الباحث القرآني

* اللغة: (لَأَحْتَنِكَنَّ) لأستأصلن ذريته بالإغواء من احتنك الجراد الأرض إذا جرّد ما عليها أكلا مأخوذ من الحنك ومنه ما ذكر سيبويه من قولهم أحنك الشاتين أي آكلهما، وقيل معنى لأحتنكن لأسوقنهم وأقودنهم حيث شئت من حنك الدابة إذا جعل الرسن في حنكها، وفي المختار: «حنك الفرس جعل في فيه الرسن وبابه نصر وضرب وكذا احتنكه واحتنك الجراد الأرض أكل ما عليها وأتى على نبتها وقوله تعالى: حاكيا عن إبليس: «لأحتنكن ذريته» قال الفراء: لأستولين عليهم، والحنك المنقار يقال أسود مثل حنك الغراب وأسود حانك مثل حالك والحنك ما تحت الذقن من الإنسان وغيره» ولهذه المادة شعاب يضيق عن استيعابها الحصر ففي القاموس وتاج العروس واللسان ما خلاصته: حنك يحنك ويحنك بالضم والكسر حنكا الشيء فهمه وأحكمه، واحتنك الفرس جعل في فيه الرسن وحنك وحنّك: مضغ فدلك بحنكة وحنك يحنك ويحنك بالضم والكسر أيضا حنكا وحنكا وحنّك وأحنك واحتنك الدهر الرجل: جعلته التجارب والأمور وتقلبات الدهر حكيما فهو حنيك وتحنّك أدار العمامة من تحت حنكه واحتنك أيضا الجراد الأرض أكل ما عليها واحتنكه استولى عليه، واستحنك اشتد أكله بعد قلته والحنك والحنك والحنكة: الاسم من حنّكه الدهر والحنك: أعلى باطن الفم والأسفل من طرف مقدّم اللحيين. (وَاسْتَفْزِزْ) : استفزه: استخفه والفزّ الخفيف وفي القاموس والتاج: «فزّ يفزّ فزّا انفرد وفز عنه تنحى وعدل وفزّ الظبي فزع وفزه عزه وغلبه وطير فؤاده وأفزعه وأزعجه وأزاله عن مكانه وفز يفزّ فزيزا الجرح سال بما فيه وفز فزازة وفزوزة: اضطرب وتوقد وافتزّ عليه غلب وتفازّ الرجلان: تبارزا واستفزه: استخفّه واستدعاه وجعله يضطرب وأزعجه وأخرجه من داره وقتله والفزّ الرجل الخفيف وولد البقرة الوحشية والفزة الوثبة بانزعاج. (وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ) صح عليهم وتصرف فيهم بكل ما تقدر وفي المختار: «وجلب على فرسه يجلب جلبا بوزن طلب يطلب طلبا صاح به من خلفه واستحثه للسبق وكذا أجلب عليه» وفي القاموس والتاج: جلبه يجلبه بالضم والكسر جلبا وجلبا بالسكون والفتح ساقه وجاء به وجلب الرجل انساق وجلب الجرح برىء وأجلب القوم: جمعهم وجلبه وأجلبه توعده بالسر وجلب واجلب لأهله كسب وجلب وأجلب على الفرس: صاح به واستحثه للسبق وجلب وأجلب القوم: ضجوا واختلطت أصواتهم والجلبة: اختلاط الأصوات والصياح والجلب بفتحتين ما يجلبه من بلد إلى بلد وجمعه أجلاب فما يقوله العامة عن المتاع هو جلب بفتحتين صحيح لا غبار عليه. (وَرَجِلِكَ) بفتح فكسر الركاب والمشاة وفي القاموس: الرجل: الراجل ومن يمشي على رجليه والراجل: من يمشي على رجليه لا راكبا وجمعه رجل ورجّالة ورجّال ورجال ورجالى ورجالى ورجلان ويقال: جاءت الخيالة والرجالة وأغار عليهم بخيله ورجله والخيل الخيالة ومنه الحديث: يا خيل الله اركبي. * الإعراب: (وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ) الواو استئنافية والظرف متعلق بمحذوف أي اذكر وقد تقدم اعراب هذه الآية المكررة كثيرا. (قالَ: أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً) الهمزة للاستفهام الانكاري الصادر عن تعنت وسوء تقدير وجهل وغباء ولمن متعلقان بأسجد وجملة خلقت صلة وطينا حال من الموصول والعامل فيه أأسجد، أو من عائد هذا الموصول أي خلقته طينا فالعامل فيها خلقته، وجاز وقوع طينا حال وإن كان جامدا لدلالته على الأصالة كأنه قال متأصلا من طين وأعربه بعضهم منصوبا بنزع الخافض أي من طين بدلالة آية أخرى صرح فيها بالجار. قال «وخلقته من طين» وقال الزجاج وغيره هو تمييز وفيه بعد (قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ) تقدم القول مفصلا في أرأيتك وانها بمعنى أخبرني والكاف لتأكيد الخطاب لا محل لها من الإعراب وهذا مفعول أول والموصول صفة أو بدل عنه والثاني محذوف لدلالة الصلة عليه أي أخبرني عن هذا الذي كرمته عليّ بأن أمرتني بالسجود له لم كرمته علي، ولم يجبه الله تعالى عن هذا السؤال استصغار لأمره واحتقارا لشأنه فاختصر الكلام بحذف ذلك ثم ابتدأ بالقسم فقال: (لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا) اللام موطئة للقسم وان شرطية وأخرتني فعل وفاعل ومفعول به والنون للوقاية وهو فعل الشرط والى يوم القيامة متعلقان بأخرتني ولأحتنكن اللام واقعة في جواب القسم وأحتنكن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة والفاعل مستتر تقديره أنا وذريته مفعول به وإلا أداة استثناء وقليلا مستثنى من ذريته منصوب وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه وسيأتي مزيد بحث عنه في باب البلاغة. (قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً) اذهب فعل أمر وفاعل مستتر والجملة مقول القول وليس المراد بالذهاب نقيض المجيء وانما معناه امض لشأنك الذي اخترته بمحض مشيئتك وسيأتي أنه أمره بأمور أربعة أخرى فيكون المجموع خمسة وكلها تهدف إلى التنديد به وتهديده واستدراجه، فمن الفاء استئنافية ومن شرطية مبتدأ وتبعك فعل ماض والفاعل مستتر والكاف مفعول به وهو في محل جزم فعل الشرط ومنهم حال، فإن الفاء رابطة لجواب الشرط وان واسمها وخبرها وجزاء مفعول مطلق لفعل دل عليه جزاؤكم أي تجزون جزاء، ولا مانع عندي من أن يكون مصدرا انتصب بمثله وسيأتي مزيد بحث عنه في باب الفوائد، وقيل هو حال موطئة وقيل تمييز وليس ذلك ببعيد وسيأتي القول في هذا الالتفات في باب البلاغة وموفورا صفة (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ) واستفزز أمر ثان للشيطان، من استطعت: من اسم موصول مفعول استفزز وجملة استطعت صلة ومفعول استطعت محذوف تقديره من استطعت أن تستفزه، ومنهم متعلقان بمحذوف حال وبصوتك متعلقان باستفزز وأجلب أمر ثالث وعليهم متعلقان بمحذوف حال وبخيلك متعلقان بأجلب ورجلك عطف على بخيلك أي استخف منهم من استطعت بصوتك وصح عليهم وسقهم حال كونك مصحوبا بخيلك ورجلك. (وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً) وشاركهم أمر رابع والهاء مفعول به وفي الأموال متعلقان بشاركهم والمشاركة في الأموال أي حملهم على جمعها بالطرق الحرام غير المشروعة كالربا والميسر وإنفاقها في الأمور المحرمة والفسوق والعصيان وعدهم هذا هو الأمر الخامس والهاء مفعول به ولم يذكر الموعود اختصارا والمراد المواعيد الكاذبة الباطلة، وما الواو للحال أو اعتراضية وما نافية ويعدهم الشيطان فعل مضارع ومفعول به مقدم وفاعل مؤخر وفي الكلام التفات سيأتي الكلام عنه وإلا أداة حصر وغرورا يجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف أي إلا وعدا غرورا ونسبة الغرور للمصدر سيأتي في باب البلاغة ولك أن تعربه مفعولا من أجله أي ما يعدهم ويمنيهم من الوعود الكاذبة والأماني المعسولة إلا لأجل الغرور والجملة حالية أو معترضة. (إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا) جملة تعليلية للأمر بالوعد أي إنما نأمرك بذلك لأننا نعلم أنه ليس لك سلطان على عبادنا الصالحين، وان واسمها وجملة ليس خبرها ولك خبر مقدم لليس وعليهم حال لأنه كان في الأصل صفة لسلطان وسلطان اسم ليس مؤخر وكفى فعل ماض والباء زائدة في الفاعل ووكيلا تمييز. * البلاغة: اشتملت هذه الآيات على فنون شتى منها: 1- المجاز المرسل في استعمال الرؤية بمعنى الأخبار في قوله «أرأيتك» لأنها سببه فالعلاقة فيها السببية وقد تقدم بحث ذلك. 2- الالتفات عن الخطاب إلى الغيبة وكان مقتضى الظاهر أن يقال: وما تعدهم إلا غرورا ولكنه عدل عن ذلك تهوينا لأمره واستصغارا لأمر الغرور الذي يعدهم به من جهة وليتولى الكلام على طريق الغيبة متحدثا إلى الناس جميعا ليعلم الجاهل، ويخلد المبطل إلى الصواب. 3- المجاز العقلي في نسبة الغرور إلى الوعد على حد قوله: نهاره صائم وليله قائم وقد تقدم تفصيل ذلك في مواضعه. * الفوائد: 1- عامل المفعول المطلق: عامل المفعول المطلق إما مصدر مثله لفظا ومعنى مثل «فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا» فجزاء مفعول مطلق وعامله جزاؤكم وهو مصدر مثله أو معنى لا لفظا نحو أعجبني إيمانك تصديقا، أو ما اشتق منه من فعل نحو «وكلم الله موسى تكليما» أو من وصف أي اسم فاعل أو اسم مفعول أو للمبالغة دون التفضيل والصفة المشبهة فاسم الفاعل نحو «والصافات صفا» واسم المفعول نحو: الخبز مأكول أكلا، وأمثلة المبالغة نحو: زيد ضرّاب ضربا ولا يجوز زيد حسن وجهه حسنا ولا أقوم منك قياما، وأما قول الشاعر: أما الملوك فأنت اليوم ألأمهم ... لؤما وأبيضهم سربال طباخ فلؤما منصوب بمحذوف. ونعود إلى الآية فقد اعترض بعضهم على انتصاب جزاء بالمصدر وهو جزاؤكم قال: إنه وإن كان لفظه مصدرا معناه المجزي به لحمله على جهنم فمعنى الآية ان جهنم هي الشيء الذي أنتم مجزيون به. ولو جاهة هذا الاعتراض قلنا انه يجوز أن ينتصب بفعل محذوف دل عليه جزاؤكم والمعنى تجازون، أو على الحال الموطئة. 2- الحال الموطئة: والحال الموطئة بكسر الطاء أو بفتحها هي الجامدة الموصوفة لأنها ذكرت توطئة للنعت بالمشتق أو شبهه نحو «فتمثل لها بشرا سويا» فإنما ذكر بشرا توطئة لذكر سويا ومعنى هذا الكلام ان الاسم الجامد لما وصف بما يجوز أن يكون حالا صح أن يكون حالا والموطئة لغة هي المهيئة وسيأتي المزيد منها أثناء الكلام على هذه الآية في سورة مريم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.