الباحث القرآني

* الإعراب: (وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ) الجملة مستأنفة مسوقة لتقرير عدم خلود البشر جوابا لقولهم أن محمدا سيموت، وما نافية وجعلنا فعل وفاعل ولبشر في محل نصب مفعول ثان ومن قبلك صفة لبشر والخلد مفعول جعلنا الاول والهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة وإن شرطية ومت فعل ماض وفاعل وهو في محل جزم فعل الشرط والفاء رابطة وهم مبتدأ والخالدون خبر والجملة في محل جزم جواب الشرط وهي بنية التقديم لأن أصل الكلام أفهم الخالدون إن مت، قال الفراء: جاء بالفاء لتدل على الشرط لأنه جواب قولهم سيموت قال ويجوز حذف الفاء واضمارها والمعنى إن مت فهم يموتون أيضا فلا شماتة في الموت. (كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ) كل مبتدأ ونفس مضاف اليه وذائقة الموت خبر والجملة مستأنفة مسوقة للتدليل على عدم الخلود فلا مجال للشماتة ورحم الله القائل: فقل للشامتين بنا أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ) الواو استئنافية أيضا ونبلوكم فعل مضارع وفاعل مستتر تقديره نحن والكاف مفعول به وبالشر متعلقان بنبلوكم والخير عطف على الشر أي نختبركم بما يجب فيه الصبر وبما يجب فيه الشكر وفتنة مصدر مؤكد لنبلوكم من غير لفظه لأن الابتلاء فتنة فكأنه قيل نفتنكم فتنة ويجوز أن يعرب مفعولا من أجله أو نصبا على الحال من فاعل نبلوكم أي فاتنين لكم وإلينا متعلقان بترجعون وترجعون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل والجملة معطوفة على نبلوكم أو حالية. (وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً) لك أن تجعل الواو استئنافية فتكون الجملة مستأنفة مسوقة لتقرير موقفهم من النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأن تجعلها عاطفة فتكون الجملة معطوفة على قوله الآنف «وَأَسَرُّوا النَّجْوَى» وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن وجملة رآك مضاف لها الظرف وفاعل رآك الذين والكاف مفعول به وجملة كفروا صلة وإن نافية ويتخذونك فعل مضارع وفاعل ومفعول به وإن النافية وما في حيزها جواب إذا وسيأتي ذكر السبب في عدم اقتران الجواب بالفاء في باب الفوائد وإلا أداة حصر وهزوا مفعول به ثان اما على الوصف بالمصدر مبالغة وقد مرت له نظائر واما على حذف مضاف، هذا ويجوز ان تكون ان النافية وما بعدها جملة معترضة فيكون الجواب قوله الآتي: (أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ) الهمزة للاستفهام والاستفهام معناه السخرية والجملة اما جواب إذا كما تقدم وإما مقول قول محذوف أي يقول بعضهم لبعض على سبيل السخرية والهزء أهذا، وهذا مبتدأ والذي خبره وجملة يذكر صلة وآلهتكم مفعول به والواو حالية وهم مبتدأ وبذكر متعلقان بكافرون والرحمن مضاف اليه وهم تأكيد لهم الأولى تأكيدا لفظيا وكافرون خبر هم والجملة حال إما من فاعل يتخذونك وإما من فاعل القول المقدر كما أسلفنا ومفعول يذكر محذوف وسيرد بحثه في باب البلاغة. (خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ) الجملة مستأنفة مسوقة للرد على استعجالهم العذاب وخلق فعل ماض مبني للمجهول والإنسان نائب فاعل ومن عجل متعلقان بخلق أو بمحذوف حال وسيأتي معنى هذا التركيب في باب البلاغة وسأريكم السنين للاستقبال وأريكم فعل مضارع وفاعل مستتر تقديره أنا والكاف مفعول به أول وآياتي مفعول به ثان والفاء عاطفة ولا ناهية وتستعجلون فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل والياء المحذوفة للرسم مفعول به وجملة سأريكم مستأنفة أيضا مسوقة لتأكيد العجلة وعاقبتها التي هي رؤية العذاب. (وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لإيراد نمط من استعجالهم المذموم ويقولون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل ومتى اسم استفهام في محل نصب على الظرفية وهو متعلق بمحذوف خبر مقدم وهذا مبتدأ مؤخر والوعد بدل وإن شرطية وكنتم كان واسمها في محل جزم فعل الشرط وصادقين خبر كنتم وجواب ان محذوف تقديره فعينوا موعده وخطابهم للنبي وأصحابه. (لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) لو شرطية ويعلم فعل مضارع والذين فاعل وجملة كفروا صلة وحين يجوز أن يكون مفعول يعلم أي الوقت الذي يستعجلون فيه بقولهم متى هذا الوعد وهو وقت صعب ضنك تحيط بهم النار من كل مكان لما كانوا بتلك المثابة من الكفر فجواب لو محذوف وقد تقدمت الاشارة اليه كثيرا ويجوز أن يكون يعلم متروكا بلا تعدية بمعنى لو كان معهم علم ولم يكونوا جاهلين لما كانوا متعجلين وحين منصوب بمضمر أي حين لا يكفوا عن وجوههم النار يعلمون أنهم كانوا على الباطل والأرجح ان مفعول يعلم محذوف لدلالة ما قبله عليه أي لو يعلم الذين كفروا مجيء الموعود الذي سألوا عنه واستبطئوه وحين منصوب بالمفعول الذي هو مجيء وجملة لا يكفون مضافة إلى الظرف وعن وجوههم متعلقان بيكفون والنار مفعول به ولا عن ظهورهم معطوفة، والواو حرف عطف ولا نافية وهم مبتدأ وجملة ينصرون خبر وينصرون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل. (بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ) بل حرف إضراب وعطف وتأتيهم فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على النار وبغتة حال أتى مصدرا وقيل مفعول مطلق وسيأتي مزيد بحث عنه في باب الفوائد، فتبهتهم عطف على تأتيهم فلا يستطيعون عطف أيضا وردها مفعول يستطيعون ولا هم ينظرون عطف أيضا وهم مبتدأ وجملة ينظرون خبر كما أنظروا وأمهلوا من قبل. * البلاغة: 1- التذييل: في قوله تعالى: «وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ. كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ» فن طريف من فنون البلاغة أطلق عليه علماؤها اسم «التذييل» وعرفوه بأنه تذييل الكلام بعد تمامه وحسن السكوت عليه بجملة تحقق ما قبلها من الكلام وتزيده توكيدا وتخرجه مخرج المثل السائر ليشيع الكلام بعد دورانه على الألسنة فإن لم تكن الزيادة تفيد ذلك فلا يسمى تذييلا وبعضهم يسميه آنذاك تذييلا ولكنه يقول عنه أنه معيب وما أجدر المعيب أن ينتفى عن فنون البلاغة أو يندرج في سلكها وهو شائع في القرآن الكريم وستأتي أمثلة كثيرة منه، أما في الآية التي نحن بصددها فإن المعنى مستوفى في الاخبار بأنه سبحانه لم يجعل لبشر قبل نبيه الخلد ثم ذيل ذلك الاخبار بما أخرجه مخرج تجاهل العارف وهو قوله «أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ» ثم ذيل هذا التذييل بما أخرجه مخرج المثل السائر حيث قال: «كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ» . ومن أروع أمثلة التذييل في الشعر قول شاعر الخلود أبي الطيب: تمسي الأماني صرعى دون مبلغه ... فما يقول لشيء ليت ذلك لي يقول أبو الطيب: لا تصل الأماني إلى قلبه فتستميله، ولا إلى لسانه فتجري عليه لأنه لا يحتاج أن يتمنى شيئا إلا وله خير منه أو صار له ذلك الشيء فالأماني تقصر عن بلوغ قدره، وتقصر عن جلالة أمره وتمسي صرعى دون إدراك مجده فما يتمنى في الرفعة أكثر مما قد بلغه، ولم يزل سيف الدولة لهجا بهذا البيت معظما له، مثنيا عليه، مقرا له بأنه لا يلحق سبقا ولا يأتي أحد في بابه من المبالغة بمثل ما أتى به. وقال ابن نباتة السعدي وأجاد: لم يبق جودك لي شيئا أؤمله ... تركتني أصحب الدنيا بلا أمل لقد حقق له جميع آماله ومشتهياته فلم يعد لديه ما يؤمله وهبه صبا إلى شيء فإنه واثق بحضوره فغدا بلا آمال. 2- الإيجاز بالحذف: وذلك في حذف مفعول يذكر في قوله تعالى: «أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ» والذكر يكون بالخير والشر فإذا دلت الحال على أحدهما أطلق ولم يقيد كقولك للرجل: سمعت فلانا يذكرك فإن كان الذاكر صديقا فهو ثناء وإن كان عدوا فذم ومن جهة ثانية لم يقولوا: أهذا الذي يذكر آلهتكم بكل سوء لأنهم استفظعوا حكاية ما يقوله النبي من القدح في آلهتهم رميا بأنها لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر ورئبوا بها عن نقل ذمها تفصيلا وتصريحا فنقلوه إجمالا وتلميحا، بل أومئوا اليه بالاشارة المذكورة كما يتحاشى المؤمن من حكاية كلمة الكفر وان كان قائلها غير كافر فيومىء إليها بلفظ يفهم المقصود بطريق التعريض فسبحان من أضلهم حتى تأدبوا مع الأوثان، وأساءوا الأدب على الرحمن. 3- الاستعارة المكنية في قوله «خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ» فقد شبه العجل الذي طبع عليه الشخص وصار له كالجبلة بأصل مادته وهي الطين ثم حذف المشبه به ورمز اليه بشيء من لوازمه وهو قوله «خلق» وقيل لا استعارة فيه وانما هو من باب القلب والأصل خلق العجل من الإنسان لشدة صدوره عنه وملازمته له والقلب موجود كثيرا في كلامهم وقد تقدمت الإشارة اليه والأول أولى وأقعد بالبلاغة ومن بدع التفاسير ما قالوه من أن العجل هو الطين بلغة حمير وقال شاعرهم: النبع في الصخرة الصماء منبته ... والنخل ينبت بين الماء والعجل يقول النبع وهو شجر تتخذ منه القسي في الصخرة الصماء الصلبة لا في غيرها منبته أي نباته والنخل ينبت في الأرض اللينة الريانة فهو بين الماء والعجل أي الطين وهذه لغه حمير كما قيل والظاهر أن الشطر الأول تمثيل للصعب البخيل والثاني للسهل الجواد أو الاول للشجاع والثاني للجبان لشدة الاول ورخاوة الثاني وعلى كل حال هذا المعنى غير وارد في الآية الكريمة لأن السياق يأباها فهم يستعجلون والله سبحانه ينعى عليهم عجلتهم. وفي هذه الآية الاستعارة المكنية بقوله «ذائقة الموت» وليس الموت مما يذاق ولكنه شبهه بطعام غير مريء ولا مستساغ ولكنه لحتمية وقوعه وكونه أمرا لا بد منه أصبح بمثابة المريء المستساغ فلا مندوحة لنفس عن ذوقه وقد تقدمت نظائر لهذه الاستعارة. * الفوائد: 1- جواب «إذا» : تخالف «إذا» أدوات الشرط جيمعا، فإن أدوات الشرط متى أجيبت بأن النافية أو بما النافية وجب الإتيان بالفاء كما في هذه الآية وكما في قوله تعالى أيضا: «وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا» . 2- مجيء المصدر حالا: جاءت مصادر تعرب أحوالا بكثرة في النكرات كطلع زيد بغتة وجاء ركضا وقتلته صبرا وهو أن تحبسه حيا ثم يرمى حتى يقتل وذلك كله على كثرته مؤول بالوصف فيؤول بغتة بوصف من باغت لأنها بمعنى مفاجأة أي مباغتا ويؤول ركضا بوصف الفاعل من ركض أي راكضا ويؤول صبرا بوصف المفعول من صبر أي مصبورا محبوسا ومع كثرة وروده قال سيبويه: لا ينقاس مطلقا وقاسه بعضهم بما يمكن الرجوع اليه في المطولات. ونعود إلى بغتة فقد أكد بعضهم أنه يجوز جعلها مفعولا مطلقا وكذلك القول في الأمثلة المتقدمة إذ هي نوع من عاملها فهي كرجع القهقرى. ويتحصل مما ذكره النحاة أن المصدر المنصوب فيه أقوال ثلاثة: 1- مذهب سيبويه ان المصدر هو الحال وهو الأصل. 2- مذهب المبرد والأخفش انه مفعول مطلق غير منصوب بالعامل قبله وانما هو منصوب بالعامل المحذوف من لفظه وذلك المحذوف هو الحال وهو قول جميل كما ترى. 3- مذهب الكوفيين انه مفعول مطلق منصوب بالعامل قبله وليس في موضع الحال. ومما يرد في هذا المجال اعراب «أسفا» من قول أبي الطيب: أبلى الهوى أسفا يوم النوى بدني ... وفرق الهجر بين الجفن والوسن روح تردّد في مثل الخلال إذا ... أطارت الريح عنه الثوب لم يبن كفى بجسمي نحولا إنني رجل ... لولا مخاطبتي إياك لم ترني فالحال هنا غير واردة لأن المعنى يأباها والمفعول لأجله لا يصح لاختلاف الفاعل فلم يبق إلا المفعولية المطلقة والتقدير أسفت أسفا ودل على فعله ما تقدمه لأن إبلاء الهوى بدنه يدل على أسفه كأنه قال أسفت أسفا، وتعسف ابن هشام فحاول أن يبرر نصبه على أنه مفعول لأجله فقال: فمن لم يشترط اتحاد الفاعل فلا إشكال (والقائل بهذا هو ابن خروف) واما من اشترطه فهو على إسقاط لام العلة توسعا كما في قوله «يَبْغُونَها عِوَجاً» (أي يبغون لها عوجا) أو الاتحاد موجود تقديرا إما على أن الفعل المعلل مطاوع أبلى محذوفا أي فبليت أسفا ولا تقدر فبلي بدني لأن الاختلاف حاصل إذ الأسف فعل النفس لا البدن أو لأن الهوى لما حصل بتسببه كأنه قال أبليت بالهوى بدني ولا طائل تحت هذه التأويلات المتعسفة.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.