الباحث القرآني

* اللغة: (أَعْنابٍ) : جمع عنب والعنبة الحبة وفي القاموس وغيره: عنّب الكرم: صار ذا عنب والعنب ثمر الكرم وجمعه أعناب والحبة منه عنبة. (وَحَفَفْناهُما) : جعلنا النخل محيطا بكل منهما. يقال: حفه القوم إذا طافوا به وحففته بهم إذا جعلتهم حافين حوله فتزيده الباء مفعولا ثانيا كقولك غشيه وغشيته به وفي الأساس: «حفّوا به واحتفّوا أطافوا وهم حافون به وحففته بالناس: جعلتهم حافّين به و «حفّت الجنة بالمكاره» «وحففناهما بنخل» ودخلت عليه وهو محفوف بخدمه، وهودج محفف بالديباج، قال امرؤ القيس: رفعن حوايا واقتعدن قعائدا ... وحفّفن من حوك العراق المنمّق وجلسوا حفافيه وحفافي سريره وهما جانباه وركبت في محفتها، وهو رجل محفوف بثوب، وما بقي في شعر رأسه إلا حفاف وهو طرّة حول رأسه وحفّت المرأة وجهها واحتفّته: أخذت شعره، وحفّ الفرس والريح والطائر والسهم حفيفا وهو صوت مروره والأغصان الشجرة حفيف» . (ثَمَرٌ) : أنواع من المال من ثمر ماله إذا كثره بالتشديد وفي المصباح: الثمر بفتحتين والثمرة مثله فالأول مذكر ويجمع على ثمار مثل جبل وجبال ثم يجمع على ثمر ككتاب وكتب ثم يجمع على أثمار مثل عنق وأعناق والثاني مؤنث والجمع ثمرات مثل قصبة وقصبات والثمر هو الحمل الذي تخرجه الشجرة سواء أكل أو لا فيقال ثمر الأراك وثمر العوسج وثمر الدوم وهو المقل كما يقال ثمر النخل وثمر العنب، قال الأزهري: وأثمر الشجر أطلع ثمره أول ما يخرجه فهو مثمر ومن هنا قيل لما لا نفع فيه: ليس له ثمرة وفي الأساس: «وكان له ثمر» أي مال وانظر ثمر مالك ونماءه ومال ثمر: مبارك فيه وأثمر القوم وثمروا ثمورا: كثر مالهم وثمر ماله يثمر كثر وفلان مجدود ما يثمر له مال» والمراد في الآية انه كان إلى جانب الجنتين الموصوفتين الأموال الداثرة من الذهب والفضة وغيرهما وكان وافر اليسار من كل وجه. (حُسْباناً) : إما أن تكون مصدرا كالغفران والبطلان فإن لحسب مصادر عديدة تقول حسبه بفتح السين يحسبه بضمها حسبا وحسابا وحسبانا وحسبانا وحسبة وحسابة: عده، وتقول: حسبه بكسر السين يحسبه بكسرها وفتحها حسبانا ومحسبة ومحسبة: ظنه، وتقول حسب بضم السين يحسب بضمها أيضا حسبا وحسابة: كان ذا حسب وذا كرم فهو حسيب، فإلى أي الفروع ينتمي هذا المصدر؟ واضح مما تقدم أنه ينتمي إما إلى حسب يحسب بمعنى العد والمعنى عندئذ يرسل عليها مقدارا من العذاب قدره الله وحسبه وهو تخريبها والإطاحة بها وذلك الحسبان حساب ما كسبت يداه واما إن تكون حسبانا جمع حسبانة بضم الحاء وهي السهم أو الصاعقة وقال الزجاج عذاب حسبان وذلك الحسبان حساب ما كسبت يداك. (زَلَقاً) : صفة لصعيدا أي ملساء لا تثبت عليه القدم وفي القاموس: الزلق بفتحتين والزلق بفتح فسكون أرض ملساء ليس بها شيء وصيرورتها كذلك لاستئصال نباتها. (غَوْراً) : مصدر غار في الأرض أي ذهب فلا سبيل اليه فهو بمعنى الفاعل أي غائرا في الأرض لا يدرك وزاد أبو نصر غئورا وغارت عينه تغور غئورا وغارت الشمس تغور غئورا أيضا والغور الاسم يقال: سقطت في الغور يعني الشمس وغار الرجل يغور غورا إذا أتى الغور وزاد اللحياني: وأغار أيضا وأنشد بيت الأعشى: نبيّ يرى مالا ترون وذكره ... أغار لعمري في البلاد وأنجدا فهذا على ما قال اللحياني وكان الكسائي يقول: هو من الاغارة وهي السرعة وكان الأصمعي يقول: أغار ليس هو من الغور إنما هو بمعنى عدا وقال اللحياني: يقال للفرس إنه لمغوار أي شديد العدو والجمع مغاوير والتفسير الأول الوجه لأنه قال وأنجدا فانه أراد أن الغور وأتى نجدا والغور تهامة وغار فلان على أهله يغار غيره ورجل عيور من قوم غير وامرأة غيرى من نساء غيارى وقال الأصمعي: فلان شديد الغار على أهله أي شديد الغيرة وزاد اللحياني والغير، وقال أبو نصر: أغار فلان على بني فلان يغير إغارة وقال اللحياني يقال للرجل: إنه لمغوار أي شديد الإغارة والجمع مغاوير وقال أبو نصر: يقال غارهم يغيرهم إذا مارهم والغيار المصدر قال عبد مناف بن ربعي الهذلي: ماذا يضير ابنتي ربع عويلهما ... لا ترقدان ولا بؤسى لمن رقدا يريد انه لا يغني بكاؤهما على أبيهما من طلب ثأره شيئا. وقال أبو نصر: الغاران البطن والفرج يقال المرء يسعى لغاريه أي لبطنه وفرجه وقال أبو عبيدة: يقال لفم الإنسان وفرجه الغاران، وقال أبو نصر: الغار كالكهف في الجبل ويقال في أمثالهم «عسى الغوير أبؤسا» وأصله انه كان غار فيه ناس فانهار عليهم أو أتاهم فيه عدو فقتلوهم فيه فصار مثلا لكل ما يخاف منه الشر وقيل ان الغوير اسم ماء بناحية السماوة قالته الزباء لما رأت قصيرا الذي جاء يأخذ بثأر جذيمة الأبرش عن طريق الغوير والغوير تصغير غار وخلاصة معنى المثل عسى أن يكون جاء البأس من الغار وحسبنا ما تقدم فهذه المادة لا يدرك غورها. (خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها) : العروش في المصباح: «العرش شبه بيت من جريد يجعل فوقه الثمام والجمع عروش» فهو في الأصل صنع ليوضع عليه الكرم فإذا سقط سقط ما عليه وقد تقدم تقريره. (الْوَلايَةُ) : بفتح الواو وبكسرها الملك والقهر والسلطة. * الإعراب: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ) تقدم في سورة البقرة أن ضرب مع المثل يجوز أن يتعدى لاثنين لأنه بمعنى الجعل فاضرب فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت ولهم متعلقان باضرب ومثلا مفعول به ورجلين لك أن تجعلها بدلا من مثلا فيكون لهم بمثابة المفعول الثاني ومثلا هو المفعول الأول ولك أن تجعل رجلين هي المفعول الثاني وسيأتي حديث الرجلين. (جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً) جملة جعلنا صفة لرجلين ولأحدهما مفعول ثان لجعلنا وجنتين مفعول أول ومن أعناب صفة لجنتين وحففناهما عطف على جعلنا وهو فعل وفاعل ومفعول به وبنخل متعلقان بحففناهما وجعلنا بينهما زرعا عطف على ما تقدم وقد تقدم إعراب نظيرتها. (كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً) كلتا مبتدأ وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف لأنه اسم مقصور وسيأتي حكم كلا وكلتا في باب الفوائد وجملة آتت أكلها خبر كلتا وقد روعي لفظها فأتى الخبر مفردا ولم تظلم عطف على آتت ومنه حال لأنه كان صفة لشيئا وشيئا إما مفعول به على أن تظلم بمعنى تنقص أو مفعول مطلق وقد تقدم تحقيق ذلك. ومن نوادر كلام العرب: قيل لأعرابي: أتأكل العنب؟ قال: ما ظلمني أن آكله أي ما منعني قال أبو عثمان سعيد بن هارون الاشنانداني: ومنه قول الله عز وجل: «ولم تظلم منه شيئا» أي لم تمنع. (وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً) فجرنا فعل وفاعل وخلالهما ظرف متعلق بفجرنا ونهرا مفعول به. (وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ) الواو عاطفة وكان فعل ماض ناقص وله خبر كان المقدم وثمر اسمها المؤخر فقال عطف على وكان ولصاحبه متعلقان بقال والواو للحال وهو مبتدأ وجملة يحاوره خبر والجملة حالية والمراد به أحدهما. (أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً) الجملة مقول القول وسيأتي أنه قال ثلاث قولات منافية للحق في باب البلاغة وأنا مبتدأ وأكثر خبر ومنك متعلقان بأكثر ومالا تمييز وأعز نفرا عطف على أكثر مالا. (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً) ودخل جنته فعل وفاعل ومفعول به على السعة وهو الواو للحال وهو مبتدأ وظالم خبر والجملة حالية ولنفسه متعلقان بظالم، وقال فعل ماض والفاعل مستتر تقديره هو وجملة ما أظن مقول القول وان وما بعدها سدت مسد مفعولي أظن وهذه فاعل تبيد وأبدا طرف زمان متعلق بتبيد. (وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً) وما أظن عطف على ما أظن الأولى والساعة مفعول به أول وقائمة مفعول به ثان وأراد وهو منكر للبعث: ما أحسب الساعة قائمة كما تزعم، كما أن شكه في بيدودة جنته وأمواله ناشىء عن طول اغتراره وهيمنة الحرص عليه، ولئن الواو عاطفة واللام موطئة للقسم وان شرطية ورددت فعل ماضي مبني للمجهول في محل جزم فعل الشرط والتاء نائب فاعل ولأجدن اللام واقعة في جواب القسم وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب القسم كما هي القاعدة على حد قول صاحب الخلاصة: واحذف لدى اجتماع شرط وقسم ... جواب ما أخرت فهو ملتزم وخيرا مفعول به لأجدن ومنها متعلقان بخيرا ومنقلبا تمييز أي مرجعا فهو مصدر ويجوز أن نعرب خيرا حال ومنقلبا مفعول أي منقلبا خيرا من منقلب هذه الدنيا. (قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا) قال فعل ماض وله متعلقان به وصاحبه فاعل والواو للحال وهو مبتدأ وجملة يحاوره خبر والهمزة للاستفهام التوبيخي والتقريعي وكفرت فعل وفاعل وبالذي متعلقان بكفرت وجملة خلقك صلة ومن تراب جار ومجرور متعلقان بخلقك وثم من نطفة عطف، وثم حرف عطف وسواك فعل ماض وفاعل مستتر والكاف مفعول به ورجلا حال وإنما ساغ مجيئه حالا وهو غير مشتق لأنه بعد سواك إذ كان من الجائز أن يسويه غير رجل وسيأتي بحث ذلك مفصلا في باب الفوائد ويجوز أن يعرب مفعولا ثانيا لسواك، وأعربه بعضهم تمييز. (لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً) لكنا الأصل لكن أنا فألقيت حركة الهمزة المحذوفة على النون وأدغمت النون في النون والجيد حذف الألف في الوصل وإثباتها في الوقف لأن أنا كذلك والألف فيه زائدة لبيان الحركة وانا مبتدأ وهو أي ضمير الشأن مبتدأ ثان والله مبتدأ ثالث وربي الخبر والياء عائدة على المبتدأ الأول ولا يجوز أن تكون لكن المشددة لعاملة نصبا إذ لو كان كذلك لم يقع بعدها هو لأنه ضمير مرفوع ويجوز أن يكون اسم الله بدلا من هو ومثل هذا التركيب قول القائل: وترمينني بالطرف أي أنت مذنب ... وتقلينني لكن إياك لا أقلى ولكن أصله لكن أنا فنقلت حركة الهمزة إلى النون ثم حذفت ثم أدغمت النون في النون بعدها وحذفت الألف الأخيرة في الرسم كاللفظ ولو أجرى الوصل مجرى الوقف لثبتت وقدم المفعول وهو إياك للاهتمام ببراءتها من قلاه وتخصيصها بذلك دون غيرها من النساء وواضح ان قوله ترمينني بالطرف استعارة تصريحية لأنه شبه اطلاق البصر بإطلاق الحجر. والواو استئنافية ولا نافية وأشرك فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنا وبربي متعلقان بأشرك وأحدا مفعول به. (وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) ولولا الواو عاطفة ولولا حرف تحضيض أي هلا وإذ ظرف لما مضى من الزمن متعلق بقلت وما شاء الله ما موصولة في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف أي هذا الذي شاءه الله من بدائع الجمال وتهاويل النعم وتعاجيب المنن والآلاء أو نعرب ما مبتدأ والخبر محذوف تقديره كان والجملة مقول القول وجملة شاء الله صلة والعائد محذوف كما قدرناه ويجوز أن تكون شرطية منصوبة الموضع بفعل الشرط والجواب محذوف أي كان والمعنى أي شيء شاءه الله كان والجملة كلها مقول القول ولا نافية للجنس وقوة اسمها المبني على الفتح وإلا أداة حصر وبالله خبر لا. (إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَداً) إن شرطية وترني فعل الشرط وعلامة جزمه حذف حرف العلة والنون للوقاية والياء مفعول به وحذفت في رسم المصحف وأنا ضمير فصل وأقل مفعول به ثان لترني ويجوز أن تعرب أنا توكيدا للياء ومنك متعلقان بأقل ومالا تمييز وولدا عطف عليه. (فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ) الفاء رابطة لجواب الشرط لأنه اقترن بفعل الرجاء وهو جامد وقد تقدمت مواضع وجوب ربط الجواب بالفاء المجموعة في قول بعضهم: اسمية طلبية وبجامد ... وبما ولن وبقد وبالتنفيس وربي اسم عسى وان وما في حيزها في محل نصب خبرها وخيرا مفعول ثان ليؤتيني ومن جنتك متعلقان بخير. (وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً) ويرسل عطف على يؤتيني والفاعل مستتر تقديره هو وعليها متعلقان بيرسل وحسبانا مفعول به فتصبح الفاء عاطفة على ما تقدم وتصبح فعل مضارع منصوب لأنه عطف على ما تقدم واسم تصبح مستتر تقديره هي وصعيدا خبر تصبح وزلقا نعت لصعيد من باب الوصف بالمصدر. (أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً) أو حرف عطف ويصبح معطوف على ما قبله وماؤها اسم يصبح وغورا خبرها والفاء عاطفة ولن حرف نفي ونصب واستقبال ويستطيع منصوب بلن والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت وله متعلقان بطلبا وطلبا مفعول به. (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها) الواو عاطفة على محذوف يقدر بحسب مدلول الكلام أي فانقضت الصواعق على جنته وغارت الأمواه فيها وأحيط بثمره بالهلاك أيضا وأحيط فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر وبثمره متعلقان بأحيط فأصبح عطف واسمها مستتر تقديره هو وجملة يقلب كفيه خبرها وعلى ما متعلقان بيقلب لأنه ضمن معنى يندم وسيأتي سر هذا التعبير في باب البلاغة ويجوز أن يتعلق الجار والمجرور بمحذوف على أنه حال من فاعل كفيه أي نادما. (وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ: يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً) الواو للحال وهي مبتدأ وخاوية خبر وعلى عروشها خبر ثان وقد تقدم إعرابه ويقول عطف على يقلب أو الواو للحال وجملة يقول حال من فاعل يقلب وجملة يا ليتني لم أشرك مقول القول ولم حرف نفي وقلب وجزم وبربي متعلقان بأشرك وأحدا مفعول به وقوله يا ليتني تقدم بحثه مرارا وهو أن تكون يا للتنبيه أو للنداء والمنادى محذوف. (وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِراً) الواو للعطف ولم حرف نفي وقلب وجزم وتكن فعل مضارع ناقص مجزوم وله خبرها المقدم وفئة اسمها المؤخر وجملة ينصرونه صفة لفئة وذكّرت الصفة وجمعت لأن الفئة تتضمن الجمع وهو يتضمن الذكور والإناث ومن دون الله حال والواو حرف عطف وما نافية وكان واسمها المستتر ومنتصرا خبرها. (هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً) هنالك اسم اشارة في محل نصب على الظرفية المكانية وهو متعلق بمحذوف خبر مقدم والولاية مبتدأ مؤخر ولله متعلقان بما في معنى اسم الاشارة أو بمتعلقه والحق صفة لله ويجوز أن يتعلق اسم الاشارة بمعنى الاستقرار في لله والولاية مبتدأ ولله خبره أي مستقرة لله ويجوز أن يتعلق بالولاية نفسها لأنها مصدر بمعنى النصرة وهو مبتدأ وخير خبر وثوابا تمييز وخير عقبا عطف على خير ثوابا وعقبا بمعنى عاقبة. * البلاغة: حفلت هذه الآية بأفانين متعددة من فنون البلاغة وهذا هو التفصيل: 1- التتميم والاحتراس والكناية: التتميم أو التمام وقد تقدم بحثه مستوفى في سورة البقرة عند قوله تعالى: «أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب» الآية وهو هنا في وصف الجنتين فإن قوله تعالى «واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين» يحتمل أن تكون الجنتان مجرد اجتماع شجر متكانف يستر بظل غصونه الأرض كما تقتضيه الدلالة اللغوية على معنى الجنة أو يكون النفع منها ضئيلا كشجر الأثل والخمط ونحوهما فيكون أسفه عليها أقل من أن تكون الجنتان من نخيل وأعناب ينتفع بما تثمرانه عليه ثم تمم ذلك أيضا بقوله «وجعلنا بينهما زرعا» لئلا يتوهم أن الانتفاع قاصر على النخيل والأعناب ولتكون كل من الجنتين جامعة للأقوات والفواكه متواصلة العمار على الشكل الحسن والترتيب الأنيق ثم تمم ذلك بقوله «وفجرنا خلالهما نهرا» للدلالة على ديمومة الانتفاع بهما فإن الماء هو سر الحياة وعامل النمو الاول في النباتات وإذن فقد استكمل هذا الرجل كل الملاذّ واستوفى ضروب النعم، ثم تمم ذلك بقوله «كلتا الجنتين آتت آكلها» لاستحضار الصورة التامة للانتفاع بالموارد واحترس بقوله «ولم تظلم منه شيئا» من أن يكون ... ... اب القرآن وبيانه، ج 5، ص: 605 ثمة نقص في الأكل الذي آتته وليكون كناية عن تمام الجنتين ونموهما دائما وأبدا وانهما ليستا على عادة الأشجار حيث يتم ثمرها فتؤتيه ببعض السنين دون بعض أو تأتي بالثمر ناقصا عاما بعد عام فهي فيّاضة المورد في كل حين فقد استوفى وصف الجنتين هذه الفنون الثلاثة جميعا. 2- اللف والنشر المشوش: وذلك في قوله تعالى: «فقال لصاحبه وهو يحاوره» الآية وحاصل ما قاله هذا الكافر ثلاث مقالات شنيعة وهي: 1- أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا، 2- عند ما دخل جنته متكبرا مزهوا ظالما لنفسه قال وقد رنحه الغرور «ما أظن أن تبيد هذه أبدا» ، 3- والثالثة: بادئا بالآخرة لأنها الأهم قائلا «أكفرت بالذي خلقك» وثنى بالثانية ناصحا لأنها تأتي في المرتبة بعدها فقال: «ولولا إذا دخلت جنتك» إلخ وثلث بالأولى مقرعا فقال «فعسى ربي أن يؤتيني خيرا من جنتك» فهو لف ونشر مشوش وقد تقدم ذكره. 3- عودة إلى التتميم والكناية: ثم عاد إلى التتميم فصور الاطاحة بالجنتين وبالثمر معا فقال «وأحيط بثمره» ثم وصف حالته فقال «فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها» وتقليب الكفين كناية عن الندم والتحسر لأن النادم يقلب كفيه ظهرا لبطن كما كنى عن ذلك بعض الأنامل والسقوط في اليد. ثمة نقص في الأكل الذي آتته وليكون كناية عن تمام الجنتين ونموهما دائما وأبدا وانهما ليستا على عادة الأشجار حيث يتم ثمرها فتؤتيه ببعض السنين دون بعض أو تأتي بالثمر ناقصا عاما بعد عام فهي فيّاضة المورد في كل حين فقد استوفى وصف الجنتين هذه الفنون الثلاثة جميعا. 2- اللف والنشر المشوش: وذلك في قوله تعالى: «فقال لصاحبه وهو يحاوره» الآية وحاصل ما قاله هذا الكافر ثلاث مقالات شنيعة وهي: 1- أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا، 2- عند ما دخل جنته متكبرا مزهوا ظالما لنفسه قال وقد رنحه الغرور «ما أظن أن تبيد هذه أبدا» ، 3- والثالثة: بادئا بالآخرة لأنها الأهم قائلا «أكفرت بالذي خلقك» وثنى بالثانية ناصحا لأنها تأتي في المرتبة بعدها فقال: «ولولا إذا دخلت جنتك» إلخ وثلث بالأولى مقرعا فقال «فعسى ربي أن يؤتيني خيرا من جنتك» فهو لف ونشر مشوش وقد تقدم ذكره. 3- عودة إلى التتميم والكناية: ثم عاد إلى التتميم فصور الاطاحة بالجنتين وبالثمر معا فقال «وأحيط بثمره» ثم وصف حالته فقال «فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها» وتقليب الكفين كناية عن الندم والتحسر لأن النادم يقلب كفيه ظهرا لبطن كما كنى عن ذلك بعض الأنامل والسقوط في اليد. قصة الرجلين الأخوين: وهو أن أحد الرجلين اللذين ضرب بهما المثل وقد رويت قصتهما على طرق شتى وخلاصتها أن رجلين أخوين من بني إسرائيل أحدهما كافر اسمه قطروس والآخر مؤمن اسمه يهوذا ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار فتشاطراها فاشترى الكافر أرضا بألف فقال المؤمن: اللهم إن أخي اشترى أرضا بألف دينار وأنا أشتري منك أرضا في الجنة بألف فتصدق به ثم بنى أخوه دارا بألف دينار، فقال المؤمن: اللهم اني أشتري منك دارا في الجنة فتصدق به ثم تزوج أخوه امرأة بألف فقال: اللهم إني جعلت ألفا صداقا للحور ثم اشترى أخوه خدما ومتاعا بألف فقال: اللهم إني اشتريت الولدان المخلدين بألف فتصدق به ثم أصابته حاجة فجلس لأخيه على طريقه فمر به في حشمه فتعرض له فطرده ووبخه على التصدق بماله وقيل غير ذلك وإنما أوردنا القصة على خلاف شرطنا في هذا الكتاب لطرافتها ولتكون نبراسا للمبدعين من الكتاب. 4- المبالغة: وفي قوله تعالى «أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا» فن يقال له المبالغة والإفراط في الصفة كما سماها ابن المعتز والتسمية الأولى لقدامة وهو أن يذكر المتكلم حالا لو وقف عندها لأجزأت فلا يقف عندها حتى يزيد في معنى كلامه ما يكون أبلغ في معنى قصده وقد جاءت المبالغة في الكتاب العزيز على ضروب نذكر ما ورد منها فيه: أولا- فمنها المبالغة في الصفة المعدولة وقد جاءت على ستة أمثلة: آ- فعلان كرحمن، عدل عن راحم للمبالغة ولا يوصف به إلا الله ولم تنعت العرب به أحدا في جاهلية ولا إسلام إلا مسيلمة الكذاب نعتوه به مضافا فقالوا رحمان اليمامة وأنشد شاعر من بني حنيفة يمدح به مسيلمة: سموت بالمجد يا ابن الأكرمين أبا ... وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا ب- فعّال معدول عن فاعل للمبالغة كقوله تعالى «وإني لغفار لمن تاب» . ج- وفعول عدل عن فاعل للمبالغة كغفور وشكور. د- فعيل عدل عن فاعل للمبالغة كعليم وحكيم. وهذه الصيغ الأربع وردت في القرآن وهناك صيغتان: مفعل كمطعن ومفعال كمطعام ومبطار. ثانيا- إخراج الكلام مخرج الاخبار عن الأعظم الأكبر للمبالغة والاخبار عنه مجاز وقد جاء منه في القرآن قوله تعالى «وجاء ربك والملك صفا صفا» فجعل مجيء جلائل آياته مجيئا له للمبالغة. ثالثا- إخراج الممكن من الشرط إلى الممتنع ليمتنع وقوع المشروط وقد تقدم ذكر هذا النوع في قوله تعالى «ولا يدخلون الجنة حتى بلج الجمل في سم الخياط» . رابعا- ما كان مجازا فصار بالقرينة حقيقة كقوله تعالى «يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار» فإن قتران هذه الجملة بيكاد يصرفها إلى الحقيقة فانقلبت من الامتناع إلى الحقيقة والإمكان. خامسا- وقسم أتى بصيغة اسم التفضيل وهو محض الحقيقة من غير قرينة كقوله تعالى «أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا» وهو الذي نحن في صدده. سادسا- ما بولغ بصفته على طريق التشبيه كقوله تعالى «إنها نرمي بشرر كالقصر كأنه جمالة صفر» . المبالغة في الشعر: هذا ما ورد من المبالغة وضروبها في الكتاب العزيز. أما هي في الشعر ففنون تتشعب وأنواع اختلفت مقاييسها ومعاييرها كما اختلفت آراء الناس فيها فمنهم من يستجيدها ويراها الغاية القصوى في الجودة ومنهم نابغة بني ذبيان وهو القائل: «أشعر الناس من استجيد كذبه، وضحك من رديئه» وقد أورد صاحب العمدة مثالا على ذلك ما جرى بين النابغة وحسان بن ثابت ومطالبته حسان بن ثابت بالمبالغة واتهامه بالتقصير في قوله: لنا الجفنات الغرّ يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما وهي مشهورة مستفيضة في كتب الأدب وأورد صاحب العمدة من أبيات المبالغة التي اختلفت الآراء فيها قول امرئ القيس: كأن المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامى ونشر القطر يعملّ به برد أنيابها ... إذا غرد الطائر المستحرّ فوصف فاها بهذه الصفة سحرا عند تغير الأفواه بعد النوم فكيف تظنها أول النوم؟ وفي أول الليل، وقال امرؤ القيس: تنورتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عال وبين المكانين بعد أيام. وقال أيضا يصف نارها: نظرت إليها والنجوم كأنها ... مصابيح رهبان تشبّ لقفّال يقول: نظرت إلى نار هذه المرأة تشب لقفال والنجوم كأنها مصابيح رهبان وانما يرجع القفال من الغزو والغارات وجه الصباح فإذا رأوها من مسافة أيام وجه الصباح وقد خمد سناها وكل موقدها فكيف كانت أول الليل؟ وشبه النجوم بمصابيح الرهبان لأنها في السحر يضعف نورها كما يضعف نور المصابيح الموقدة ليلها أجمع فربما نعسوا في ذلك الوقت. تعريف آخر للمبالغة: وذهب قوم إلى أن المبالغة افراط في وصف الشيء الممكن عادة القريب وقوعه وسنورد من بديع المبالغة ما يستهوي الألباب فمن ذلك ما رواه أحمد بن حمدون قال: كان الفتح بن خاقان يأنس بي ويطلعني على الخاص من أموره فقال لي مرة: يا أبا عبد الله لما دخلت البارحة إلى منزلي استقبلتني جارية من جواريّ فلم أتمالك دون أن قبلتها فوجدت بين شفتيها هواء لو رقد فيه المخمور صحا فكان ذلك مما يستظرف ويستملح من الفتح بن خاقان وقد اقتبسه بعضهم فقال: سقى الله ليلا طاب إذ زار طيفه ... فأنحلته حتى الصباح عناقا بطيب نسيم منه يستجلب الكرى ... ولو رقد المخمور فيه أفاقا وذهب أبو تمام في المبالغة مذهبا عجيبا فقال وأبدع متغزلا: تلقّاه طيفي في الكرى فتجنّبا ... وقبلت يوما ظله فتغضّبا وخبر أني قد مررت ببابه ... لأخلس منه نظرة فتحجّبا ولو مرت الريح الصبا عند أذنه ... بذكري لسب الريح أو لتعتّبا ولم تجرمني خطرة بضميره ... فتظهر إلا كنت فيه مسببا وما زاده عندي قبيح فعاله ... ولا الصدّ والإعراض إلا تحببا وله أيضا: قد قصرنا دونك الأبصار خوفا أن تذوبا كلما زدناك لحظا ... زدتنا حسنا وطيبا مرضت ألحاظ عينيك فأمرضت القلوبا * الفوائد: 1- كلا وكلتا: كلا وكلتا لفظان يعربان إعراب المثنى إن أضيفا إلى الضمير فإن أضيفا إلى الاسم الظاهر أعربا إعراب الاسم المقصور أي بحركات مقدرة على الألف على كل حال وهما اسمان ملازمان للاضافة ولفظهما مفرد ومعناهما مثنى ولذلك يجوز الإخبار عنهما بما يحمل ضمير المفرد باعتبار لفظهما وضمير المثنى باعتبار معناهما وقد اجتمعا في قول الشاعر: كلاهما حين جدّ الجري بينهما ... قد أقلعا وكلا أنفيهما رابي إلا أن اعتبار اللفظ أكثر وبه جاء القرآن الكريم قال تعالى: «كلتا الجنتين آتت أكلها» قال ابن هشام في مغني اللبيب: «وقد سئلت قديما عن قول القائل: زيد وعمر كلاهما قائم أو كلاهما قائمان فكتبت إن قدر كلاهما توكيد قيل قائمان لأنه خبر عن زيد وعمرو وإن قدر مبتدأ فالوجهان، والمختار الافراد ويتعين مراعاة اللفظ في نحو: كلاهما محب لصاحبه لأن معناه كل واحد منهما وقوله: كلانا غني عن أخيه حياته ... ونحن إذا متنا أشدّ تغانيا ومن الأبيات التي أتى فيها ذكر «كلتا» قول حسان بن ثابت: إن التي ناولتني فرددتها ... قتلت، قتلت، فهاتها لم تقتل كلتاهما حلب العصير فعاطني ... بزجاجة أرخاهما للمفصل أخبر عن التي بالمفرد فوحد ثم قال كلتاهما فثنى، وما معنى كلتاهما حلب العصير ولم يذكر إلا خمرة واحدة وأخبر عن كلتاهما بأرخاهما والصحيح الإخبار عنهما بمفرد لأنهم لحنوا من قال: كلا الرجلين قاما وكلتا المرأتين حضرتا على اللغة الفصيحة ويدل على ذلك قوله تعالى «كلتا الجنتين آتت أكلها» وأيضا فالرواية صحت في المفصل انه بكسر الميم وفتح الصاد وانما يقال مفصل بفتح الميم وكسر الصاد. وأجاب الحريري وغيره عن هذه الاعتراضات بأن قال: أما قوله: ان التي ناولتني فرددتها قتلت فانه خاطب به الساقي الذي كان ناوله كأسا ممزوجة لأنه يقال: قتلت الخمرة إذا مزجتها فكأنه أراد أن يعلمه أنه فطن لما فعله ثم انه دعا عليه بقوله: قتلت وقوله أرخاهما للمفصل يعني به اللسان وسمي مفصلا لأنه يفصل به بين الحق والباطل. وقال أبو بكر محمد بن القاسم الانباري: اجتمع قوم على شراب فغناهم المغني البيتين المتقدمين فقال بعضهم امرأتي طالق إن لم أسأل الليلة القاضي عبيد الله بن الحسن عن علة هذا الشعر لم قال إن التي فوحّد ثم قال كلتاهما فثنّى فأشفقوا على صاحبهم وتركوا ما كانوا عليه ومضوا يتخطون القبائل حتى انتهوا إلى بني شقرة وعبيد الله يصلي فلما أتم صلاته شرحوا له وسألوه الجواب عن ذلك فقال لهم: إن التي عنى بها الخمر الممزوجة بالماء ثم قال من بعد: كلتاهما حلب العصير يريد الخمر المتحلبة من العنب، والماء المتحلب من السحاب المكنى عنه بالمعصرات في قوله تعالى: «وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا» . 2- الحال الثابتة: الأصل في الحال أن تكون منتقلة لأنها مأخوذة من التحول وهو التنقل وتقع ثابتة في مواضع يرجع إليها في المطولات ومنها أن يدل عاملها على تجدد ذات صاحبها وحدوثه أو تجدد صفة له: نحو «ثم سوّاك رجلا» إذ كان من الجائز أن يسويه غير رجل وقولهم خلق الله الزرافة يديها أطول من رجليها فيديها بدل من الزرافة بدل بعض من كل وأطول حال ملازمة من يديها ومن رجليها متعلقان بأطول لأنه اسم تفضيل وعامل الحال خلق وهو يدل على تجدد المخلوق.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.