الباحث القرآني

* اللغة: (وَسَطاً) : خيارا عدولا مزكّين بالعلم والعمل، ويستوي فيه المذكر والمؤنث، وإنما كان الخيار وسطا لأن الخلل إنما يتسرب إلى الأطراف وتبقى الأوساط محمية. وقد رمق أبو تمام سماء هذا المعنى فقال: كانت هي الوسط المحميّ فاكتنفت ... بها الحوادث حتى أصبحت طرفا * الإعراب: (وَكَذلِكَ) الواو استئنافية والكاف حرف جر، واسم الاشارة في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف أي مثل ذلك الجعل جعلناكم (جَعَلْناكُمْ) فعل وفاعل ومفعول به أول لجعلنا (أُمَّةً) : مفعول جعلنا الثاني (وَسَطاً) صفة لأمة (لِتَكُونُوا) : اللام لام التعليل، وتكونوا فعل مضارع ناقص منصوب بأن مضمرة جوازا بعد لام التعليل والجار والمجرور في محل نصب مفعول لأجله، والواو اسمها (شُهَداءَ) خبرها (عَلَى النَّاسِ) الجار والمجرور متعلقان بشهداء (وَيَكُونَ) عطف على تكونوا (الرَّسُولُ) اسم يكون (عَلَيْكُمْ) الجار والمجرور متعلقان بشهيدا (شَهِيداً) خبر يكون (وَما) الواو عاطفة، وما نافية (جَعَلْنَا) فعل وفاعل (الْقِبْلَةَ) مفعول جعلنا الاول (الَّتِي) اسم موصول في محل نصب مفعول جعلنا الثاني (كُنْتَ) كان واسمها (عَلَيْها) الجار والمجرور خبر كنت، والجملة لا محل لها لأنها صلة التي، وسيأتي مزيد من اعراب هذه الآية في باب الفوائد. (إِلَّا) أداة حصر (لِنَعْلَمَ) اللام لام التعليل، ونعلم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة والفاعل ضمير مستتر تقديره نحن، وموضع لنعلم مفعول لأجله فهو استثناء مفرّغ من أعمّ العلل (مَنْ) اسم موصول في موضع نصب مفعول نعلم (يَتَّبِعُ الرَّسُولَ) الجملة الفعلية لا محل لها لأنها صلة الموصول، والرسول مفعول به (مِمَّنْ) الجار والمجرور متعلقان بنعلم المضمّنة معنى نميّز (يَنْقَلِبُ) الجملة الفعلية لا محل لها لأنها صلة الموصول (عَلى عَقِبَيْهِ) الجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال، أي مرتدا على عقبيه (وَإِنْ) الواو حالية، وإن مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف، أي والحال أنها (كانَتْ) فعل ماض ناقص، واسمها ضمير مستتر تقديره التولية إليها، والجملة الفعلية خبر إن، وجملة إن وما في حيزها في موضع نصب على الحال (لَكَبِيرَةً) اللام هي الفارقة، وكبيرة: خبر كانت (إِلَّا) أداة استثناء (عَلَى الَّذِينَ) الجار والمجرور في موضع نصب على الاستثناء، والمستثنى منه محذوف تقديره: وإن كانت لكبيرة على الناس إلا على الناس الذين هداهم الله، ولك أن تجعل «إلا» أداة حصر لأن الكلام غير تام أو لتضمنه معنى النفي فيتعلق الجار والمجرور بكبيرة (هَدَى اللَّهُ) الجملة الفعلية لا محل لها لأنها صلة الذين (وَما) الواو عاطفة، وما نافية (كانَ اللَّهُ) كان واسمها (لِيُضِيعَ) اللام لام الجحود وهي مسبوقة بكون منفي، ويضيع فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد لام الجحود، وخبر كان محذوف تقديره مريدا، والجار والمجرور متعلقان بالخبر المحذوف (إِيمانَكُمْ) مفعول به (إِنَّ اللَّهَ) ان واسمها (بِالنَّاسِ) الجار والمجرور متعلقان برؤوف أو رحيم (لَرَؤُفٌ) اللام هي المزحلقة، ورؤوف خبر إن الأول (رَحِيمٌ) خبر إنّ الثاني، وجملة إن وما في حيزها لا محلّ لها لأنها تعليلية. * البلاغة: 1- التورية في قوله: «وسطا» فالمعنى القريب الظاهر للوسط هو التوسط مع ما يعضده من توسط قبلة المسلمين، ومعناه البعيد المراد هو الخيار كما تقدم في باب اللغة. 2- الكناية في الوسط أيضا عن غاية العدالة كأنه الميزان الذي لا يحابي ولا يميل مع أحد. 3- المجاز المرسل في قوله: «على عقبيه» والعلاقة هي المصير والمآل، فليس ثمة أسمج ولا أقبح من رؤية الإنسان معكوس الخلقة، مخالفا للمألوف المعتاد. 4- التقديم والتأخير: فقد قدم «شهداء» على صلته وهي «على الناس» ، وأخر «شهيدا» عن صلته وهي «عليكم» لأن المنّة عليهم في الجانبين ففي الاول بثبوت كونهم شهداء، وفي الثاني بثبوت كونهم مشهودا لهم بالتزكية، والمقدم دائما هو الأهم. * الفوائد: 1- لا مندوحة لنا عن إيراد بعض الأقوال الجديرة بالاهتمام، فقد أورد العلماء خمسة أعاريب لهذه الآية يضيق المجال عن إيرادها وقد أوردنا ما اخترناه منها واختاره الزمخشري، واختار الجلال أن تكون «القبلة» المفعول الثاني مقدما و «التي كنت عليها» هو المفعول الأول محتجا بأن التصيير هو الانتقال من حال إلى حال، فالمتلبس بالحالة الثانية هو المفعول الثاني، ألا ترى أنك تقول: جعلت الطين خزفا. واختاره أبو حيان. وقيل «القبلة» هي المفعول الأول و «التي كنت عليها» صفة، أما المفعول الثاني فهو محذوف تقديره منسوخا أو نحوه. لمحة تاريخية: فقد اتفق الجميع على أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى صخرة بيد المقدس بعد الهجرة مدة، ثم أمر بالصلاة إلى الكعبة، وإنما اختلفوا في قبلته بمكة هل كانت الكعبة أو بيت المقدس، والمرويّ عن أئمة أهل البيت أنها كانت بيت المقدس، ثم لا يخفى أن الجعل في الآية مركب لا بسيط، وقوله تعالى: «التي كنت عليها» ثاني مفعوليه كما نص عليه أكثر المفسرين، وأما القائلون بأنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي بمكة إلى الكعبة، فالجعل عندهم يحتمل أن يكون منسوخا باعتبار الصلاة بالمدينة مدة إلى بيت المقدس، وأن يكون جعلا ناسخا باعتبار الصلاة بمكة، وقال الرازي: إن قوله تعالى «التي كنت عليها» ليس نعتا للقبلة وإنما هو ثاني مفعولي جعلنا، هذا وسميت الكعبة كعبة لتربيعها وسيأتي مزيد بحث بذلك. 2- إذا خففت «إنّ» دخلت على الجملتين الفعلية والاسمية، فان دخلت على الاسمية جاز إعمالها وإهمالها، والأكثر الإهمال. وإن دخلت على الفعلية وجب إهمالها، والأكثر أن يكون الفعل ماضيا ناسخا، لأن العرب لما أخرجوها عن وضعها الاصلي بدخولها على الفعل أرادوا أن يكون ذلك الفعل من أفعال المبتدأ والخبر لئلا يزول عنها وضعها كليا كما ترى في الآية، ولا بد من دخول «لام» بعدها تسمى اللام الفارقة للفرق بينها وبين «إن» النافية. 3- لام الجحود أي لام الإنكار، هي الواقعة بعد كون ماض منفيّ، وخبر كان مختلف فيه فقيل: هو محذوف يقدّر بحسب المقام وتتعلق به لام الجحود مع المصدر المجرور بها، لأن «أن» المصدرية تضمر بعدها وجوبا، وقيل الجار والمجرور في محل الخبر، وهذا أسهل ولكن الاول أشهر وأضبط لاستقامة الخبر.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.