي من أجل الصلب والكلكل لمجموع ذلك استعارة مبنية على استعارة أخرى» . هذا ما قاله الرجلان بصدد الاستعارة المبنية على استعارة أخرى وقد غفل ابن سنان على سموه في البلاغة عن آية القرآن وإلا ما كان أساغ لنفسه أن يذم هذه الاستعارة. وروي أن ابن الراوندي الزنديق قال لابن الأعرابي إمام اللغة والأدب: هل يذاق اللباس؟ فقال له ابن الأعرابي: لا بأس أيها النسناس هب أن محمدا ما كان نبيا أما كان عربيا؟ كأنه طعن في الآية بأن المناسب أن يقال فكساها الله لباس الجوع أو فأذاقها الله طعم الجوع فرد عليه ابن الأعرابي، وقد أجاب علماء البلاغة أن هذا من تجريد الاستعارة وذلك انه استعار اللباس لما خشي الإنسان من بعض الحوادث كالجوع والخوف لاشتماله عليه اشتمال الثوب على اللابس ثم ذكر الوصف ملائما للمستعار له وهو الجوع والخوف لأن اطلاق الذوق على إدراك الجوع والخوف جرى عندهم مجرى الحقيقة فيقولون ذاق فلان البؤس والضر وأذاقه غيره فكانت الاستعارة مجردة ولو قال فكساها كانت مرشحة، قيل وترشيح الاستعارة وان كان مستحسنا من جهة المبالغة إلا أن للتجريد ترجيحا من حيث أنه روعي جانب المستعار له فازداد الكلام وضوحا.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.