الباحث القرآني

* اللغة: (وَفْداً) : الوفد مصدر وفد يفد وفدا ووفودا ووفادة وإفادة. إلى أو على الأمير قدم وورد رسولا فهو وافد، وجمع وافد وهم القوم يجتمعون فيردون البلاد ويفدون على الأمير ونحوه. (وِرْداً) : القوم الواردون إلى الماء عطاشا قد تقطعت أعناقهم من العطش. (إِدًّا) : بالكسر والفتح العجب وقيل العظيم المنكر ولادة الشدة وآدني الأمر أثقلني وعظم علي إدا وفي القاموس «الإد والإدة بكسرهما العجب والأمر الفظيع والداهية والمنكر كالأد بالفتح وأدته الداهية تؤده بالضم وتئده بالكسر وتأده بالفتح دهته» . (وُدًّا) : مودة ومحبة وفي المصباح «وودته أوده من باب تعب ودّا بفتح الواو وضمها أجببته والاسم المودة وودت لو كان كذا أيضا ودا وودادة تمنيته» وفي المختار: «الود بضم الواو وفتحها وكسرها المحبة فهي مثلثة الواو والأرجح الضم وبها قرأ السبعة وقرئ في غير السبعة بفتحها وكسرها ويحتمل أن يكون المفتوح مصدرا والمضموم والمكسور اسمين» . (لُدًّا) : جمع ألد أي شديد الخصومة وجميل قول الزمخشري: «اللد الشداد والخصومة بالباطل الآخذون في كل لديد أي في كل شق من المراء والجدال لفرط لجاجهم» وفي الأساس: «رجل ألد وألندد ويلندد وفيه لدد وقوم لدّ ولادّه ملادة ولدادا وهو شديد اللداد وتركت فلانا يتردد ويتلدد يتلفت وضربه على لديدي عنقه وهما صفحتاها وضربه على متلدّده على عنقه قال: ولو شئت نجتني من القوم جسرة ... بعيدة بين العجب والمتلدّد (رِكْزاً) : الركز الصوت الخفي ومنه ركز الرمح إذا غيب طرفه في الأرض والركاز المال المدفون. و (تُحِسُّ) : بضم التاء مضارع أحسّ وفي المصباح: «الحس والحسيس الصوت الخفي وحسه حسا فهو حسيس مثله قتله قتلا فهو قتيل وأحس الرجل الشيء إحساسا علم به يتعدى بنفسه مع الألف قال تعالى: «فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ» ، وربما زيدت فيه الباء فقيل أحس به على معنى شعر به وحسست به من باب قتل لغة فيه والمصدر الحس بالكسر يتعدى بالباء على معنى شعرت أيضا» . * الإعراب: (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً) الظرف منتصب بفعل محذوف قدره بعضهم باذكر وقدره الزمخشري بقوله «نصب يوم بمضمر أي يوم نحشر ونسوق نفعل بالفريقين ما لا يحيط به الوصف» وقال غيره العامل فيه قوله فيما بعد «لا يملكون» وجملة نحشر مضافة إلى الظرف وفاعل نحشر ضمير مستتر تقديره نحن والمتقين مفعول به والى الرحمن متعلقان بنحشر ووفدا حال وقد تكرر ذكر الرحمن في هذه السورة ست عشرة مرة. (وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً) عطف على الجملة السابقة ووردا حال أيضا أي واردين كما يرد العطاش إليهم مشاة عطاشا يكاد يقتلهم الظمأ. (لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً) الجملة مستأنفة مسوقة لتقرير حال الناس جميعا مؤمنهم وكافرهم ولا علاقة لها بالفريقين المتقدمين فلا نافية ويملكون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل تعود على الناس كلهم والشفاعة مفعول به وإلا أداة حصر ومن اسم موصول محله الرفع على البدل من الواو أو النصب على الاستثناء المتصل وجملة اتخذ صلة وعند الرحمن ظرف متعلق بمحذوف هو المفعول الثاني لاتخذ وعهدا هو المفعول الأول واختار أبو البقاء والزمخشري أن يكون الاستثناء منقطعا هذا وقد اضطربت الأقوال في هذه الآية ولهذا سنفرد بها بحثا خاصا في باب الفوائد. (وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً) جملة اتخذ الرحمن ولدا مقول القول واتخذ الرحمن ولدا فعل وفاعل ومفعول به. (لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا) اللام موطئة للقسم وقد حرف تحقيق وجئتم فعل وفاعل وشيئا مفعول به وإدا صفة. (تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا) تكاد من أفعال المقاربة العاملة عمل كان والسموات اسمها وجملة يتفطرن خبرها والنون فاعل ومنه جار ومجرور متعلقان بيتفطرن وتنشق الأرض فعل مضارع وفاعل وتخر الجبال فعل مضارع وفاعل وهدا مصدر في موضع الحال أي مهدودة أو مفعول مطلق لأنه مصدر على غير لفظ الفعل وانما هو مرادفه لأن الخرور هو السقوط والهدم واختار الزمخشري أيضا أن يكون مفعولا لأجله أي لأن تهد وهدّ يستعمل متعديا ولازما فعلى الوجه الاول هو متعد لأنه صيغ منه معنى اسم المفعول وعلى الثاني هو لازم لأن خر لازم ومرادفه يجب أن يكون مثله فتأمل هذا فانه دقيق. (أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً) أن وما في حيزها مصدر فيه ثلاثة أوجه البدلية من الهاء في منه فهو كقوله: على حالة لو أن في القوم حاتما ... على جوده لضنّ بالماء حاتم فقد روي حاتم مجرورا لأنه بدل من ضمير جوده وسنتحدث في باب الفوائد عن هذا البيت والنصب بنزع الخافض والجار والمجرور في محل نصب مفعول لأجله علل الهدّ بدعاء الولد للرحمن والرفع بأنه فاعل هدا أي هدها دعاء الولد للرحمن. ودعوا فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين وللرحمن متعلقان بدعوا وولدا مفعول دعوا الثاني والأول محذوف تقديره معبودهم لأن معنى دعوا سموا وهي تتعدى لاثنين ويجوز دخول الباء على الثاني تقول دعوت ولدي بزيد ودعوت ولدي زيدا، وقال الشاعر: دعتني أخاها أم عمرو ولم أكن ... أخاها ولم أرضع لها بلبان وقال آخر: ألا رب من يدعى نصيحا وإن يغب تجده بغيب منك غير نصيح وقال الزمخشري: «اقتصر على أحدهما الذي هو الثاني طلبا للعموم والإحاطة بكل ما دعا له ولدا، أو من دعا بمعنى الذي مطاوعه ما في قوله عليه السلام: من ادعى إلى غير مواليه وقول الشاعر: إنا بني نهشل لا ندعي لأب ... عنه ولا هو لا بالأبناء يشرينا أي لا تنسب إليه» . (وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً) الواو حالية أو عاطفة وما نافية وينبغي فعل مضارع وللرحمن متعلقان به وأن يتخذ مصدر مؤول في محل رفع فاعل وولدا مفعول به. (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً) إن نافية وكل مبتدأ ومن مضاف اليه وفي السموات والأرض متعلقان بمحذوف صلة من ويجوز أن تكون من نكرة موصوفة بالجار والمجرور لأنها وقعت بعد كل نكرة ولعله أولى وإلا أداة حصر وآتي الرحمن خبر وعبدا حال من الضمير المستتر في آتي. (لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا) اللام موطئة للقسم وقد حرف تحقيق وأحصاهم فعل وفاعل مستتر ومفعول به وعدهم عطف على أحصاهم وعدا مفعول مطلق. (وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً) الواو عاطفة وكلهم مبتدأ وآتيه خبر، وكل إذا أضيف إلى معرفة ملفوظ بها نحو كلهم وكل الناس فالمنقول أنه يجوز أن يعود الضمير مفردا على لفظ كل فتقول كلكم ذاهب ويجوز أن يعود جمعا مراعاة للمعنى فتقول كلكم ذاهبون أما إن حذف المضاف المعرفة فالمسموع من العرب الوجهان لأن الأول أنكره بعضهم، ويوم القيامة ظرف متعلق بآتيه وفردا حال. (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا) ان واسمها وجملة آمنوا صلة وجملة عملوا الصالحات عطف على آمنوا وجملة سيجعل خبر ان ولهم مفعول يجعل الثاني والرحمن فاعل وودا مفعول يجعل الاول وهذا الجعل بالنسبة للدنيا طبعا أي يزرع في قلوبهم مودة من غير تودد منهم. (فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا) الفاء الفصيحة لأنها عطفت على مقدر كأنه قيل بلغ هذا المنزل عليك وبشر به وأنذر فإنما يسرناه وانما كافة ومكفوفة وقد أفادت التعليل لهذا المقدر ويسرناه فعل ماض وفاعل ومفعول به وبلسانك متعلقان بمحذوف حال أي جاريا، لتبشر اللام للتعليل وتبشر فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وبه متعلقان بتبشر والمتقين مفعول به وتنذر معطوف وبه متعلقان بتنذر وقوما مفعول به ولدا صفة. (وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ) كم خبرية مفعول مقدم لأهلكنا وقبلهم ظرف متعلق بأهلكنا ومن قرن تمييز وقد تقدم تقريره والمراد أمة. (هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً) هل حرف للاستفهام الانكاري وتحس فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنت ومنهم حال لأنه كان صفة لأحد ومن حرف جر زائد وأحد مجرور بمن لفظا مفعول به منصوب محلا أو حرف عطف وتسمع عطف على تحس ولهم حال وركزا مفعول به. * البلاغة: انطوت خواتيم سورة مريم على فنون عديدة: أولها: التكرار فقد تكرر ذكر الرحمن كما قلنا ست عشرة مرة في السورة معظمها في خواتيمها والفائدة فيه انه هو الرحمن وحده لا يستحق هذا الاسم غيره وخلق لهم جميع متطلباتهم التي بها قوام معايشهم فهل اعتبر الإنسان؟ أم لا يزال الغطاء مسدولا على عينيه والوقر يغشى أذنيه؟ فمن أضاف اليه ولدا جعله كالاناسي المخلوقة وأخرجه بذلك عن استحقاق هذا الاسم الجدير به وحده. وثانيها: الالتفات في قوله «لقد جئتم» التفت من الغيبة إلى الخطاب لمشافهتهم بالأمر المنكر الذي اجترحوه، والبدع العجيب الذي ارتكبوه. * الفوائد: 1- قلنا ان أقوال المعربين اضطربت في قوله تعالى لا يملكون الشفاعة إلى آخر الآية وقد اخترنا ما رأيناه- في نظرنا- أمثل الأوجه وننقل فيما يلي لمعا من أقوالهم مع التعليق عليها بما يناسب المقام فقد تورط الزمخشري، وجلّ المعصوم، بقوله «ويجوز أن تكون- أي الواو في يملكون- علامة للجمع كالتي في أكلوني البراغيث» من جهتين الأولى إنه نسب إلى القرآن وهو أبلغ الكلام أردأ اللغات وأشدها نكرا حتى لقد ضرب المثل بقبحها والثانية انه إذا جعله علامة لمن فقد كشف معناه وأفصح بأنها متناولة جمعا ثم أعاد على لفظها بالإفراد ضمير اتخذ ففيه الاعادة على لفظها بعد الاعادة على معناها بما يخالف ذلك وهو مستنكر عندهم لأنه إجمال بعد إيضاح وذلك تعكيس على طريق البلاغة وانما محجتها الواضحة الإيضاح بعد الإجمال. وقال البيضاوي: «إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا» إلا من تحلى بما يستعد به ويستأهل أن يشفع للعصاة من الايمان والعمل الصالح على ما وعد الله تعالى أو إلا من اتخذ من الله إذنا فيها كقوله تعالى: «لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ» من قولهم عهد الأمير إلى فلان بكذا إذا أمره به ومحل الرفع على البدل من الضمير أو النصب على تقدير مضاف أي إلا شفاعة من اتخذ» وهو شبيه بالرأي الذي جنحنا اليه إلا أنه جنح إلى القول بأن الاستثناء منقطع. وعبارة أبي حيان: «والضمير في لا يملكون عائد على الخلق الدال عليهم ذكر المتقين والمجرمين إذ هم قسماه والاستثناء متصل ومن بدل من ذلك الضمير أو نصب على الاستثناء ولا يملكون استئناف اخبار» ثم أورد أقوالا عديدة نضرب عنها صفحا. وقال أبو البقاء «لا يملكون حال إلا من اتخذ في موضع نصب على الاستثناء المنقطع وقيل هو متصل على أن يكون الضمير في يملكون للمتقين والمجرمين وقيل هو في موضع رفع بدلا من الضمير في يملكون» . وفي الكرخي شارح الجلالين «قوله أي الناس قدره تمهيدا لجعل الاستثناء في قوله إلا من اتخذ منصلا لدلالة ذكر الفريقين المتقين والمجرمين إذ هما قسماه وقيل ضمير يملكون عائد على المجرمين المراد بهم الكفار، قال بعضهم لا يملكون أن يشفعوا لغيرهم كما يملك المؤمنون» وحسبنا ما تقدم فقد طال مجال القول. 2- عودة إلى بيت الفرزدق: ونعود إلى بيت الفرزدق وهو من أبيات له يعتذر عما وقع منه في السفر مع دليله عاصم العنبري حين ضل عن الطريق والأبيات هي: فلما تصافنا الأداوة أجهشت ... إلى غضون العنبري الجراضم فجاء بجلمود له مثل رأسه ... ليشرب ماء القوم بين الصرائم على حالة لو أن في القوم حاتما ... على جوده لضنّ بالماء حاتم والتصافن اقتسام الماء القليل بالصفن وهو وعاء صغير لنحو الوضوء والأداوة ظرف الماء وجمعها أداوى وإيقاع التصافن عليها مجاز لأنها محل الماء والمراد تقاسمنا الماء فهو مجاز مرسل علاقته المحلية والجهش والإجهاش تضرع الإنسان إلى غيره وتهيئته للبكاء اليه كالصبي إلى أمه، وغضون الجلد مكاسره، وإسناد الإجهاش إليها مجاز عقلي أو مجاز مرسل علاقته المحلية أيضا لأنها محل ظهور أثره والجراضم واسع البطن كثير الأكل والمراد بالجلمود إناء صلب كبير مثل رأسه أي رأس العنبري وفيه إشارة بارعة إلى حمقه لأن افراط الرأس في العظم أمارة البلادة وفي الصلابة أيضا اشارة إلى ذلك وقوله بين الصرائم جمع صريمة وهي منقطع الرمل إشارة إلى أنهم كانوا في مفازة عمياء لا ماء بها على حالة ضنكة بحيث لو ثبت في تلك الحالة أن حاتما في القوم مع جوده المشهور لبخل بالماء وعلى بمعنى في ورواية المبرد في كامله على ساعة.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.