الباحث القرآني

* اللغة: (الْكَهْفِ) الغار في الجبل قيل: مطلق الغار وقيل: هو ما اتسع في الجبل فإن لم يتسع فهو غار والجمع كهوف وفي القاموس: «الكهف هو كالبيت المنقور في الجبل فاذا صغر فهو الغار، الملجأ والجمع كهوف» وفي الأساس: «لجئوا إلى كهف والى كهوف وهي الغيران وتكهّف الجبل: صارت فيه كهوف ومن المجاز فلان كهف قومه: ملجؤهم وتقول: أولئك معاقلهم وكهوفهم» . (الرَّقِيمِ) في القاموس: الرقيم: الكتاب، المرقوم ورقم يرقم من باب نصر الكتاب بينه وأعجمه بوضع النقط والحركات وغير ذلك ورقم الثوب خططه والبعير: كواه، والخبز: نقشه ويقولون: فلان يرقم على الماء لمن يكون ذا حذق في الأمور» قيل هو لوح كتب فيه أسماء أهل الكهف وقصتهم ثم وضعوه على باب الكهف وكان اللوح من رصاص وقيل من حجارة. وعن ابن عباس ان الرقيم اسم الوادي الذي فيه أصحاب الكهف وقيل اسم للقرية التي خرجوا منها وقيل اسم للجبل الذي فيه أصحاب الكهف وقيل هو اسم كلبهم، قال أمية بن أبي الصلت: وليس بها إلا الرقيم مجاورا ... وصيدهم والقوم في الكهف همد والوصيد فناء البيت وبابه وعتبته والبيت يحتملها والهمد جمع هامد أي راقد يقول: ليس في تلك الصحراء إلا الكلب حالة كونه مجاورا لفناء غارهم وإلا القوم حال كونهم رقودا في الكهف. وقال الزجاج: إن الفتية لما هربوا من أهلهم خوفا على دينهم ففقدوهم فخبروا الملك خبرهم فأمر بلوح من رصاص فكتبت فيه أسماءهم وألقاه في خزانته وقال: انه سيكون له شأن فذلك اللوح هو الرقيم. وقال في أماليه: اعلم أن في الرقيم خمسة أقوال أحدها هذا الذي روي عن ابن عباس رحمه الله أنه لوح كتب فيه أسماؤهم والآخر ان الرقيم هو الدواة يروى ذلك عن مجاهد وقال هو بلغة الروم وحكى ذلك ابن دريد قال ولا أدري ما صحته والثالث ان الرقيم القرية وهو يروى عن كعب والرابع أن الرقيم الوادي والخامس ما روي عن الضحاك وقتادة انهما قالا الرقيم الكتاب والى هذا يذهب أهل اللغة ويقولون: هو فعيل بمعنى مفعول يقال رقمت الكتاب أي كتبته فهو مرقوم ورقيم كما قال عز وجل «كتاب مرقوم» . * الإعراب: (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً) أم منقطعة وقد تقدم ذكرها والغالب أن تفسر ببل والهمزة وتفسر ببل وحدها وبالهمزة وحدها أي أظننت أن قصة أهل الكهف عجب في بابها أو لا تظن أنها أعجب الآيات بل من الآيات ما هو أعجب منها. وحسبت فعل وفاعل وان وما في حيزها سدت مسد مفعولي حسبت وأن واسمها والرقيم عطف على الكهف وجملة كانوا خبر أن ومن آياتنا حال وعجبا خبر كانوا والاستفهام هنا للانكار والنفي وليس المراد نفي العجب عن قصة أهل الكهف فهي عجب كما ذكرنا ولكن القصد نفي كونها أعجب الآيات ثم شرع في سرد قصتهم فقال: (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ) الظرف الماضي يتعلق باذكر محذوفا وجملة أوى في محل جر باضافة الظرف إليها والفتية فاعل أوى والى الكهف متعلقان بأوى خائفين على أنفسهم من الكفار لأنهم كانوا مؤمنين وقصتهم مستفيضة في جميع المطولات وقد صنف الكاتب القصصي المعاصر توفيق الحكيم مسرحية أهل الكهف فارجع إليها لأنها من أمتع القصص. (فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً) فقالوا عطف على أوى وربنا منادى وآتنا فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة والفاعل مستتر تقديره أنت ونا مفعول به ومن لدنك حال لأنه كان صفة لرحمة وتقدم عليها ورحمة مفعول به وهيء عطف على آتنا ولنا متعلقان بهيئ ومن أمرنا حال ورشدا مفعول به. (فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً) الفاء عاطفة وضربنا فعل وفاعل وعلى آذانهم متعلقان بضربنا ومفعول ضربنا محذوف تقديره حجابا مانعا لهم من السماع وفي الكهف حال وسنين ظرف لضربنا وعددا نعت لسنين أو مفعول مطلق لفعل محذوف فهو إما مصدر فيجوز فيه الوجهان واما فعل بمعنى مفعول فلا يجوز فيه إلا النعت. (ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً) ثم حرف عطف للتراخي وبعثناهم فعل وفاعل ومفعول به ولنعلم يجوز أن تكون اللام للتعليل أو للعاقبة وعلى كل حال نعلم مضارع منصوب بأن مضمرة بعدها وسيأتي في باب البلاغة معنى العلم بإحصائهم والله عالم بذلك وأيّ اسم استفهام مبتدأ ولهذا علق نعلم عن العمل والحزبين مضاف اليه وأحصى فعل ماض وفاعله يعود على أي الحزبين ولما لبثوا اللام حرف جر وما مصدرية ولبثوا فعل وفاعل وما وما بعدها مصدر مؤول مجرور باللام والجار والمجرور متعلقان بأحصى وأمدا مفعول به واختلف النحاة هل يجوز أن يكون أحصى اسم تفضيل أم لا، أما القائلون بالجواز فأعربوا أحصى خبر أي، وأمدا تمييز، أو مفعول لفعل محذوف أي أحصى أمدا وستأتي مناقشة هذه الآراء في باب الفوائد. * البلاغة: في هذه الآيات أفانين من البلاغة تذهل العقول وتكشف النقاب عن بيان القرآن البديع وهذا هو التفصيل: 1- الاستعارة التصريحية: في قوله تعالى «فضربنا على آذانهم» فقد استعار الحجاب المانع على آذانهم للزوم النوم وخص الآذان لأنه بالضرب عليها يحصل عليها، فالصور البيانية لا تتجسد إلا باعتمادها على أسس جمالية ونفسية قريبة من البحوث الحديثة وقد ذكر الجماليون الإحساسات التي يصح نعتها بالجمال على أتم وجه هي الإحساسات البصرية حتى لقد عرف ديكارت الجمال بقوله: «هو ما يروق في العين فالعين حاسة النور وحاجة الإنسان إلى النور راجع إلى حاجته إلى الحياة إذ تتعلق به بعض العناصر التي تمد الجسم بالحياة والنشاط والحركة والمتعة والسرور «وسيأتي ما اعتمده القرآن من الصور البصرية ولا يقف الأمر عند حاسة البصر بل حاسة السمع هي التي أوجدت أرفع الفنون: الشعر والموسيقى والبلاغة قال الرماني في كتابه «النكت في إعجاز القرآن» : «واحساس السمع في قوله تعالى «فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا» وحقيقته منعناهم الاحساس بآذانهم من غير صمم» فكأن الاستعارة قصدت إلى هذا التصوير السمعي وإبراز فقدان حاسة السمع دون سائر الحواس ودون الدلالة على الصمم النهائي وستأتي تتمة هذه الصورة المهولة صورة الضرب على الآذان في قوله تعالى في سورة يس «يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا» . 2- التعليق: وذلك في قوله: «ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا» ليس المراد أن يعلم الله شيئا هو داخل في نطاق علمه ولكنه أراد ما تعلق العلم به من ظهور الأمر لهم ليزدادوا إيمانا واعتبارا وليكون ذلك من الألطاف الخفية على المؤمنين في زمانهم أو ليحدث تعلق علمنا نعلقا حاليا أي نعلم أن الأمر واقع في الحال بعد أن علمنا قبل أنه سيقع في مستقبل الزمان أما المراد بالحزبين اللذين اختلفا فقال الفراء: إن طائفتين من المسلمين في زمان أصحاب الكهف اختلفوا في مدة لبثهم وقيل المراد بالحزبين نفس أصحاب الكهف لأنهم اختلفوا فيما بينهم في المدة التي لبثوها نائمين وروي عن ابن عباس: أن المراد بالحزبين الملوك الذين تداولوا المدينة ملكا بعد ملك، وأصحاب الكهف إلى غير ذلك من أقوال لا يتسع المجال لإيرادها. * الفوائد: 1- رجحنا أن تكون «أحصى» في قوله تعالى «لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا» فعلا ماضيا لأن بناء اسم التفضيل من غير الثلاثي المجرد ليس بقياس اما نحو أعدى من الجرب وأفلس من ابن المذاق فشاذ والقياس على الشاذ في غير القرآن ممتنع فكيف به كما أن اعراب أمدا لا يصح إلا بكون «أحصى» فعلا ماضيا وإذا جعلناه اسم تفضيل احتجنا إلى تقدير فعل لأن اسم التفضيل لا يعمل على أن بعض النحاة جعل بناء اسم التفضيل من المزيد في الهمزة قياسا فتقول في أكرم فعلا فلان أكرم من فلان على رأيهم وزعم هؤلاء النحاة أن سيبويه قال به وعلله بأن بناءه منه لا يغير نظم الكلمة وانما هو تعويض همزة بهمزة، هذا وقد اختار كون أحصى للتفضيل الزجاج والتبريزي واختار أبو علي الفارسي والزمخشري كونه فعلا ماضيا وعليه درجنا. 2- ما يقوله المبرد عن أي: قال المبرد في حديثه عن أيّ «ألا ترى أن معناها أذا أم ذا، وقال عز وجل «لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا» لأن معناها أهذا أم هذا وقال تعالى: «فلينظر أيها أزكى طعاما» على ما فسرت لك وتقول: أعلم أيهم ضرب زيدا، وأعلم أيهم ضرب زيد تنصب أيا بضرب لأن زيدا فاعل فانما هذا لما بعده وكذلك ما أضيف إلى اسم من هذه الأسماء المستفهم بها نحو قد علمت غلام أيهم في الدار وقد عرفت غلام من في في الدار وقد علمت غلام من ضربت فتنصبه بضربت فعلى هذا مجرى الباب» وخلاصة ما أراد المبرد أن يقوله في هذه اللمحة المفيدة أن أدوات الاستفهام إذا كانت أسماء امتنعت مما قبلها. وقال ابن هشام في المغني انه وهم أي كونه اسم تفضيل لأن شرط التمييز المنصوب بعد أفعل أن يكون كونه فاعلا في المعنى كزيد أكثر مالا بخلاف مال زيد أكثر مال ففي المثال الأول فاعل الكثرة في المعنى المال لا زيد وقال في الخلاصة: والفاعل المعنى انصبن بأفعلا ... مفضلا كأنت أعلى منزلا
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.