الباحث القرآني

* اللغة: (الْأَنْعامِ) : تقدم شرحها في سورة الانعام وقد ذكر سيبويه الانعام في باب مالا ينصرف في الأسماء الواردة على أفعال ولذلك رجع الضمير اليه مفردا وقد رجع الضمير إليها مؤنثا في سورة المؤمنون لأن معناها الجمع ويجوز أن يقال في الأنعام وجهان أحدهما أن يكون تكسير نعم كأجبال في جبل وأن يكون اسما مفردا مقتضيا لمعنى الجمع فاذا ذكر فكما يذكر نعم في قوله: في كل عام نعم تحوونه ... يلقحه قوم وتنتجونه وإذا أنث ففيه وجهان انه تكسير نعم وانه في معنى الجمع، ولسيبويه بحث طريف كما قلنا فقد عدّ المفردات المبنية على أفعال كأخلاق وأمشاج فيعامل بالتذكير تارة باعتبار لفظه وبالتأنيث أخرى اعتبارا بمعناه وقيل هو جمع نعم كأسباب وسبب. وقال ابن يعيش: «واعلم أن أبنية القلة أقرب إلى الواحد من أبنية الكثرة ولذلك يجري عليها كثير من أحكام المفرد ومن ذلك جواز تصغيره على لفظه خلافا للجمع الكثير ومنها جواز وصف المفرد بها: غرب ثوب أسمال وبرمة اكسار ومنها جواز عود الضمير إليها بلفظ الإفراد نحو قوله تعالى: «وإن لكم في الانعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه» . (عبرة) : عظة أي دلالة يعبر عليها من الجهل إلى العلم فهي مصدر بمعنى العبور أطلق على ما يعبر به إلى العلم مبالغة في كونه سببا إلى العبور. (فَرْثٍ) : الفرث الروث والأشياء المأكولة المنهضمة بعض الانهضام في الكرش. قال الحريري في درة الغواص: «ويقولون: فرث لما يخرج من الكرش وهو وهم لأنه إنما يسسى به مادام فيها فإذا خرج سمي سرجينا ومن أمثال العرب فيمن يحفظ الحقير ويضع الجليل: «فلان يحفظ الفرث ويفسد الحرث» وأجيب عن هذا بأن ذلك القول باعتبار ما كان ومثله كثير مطرد. (سائِغاً) : سهل المرور في الحلق لا يغص به. (سَكَراً) : السكر بفتحتين الخمر سميت بالمصدر من سكر سكرا وسكرا نحو رشد رشدا ورشدا، قال: فجاءونا لهم سكر علينا ... فأجلى اليوم والسكران صاح وفي القاموس والتاج: سكر يسكر من باب تعب سكرا بفتحتين وسكرا بضم فسكون وسكرا بضمتين وسكرا بفتح فسكون وسكرانا بفتحتين من الشراب نقيض صحا فهو سكر وسكران وهي سكرة وسكرى وسكرانة والجمع سكرى وسكارى بفتح السين وسكارى بضمها وجاء في غيره: «في السكر أربعة أقوال: الأول أنه من أسماء الخمر والثاني أنه مصدر في الأصل ثم سمي به الخمر والثالث أنه اسم للخل بلغة الحبشة والرابع أنه اسم للعصير ما دام حلوا كأنه سمي مجازا لمآله لذلك لو ترك» . (يَعْرِشُونَ) : يبنون وبابه ضرب ونصر كما في المختار وفي القاموس: وعرش يعرش بنى عريشا كأعرش وعرش بالتثقيل. * الإعراب: (وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها) الله مبتدأ وجملة أنزل خبر ومن السماء متعلقان بأنزل وماء مفعول به فأحيا عطف على أنزل وبه متعلقان بأحيا والأرض مفعول وبعد موتها الظرف متعلق بمحذوف حال. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) إن وخبرها المقدم واللام المزحلقة وآية اسم ان ولقوم صفة لآية وجملة يسمعون صفة لقوم. (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً) الواو عاطفة وإن حرف مشبه بالفعل ولكم خبرها المقدم وفي الأنعام حال لأنه كان صفة لعبرة واللام المزحلقة وعبرة اسمها المؤخر. (نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ) نسقيكم فعل وفاعل مستتر ومفعول به ومما متعلقان بنسقيكم وفي بطونه صلة ما وجملة نسقيكم مفسرة لعبرة أو خبر لمبتدأ محذوف على حد قوله «تسمع بالمعيدي خير من أن تراه» كأنه قيل: العبرة هي نسقيكم ومن بين فرث ودم حال لأنه كان في الأصل صفة لقوله لبنا وقدم عليه ولك أن تجعله حالا من ما التي قبله ومعنى من الأولى للتبعيض لأن اللبن بعض ما في بطونها والثانية ابتدائية لأن بين الفرث والدم مكان الاسقاء الذي منه يبتدأ ولبنا مفعول ثان لنسقيكم وسائغا صفة وللشاربين متعلقان بسائغا. (وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً) ومن ثمرات النخيل خبر مقدم وجملة تتخذون صفة لموصوف محذوف هو المبتدأ المؤخر أي ثمر كانوا يتخذون منه سكرا ورزقا حسنا لأنهم كانوا يأكلون منه بعضا ويتخذون السكر من بعضه الآخر ولك أن تعلقه بمحذوف دل عليه نسقيكم أي نسقيكم من عصير النخيل والأعناب وعندئذ تكون جملة تتخذون حالا وقال أبو حيان: «والظاهر تعلق من ثمرات بتتخذون وكررت من للتوكيد وكان الضمير مفردا راعيا لمحذوف أي ومن عصير ثمرات أو على معنى الثمرات وهو الثمر وقيل تتعلق بنسقيكم فيكون معطوفا على مما في بطونه أو بنسقيكم محذوفة دل عليها نسقيكم المتقدمة فيكون من عطف الجمل والذي قبله من عطف المفردات إذا اشتركا في العامل وقيل معطوف على الأنعام أي ومن ثمرات النخيل والأعناب عبرة ثم بيّن العبرة بقوله تتخذون» وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون تتخذون صفة موصوف محذوف كقوله «بكفي كان من أرمى البشر» تقديره ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون منه. والضمير في منه يعود على العصير المقدر والأول أضبط وسكرا مفعول تتخذون ورزقا عطف على سكرا وحسنا صفة ولا يخفى ما يتولد عن العنب والتمر من خل وزبيب ودبس وفي المختار: الدبس ما يسيل من الرطب. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) إن وخبرها المقدم واللام المزحلقة وآية اسمها المؤخر وجملة يعقلون صفة لقوم. (وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ) الواو عاطفة على ما قبلها لتتساوق الدلائل على عجائب صنعته تعالى وبدائع قدرته ولك أن تجعلها مستأنفة مسوقة لما ذكر وأوحى ربك فعل وفاعل والى النحل متعلقان بأوحى وأن هي المفسرة لأن في الإيحاء معنى القول دون حروفه وهو الشرط المعقود لأن التفسيرية، ولك أن تجعلها مصدرية وهي مع مدخولها نصب بنزع الخافض والجار والمجرور متعلقان بأوحينا أي بأن اتخذي وسيأتي مزيد بيان لذلك في باب الفوائد فتنبّه له ومن الجبال متعلقان باتخذي فمن للتبعيض لأنها لا تبني بيوتها في كل جبل وشجر وكل ما يعرش وسيأتي مزيد بيان لذلك في باب البلاغة وبيوتا مفعول اتخذي ومن الشجر عطف على من الجبال وكذلك مما يعرشون. (ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا) ثم حرف عطف للتراخي والسرّ فيه أن سعيها لطلب الرزق بعد اتخاذها البيوت نسكناها لتطلب بعد ذلك الرزق في مظانه، وكلّيّ فعل أمر وفاعل ومن كل الثمرات متعلقان بكلّيّ فاسلكي الفاء عاطفة واسلكي عطف على كلّيّ وسبل ربك مفعول به وذللا حال من السبل لأن الله ذللها لها ووطأ لها مهادها ومسالكها أو من فاعل اسلكي أي وأنت منقادة لما أمرت به وهيئت له. (يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ) في الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة سيأتي الكلام عنه في باب البلاغة ويخرج فعل مضارع ومن بطونها متعلقان بيخرج وشراب فاعل يخرج ومختلف صفة لشراب وألوانه فاعل مختلف لأنه اسم فاعل وفيه خبر مقدم وشفاء مبتدأ مؤخر وللناس جار ومجرور متعلقان بشفاء والجملة صفة ثانية لشراب. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) تقدم إعراب نظيرتها قريبا فجدد به عهدا. * البلاغة: 1- الالتفات: في قوله تعالى «يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه» إلى آخر الآية، التفات من الخطاب إلى الغيبة ولو جاء الكلام على النسق الأول لقيل من بطونك، وإنما صرف الكلام هاهنا من الخطاب إلى الغيبة لفائدة وهي انه ذكر للبشر العسل وأوصافه وألوانه المختلفة وأخبرهم أن فيه فوائد شتى لهم ليلفت انتباههم اليه ولو قال من بطونك لذهبت تلك الفائدة التي أنتجها خطاب الغيبة وليس ذلك بخاف عن نقدة الكلام. 2- التنكير: ونكر قوله «فيه شفاء» ولم يقل فيه الشفاء لكل الناس فاندفع الاعتراض بأن كثيرين يأكلون العسل ولا يشفون مما ألم بهم. فيلاحظ أن النكرة في سياق الإثبات لا تفيد العموم وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي سعيد أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن أخي استطلق بطنه فقال: اسقه عسلا فسقاه عسلا ثم جاء فقال سقيته عسلا فما زاد إلا استطلاقا، قال اذهب فاسقه عسلا فذهب فسقاه، ثم جاء فقال ما زاده إلا استطلاقا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدق الله وكذب بطن أخيك اذهب فاسقه عسلا فذهب فسقاه عسلا فبرىء. 3- التنكيت: في قوله تعالى: «أن اتخذي من الجبال بيوتا» وقد تقدمت الاشارة إليه وهو هنا في قوله من الجبال إذ معنى من هنا للتبعيض ولم يقل في الجبال لأنها لا تبني بيوتها في كل جبل وفي كل شجر وكل ما يعرش فلم يترك لها الحرية في بناء البيوت ولم يكل الأمر إلى شهواتها كما وكله إليها في قوله ثم كلّيّ من الثمرات وإنما خولف ذلك وحجر عليها في المسكن ولم يحجر عليها في المأكل لأن مصلحة الآكل حاصلة على الإطلاق لاستمراء مشتهاها منه وأما البيوت فلا تحصل مصلحتها في كل موضع ولهذا المعنى بالذات دخلت ثم لتفاوت الأمر وتباعده بين الحجر عليها في اتخاذ البيوت والإطلاق لها في تناول الثمرات. * الفوائد: أن التفسيرية: تقدم القول في «أن التفسيرية» وانها الواقعة بعد جملة فيها معنى القول دون حروفه وقد وقعت هنا بعد الإيحاء لما فيه من معنى القول فما بعدها لا محل له من الإعراب ومن طريف المناقشات أن أبا عبد الله الرازي وهو الفخر المشهور منع ذلك وقال إننا لا نسلم أنها مفسرة كيف وقد انتفى شرط التفسير لأن الوحي هنا إلهام باتفاق وليس في الإلهام معنى القول قال: وإنما هي مصدرية أي باتخاذ الجبال بيوتا ولكن الفخر الرازي جنح به الخيال هذه المرة فلم يقع على الصواب إذ المقصود من القول الإعلام والإلهام فعل من أفعال الله يتضمن الإعلام بحيث يكون الملهم عالما بما ألهم به وإلهام الله النحل من هذا القبيل.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.