الباحث القرآني

* اللغة: (يَكْلَؤُكُمْ) : في المصباح: «كلأه الله يكلؤه مهموز بفتحتين من باب قطع كلاءة بالكسر والمد حفظه ويجوز التخفيف فيقال كليته أكلاه وكلئته أكلؤه من باب تعب لغة لقريش لكنهم قالوا: مكلوّ بالواو أكثر من مكليّ بالياء» وفي القاموس: «كلأ يكلأ بالفتح كلئا وكلاءة وكلاء بكسر الكاف الله فلانا حرسه وحفظه وكلأه بالسوط ضربه به وكلأ بصره في الشيء ردّده فيه وكلأ النجم متى يطلع: رعاه» وفي الأساس: «الله يكلؤك، وتداركه الله بكلاءته واكتلأت منه: احترست قال كعب بن زهير: أنخت قلوصي واكتلأت بعينها ... وآمرت نفسي أيّ أمري أفعل أي احترست بعينها لأنها إذا رأت شيئا ذعرت، وكلأ دينه كلوءا: تأخر فهو كالىء ونهي عن «بيع الكالئ بالكالئ» وكلّأته أنا تكلئة واستكلأت كلأة وتكلأت: استلفت سلفا وتقول: «إن الكلى تذيب شحم الكلى» جمع كلأة» . (خَرْدَلٍ) : الخردل: نبات له حبّ صغير جدا أسود مقرح والواحدة خردلة ويقال خردل الطعام: أكل خياره وخردل اللحم قطع أعضاءه والخرادل القطع من اللحم. * الإعراب: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لتسلية النبي صلى الله عليه وسلم ومواساته واللام جواب قسم محذوف وقد حرف تحقيق واستهزئ فعل ماض مبني للمجهول وبرسل قام مقام نائب الفاعل ومن قبلك نعت لرسل. (فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) الفاء عاطفة وحاق فعل ماض وبالذين متعلقان بحاق وجملة سخروا لا محل لها لأنها صلة الموصول ومنهم حال من فاعل سخروا وما فاعل حاق وجملة كانوا صلة الموصول وكان واسمها وبه متعلقان بقوله يستهزئون ويستهزئون جملة فعلية في محل نصب خبر كانوا. (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ) من اسم استفهام في محل رفع مبتدأ وجملة يكلؤكم خبر والجملة مقول القول وبالليل متعلقان ييكلؤكم والنهار عطف على الليل ومن الرحمن أي من عذابه وأمره وهما متعلقان بيكلؤكم. (بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ) بل حرف إضراب وهم مبتدأ وعن ذكر ربهم متعلقان بمعرضون، ومعرضون خبر هم وهو إضراب عما تضمنه الكلام من النفي والتقدير ليس لهم كالىء ولا مانع غير الرحمن مع انهم لا يخطرونه في بالهم فضلا عن أن يخافوا بأسه وعذابه. (أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا) أم حرف عطف وإضراب فهي بمعنى بل ولهم خبر مقدم وآلهة مبتدأ مؤخر وهمزة الاستفهام مقدرة والتقدير ألهم آلهة تمنعهم وجملة تمنعهم صفة لآلهة ومن دوننا صفة لآلهة أيضا. (لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ) جملة مستأنفة مسوقة لتقرير أن من ليس بقادر على نصر نفسه ومنعها ولا بمصحوب من الله بالنصر والتأييد كيف يمنع غيره وينصره ولا نافية ويستطيعون فعل مضارع وفاعل ونصر أنفسهم مفعول به ولا الواو عاطفة ولا نافية وهم مبتدأ ومنا متعلقان بيصحبون ويصحبون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وجملة يصحبون خبرهم، تقول العرب أنا لك صاحب من فلان أي مجير لك منه وتقول أيضا: صحبك الله أي حفظك وأجارك. (بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ) بل حرف إضراب انتقالي ومتعنا فعل وفاعل وهؤلاء اسم اشارة مبني على الكسر في محل نصب مفعول به وآباءهم عطف على هؤلاء وحتى حرف غاية وجر وطال فعل ماض وعليهم متعلقان بطال والعمر فاعل طال. (أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ) الهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة على مقدر وقد تكرر هذا التعبير حتى لم يعد ثمة موجب لإعادته ولا نافية ويرون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل وان وما في حيزها سدت مسد مفعولي يرون لأن الرؤية هنا علمية ويجوز أن تكون بصرية وان واسمها وجملة نأتي الأرض خبرها وجملة ننقصها من أطرافها حالية من فاعل نأتي أو من مفعوله أي نفتحها أرضا بعد أرض بما ينقص من أطراف المشركين ويزيد في أطراف المؤمنين وقد تقدم بسط هذا مفصلا في سورة الرعد فجدد به عهدا وسيأتي السر في اسناد الفعل إلى نفسه في باب البلاغة وقوله أفهم الهمزة للاستفهام الانكاري التقريعي والفاء عاطفة على مقدر وهم مبتدأ والغالبون خبر (قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ) إنما كافة ومكفوفة وأنذركم فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنا والكاف مفعول به وبالوحي متعلقان بأنذركم ولا يسمع الواو عاطفة ويجوز أن تكون حالية ولا نافية ويسمع الصم الدعاء فعل مضارع وفاعل ومفعول به وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن وهي لمجرد الظرفية متعلقة بيسمع أي وقت إنذارهم، وما زائدة وينذرون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وجملة ينذرون في محل جر باضافة الظرف إليها وسيأتي تفصيل لهذه الآية في باب البلاغة. (وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ) الواو عاطفة واللام موطئة للقسم وإن شرطية ومستهم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والهاء مفعول به ونفحة فاعل والمراد بالنفحة القليل مأخوذ من نفح المسك قاله ابن كيسان ومنه قول النعمان بن بشير: وعمرة من سروات النسا ... ء تنفح بالمسك أردانها وقال المبرد: النفحة الدفعة من الشيء التي دون معظمه يقال نفحه نفحة بالسيف إذا ضربه ضربة خفيفة، وقيل: هي النصيب، وقيل هي الطرف والمعنى متقارب أي ولئن مسهم أقل شيء من العذاب، ومن عذاب ربك صفة لنفحة، ليقولن اللام واقعة في جواب القسم لأنه سبق ويقولنّ فعل مضارع مرفوع بثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل والنون للتوكيد ويا ويلنا إما نداء للويل ليحضر فهذا أوانه واما ان يا للتنبيه وويلنا مفعول مطلق لفعل محذوف وإنا إن واسمها وجملة كنا خبرها ونا اسم كان وظالمين خبرها. (وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً) جملة مستأنفة مسوقة لبيان ما سيقع عند إتيان ما أنذروه ونضع فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن والموازين مفعول به والقسط وصف الموازين وقد وصفت بنفس المصدر مبالغة من قسط إذا عدل وليوم القيامة متعلق بنضع واللام بمعنى «في» كقولهم مضى لسبيله وقيل يمعنى عند قال الزمخشري: «مثلها في قولك جئته لخمس خلون من الشهر ومنه بيت النابغة: توسمت آيات لها فعرفتها ... لستة أعوام وذا العام سابع ومعناه تتبعت رسومها وآثارها فعرفتها أي في تلك المواضع المذكورة في البيت قبله وقوله لستة أعوام أي تمام ستة أعوام مضت من عهدها وهذا العام الحاضر الذي نحن فيه هو السابع ولو قال لسبعة أعوام لأفاد أن السبعة كلها مضت وليس مرادا فقول بعضهم انه كان يكفيه أن يقول لسبعة أعوام فعجز عن إتمامه وكمله بما لا معنى له ولا وجه إلا عدم التبصر. فلا الفاء عاطفة وتظلم فعل مضارع مبني للمجهول ونفس نائب فاعل وشيئا مفعول مطلق أو مفعول ثان لتظلم. (وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ) الواو عاطفة وإن شرطية وكان فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط واسمها مستتر تقديره هو يعود على العمل ومثقال حبة خبر كان ومن خردل صفة لحبة وأتينا بها في محل جزم جواب الشرط وكفى الواو عاطفة وكفى فعل ماض والباء حرف جر زائد وحاسبين تمييز أو حال وأنث ضمير المثقال لأنه أضيف إلى الحبة وقد مرت قاعدته. * البلاغة: 1- وضع الظاهر موضع المضمر: في قوله تعالى: «قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ» فن لطيف يمكن تسميته وضع الظاهر موضع المضمر والفائدة منه التسجيل عليهم فقد كان مقتضى السياق أن يقول ولا يسمعون ولكنه صرح بالصم وتجاوز بالظاهر عن ضميره للدلالة على تصامهم وسدهم أسماعهم إن أنذروا، وللدلالة على صدور إنكار شديد وغضب عظيم وتعجب من نبو أسماعهم عن الوحي وعدم إصاختهم لما ينفعهم وإمعانهم في ركوب الغي والتعسف في متاهات الضلال وهذا فن عجيب تميز به القرآن الكريم وسيرد عليك الكثير من نماذجه. 2- اسناد الضمير إلى الله تعالى في قوله تعالى: «أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها» أسند سبحانه الضمير إلى نفسه تعظيما للمسلمين الذين أجرى على أيديهم الانتصار العظيم وافتتاح البلاد والأمصار وان عساكرهم وسراياهم كانت تغزو أرض المشركين وتأتيها غالبة عليها ناقصة من أطرافها فأصله تأتي جيوش المسلمين ولكنه أسند الإتيان إلى نفسه تنويها بقدر المجاهدين وتعظيما لما أتوا به من جلائل الأعمال وناهيك بمن يعمل عملا ينسبه الله إلى نفسه ألا يصح فيه أن يكون مصداقا لقوله في حديثه «كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها» إلى آخر الحديث القدسي. 3- مبالغات ثلاث: وفي قوله تعالى: «وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا» ثلاث مبالغات: آ- ذكر المس وهو أقل شيء بل هو شيء رفيق جدا فما بالك إذا انثال عليهم؟ أي يكفي للدلالة على ذلهم وهوان أمرهم ووهن عزيمتهم أن أقل مس يكفيهم ليذعنوا ويتطامنوا ويعلنوا ذلهم وخضوعهم والإقرار على أنفسهم بأنهم تصاموا وأعرضوا وقد رمق المتنبي سماء هذه المبالغة فقال في وصف قوم جبناء: وضاقت الأرض حتى كاد هاربهم ... إذا رأى غير شيء ظنه رجلا ب- وما في النفحة من معنى القلة والنزارة يقال: نفحته الدابة ونفحه بعطية. ج- بناء المرة من النفح فمصدر المرة يأتي على فعلة أي نفحة واحدة لا ثاني لها تكفي لتشتيت أمرهم وتوهين كيانهم وتصدع صفوفهم فكيف إذا عززت بثانية أو ثالثة؟. * الفوائد: مصدرا المرة والهيئة: مصدر المرة هو ما يذكر لبيان عدد الفعل ويبنى من الثلاثي المجرّد على وزن فعلة بفتح الفاء وسكون العين مثل: وقفت وقفة ووقفتين ووقفات فإن كان الفعل فوق الثلاثي ألحقت بمصدره التاء مثل أكرمته إكرامة وفرّحته تفريحة وتدحرج تدحرجة إلا ان كان المصدر ملحقا في الأصل بالتاء فيذكر بعده ما يدلّ على العدد مثل رحمته رحمة واحدة وأقمت إقامة واحدة واستقمت استقامة واحدة. أما مصدر النوع أو الهيئة فهو ما يذكر لبيان نوع الفعل وصفته نحو وقفت وقفة ويبنى من الثلاثي المجرد على وزن فعلة بكسر الفاء مثل عاش عيشة حسنة ومات ميتة سيئة وفلان حسن الجلسة وفلانة هادئة المشية فإن كان الفعل فوق الثلاثي يصير مصدره بالوصف مصدر نوع مثل أكرمته إكراما عظيما. هذا وهنا تنبيه هام نبه عليه الشيخ أبو حيان وهو أن هذه التاء الدالة على المرة الواحدة لا تدخل على كل مصدر بل على المصادر الصادرة عن الجوارح المدركة بالحس نحو قومة وضربة وقعدة وأكلة، وأما مصادر الأفعال الباطنة والخصال الجليلة الثابتة نحو الظرف والحسن والجبن والعلم فلا يقال من ذلك علمته علمة ولا فهمته فهمة ولا صبرته صبرة.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.