الباحث القرآني

* اللغة: (قَصَمْنا) : القصم أبلغ من الكسر وفي القاموس «قصم من باب صرب قصما الشيء: كسره، وقصم الرجل: أهلكه، ويقال: قصم الله ظهر الظالم أي أنزل به البلية» وللقاف مع الصاد فاء وعينا للكلمة سر عجيب، انهما تدلان على الكسر والمحق والإهلاك فقولهم: قصب الشاة يعني قطعها قطعا أو عضوا عضوا ومنه سمي القصاب أي الجزار والقصّابة مؤنث القصاب ولها معنى آخر وهو ما نسميه اليوم «الناي» أي قصبة ينفخ بها للغناء وعن بعض العرب: قلت أبياتا فغنى بها حكم الوادي فو الله ما حرك بها قصّابة إلا خفت النار فتركت قول الشعر، وهي الوتر، ونفخ في القصابة: في المزمار، وأقصدته المنية أهلكته ومنه قصد الرجل أتى اليه ونحا نحوه، وقصرته حبسته وقصرت نفسي على هذا الأمر إذا لم تطمح إلى غيره وقصرت طرفي لم أرفعه إلى مالا ينبغي وهنّ قاصرات الطرف: قصرنه على أزواجهنّ، وقص الشعر والريش وقصّصه معروف وجناح مقصوص ومقصص، وقصع الصّؤاب بين ظفريه قتله وقصعت الرحى الحب فضخته وصبي قصيع قميء لا يشب، وقصف القناة والعود كسرهما وقصف ظهره ورجل مقصوف والعامة تقول لمن تدعو عليه يا مقصوف وهي فصيحة لا غبار عليها وعصفت ريح فقصفت السفينة وعود قصف: سريع الانكسار، قال الطرماح: تميم تمنّى الحرب ما لم ألاقها ... وهم قصف العيدان في الحرب خورها وقصله قطعه قطعا وحيّا وسيف قاصل وقصّال ومقصل وقصل فرسه يقصله: علفه القصيل ومنه المقصلة وهي آلة للاعدام قوامها سكين تسقط على رأس المجرم فتقطعه، وقصا يقصو قصوا وقصوا وقصا وقصاء الرجل تباعد وفي البعد اشارة إلى الهلكة لأنها بعد أيضا. (أُتْرِفْتُمْ) : نعمتم من العيش الرافه والحال الناعمة والإتراف ابطار النعمة. * الإعراب: (ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ) ما نافية وآمنت فعل ماض والتاء للتأنيث والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير كفرهم واستبعاد إيمانهم وقبلهم ظرف متعلق بآمنت ومن حرف جر زائد وقرية مجرور لفظا فاعل آمنت محلا وجملة أهلكناها صفة لقرية والمراد بالقرية أهلها كما سيأتي في باب البلاغة، أفهم الهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة وهم مبتدأ وجملة يؤمنون خبر. (وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ) الواو عاطفة وما نافية وأرسلنا فعل ماض وفاعل إلا أداة حصر ورجالا مفعول أرسلنا وجملة نوحي إليهم صفة لرجالا، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية. (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) الفاء الفصيحة واسألوا فعل أمر وفاعل وأهل الذكر مفعول به وإن شرطية وكنتم فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط والتاء اسمها وجملة لا تعلمون خبرها وجواب الشرط محذوف دلت عليه الفاء الفصيحة. (وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ) الواو عاطفة وما نافية وجعلناهم فعل وفاعل ومفعول به وجسدا مفعول ثان إذا كانت جعل بمعنى التصيير وإن كانت بمعنى الخلق فجسدا حال مؤولة بالمشتق أي متغذين، وجملة لا يأكلون الطعام في محل نصب نعت لجسدا وجسد مفرد أريد به الجمع وانما وحدّه ليشمل الجنس عامة لأن الجسد لا بد له من غذاء، والواو عاطفة وما نافية وكانوا خالدين كان واسمها وخبرها والجملة معطوفة على لا يأكلون. (ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ) ثم حرف عطف وصدقناهم فعل وفاعل ومفعول والوعد منصوب بنزع الخافض لأن صدق يتعدى لاثنين إلى ثانيهما بحرف الجر والأصل في الوعد، فأنجيناهم عطف على صدقناهم ومن نشاء عطف على الهاء وجملة نشاء صلة وأهلكنا المسرفين عطف على أنجيناهم والمسرفين مفعول به. (لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ) اللام جواب لقسم محذوف وقد حرف تحقيق وأنزلنا فعل وفاعل وإليكم متعلقان بأنزلنا وكتابا مفعول به وفيه خبر مقدم وذكركم مبتدأ مؤخر والجملة صفة لكتابا وسيأتي معنى فيه ذكركم في باب الفوائد والهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي والفاء عاطفة على مقدر ينسحب عليه الكلام أي ألا تتفكرون فلا تعقلون شيئا من الأشياء المذكورة لكم، (وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ) الواو عاطفة أو استئنافية مسوقة للتمثيل بالأمم التي هلكت قبلهم وكم خبرية مفعول به مقدم لقصمنا ومن قرية تمييز لكم الخبرية مجرور بمن وقد تقدم ذلك وجملة كانت ظالمة صفة لقرية والمراد بالقرية أهلها وكانت ظالمة كان واسمها المستتر وخبرها وأنشأنا عطف على قصمنا وبعدها ظرف متعلق بأنشأنا وقوما مفعول به وآخرين صفة لقوما. (فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ) الفاء عاطفة ولما ظرفية حينية أو رابطة وإذا الفجائية وقد تقدم الكلام حولها والخلاف فيها مشبعين وهم مبتدأ وجملة يركضون خبرهم ومنها متعلقان بيركضون وقد استدل بعضهم بهذه الآية على أن لما حرف وسماها ابن هشام رابطة لأنه لا عامل لها إذا أعربت ظرفا بمعنى حين ونرى أن معنى المفاجأة التي دلت عليه إذا هو العامل وسيأتي مزيد بحث عن لما في باب الفوائد. (لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ) لا ناهية وتركضوا فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل وجملة لا تركضوا مقول قول محذوف والقائل اختلف فيه فقيل هم الملائكة وقيل هم من كان هناك من المؤمنين وهذا القول على سبيل الاستهزاء بهم طبعا، وارجعوا فعل أمر معطوف على لا تركضوا والى ما متعلقان بارجعوا وجملة أترفتم صلة وفيه متعلقان بأترفتم ومساكنكم بالجر عطف على ما، ولعلكم تسألون لعل واسمها وخبرها والترجي هنا استهزاء بهم وتهكم بما كانوا يظنونه بأنفسهم من أنهم مظنة السخاء ومطلع الكرم والمعنى ارجعوا إلى نعيمكم ومساكنكم لعلكم تسألون شيئا من دنياكم حسبما تتصورون أنفسكم من أنكم أهل النوال والعطاء حيث يسألكم الناس في العوادي والنوازل ويندبونكم للملمات ويستشيرونكم في المعضلات وسيأتي المزيد عن هذا البحث الشيق في باب البلاغة. * البلاغة: 1- المجاز المرسل في قوله «قرية» إذ المراد أهلها وقد تقدم مثال ذلك كثيرا. 2- التهكم بقوله «وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ» وقد ألمعنا إلى المراد من هذا التهكم ونزيد عليه هنا احتمالين هامين مترتبين على هذا التهكم: آ- انهم كانوا أسخياء حقيقة يجودون بالنوال ويبسطون أيديهم بالعطايا ولكنهم كانوا يفعلون ذلك رئاء الناس واكتسابا للشهرة والثناء وفي ذلك من الإيلام والايجاع ما فيه، إذ يرون أن ما أنفقوه وما بذلوه لم يكن إلا زيادة في برحائهم وإمعانا في عذابهم: ب- انهم كانوا بخلاء يكرهون البذل ويصدون عمن جاء يستندي سحاب أكفهم ويمتري اخلاف جدواهم فقيل لهم ذلك ليزيدهم إيلاما على إيلام وايجاعا على إيجاع. * الفوائد: 1- قوله «كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ» أي فيه ما يوجب الثناء عليكم لكونه نازلا بلسانكم وبين ظهرانيكم وعلى رسول منكم وقيل فيه ما تنشدونه من حسن الذكر وبعد الصيت وطيب الأحدوثة وقيل فيه الموعظة لكم والإرشاد لما ينفعكم في دينكم ودنياكم وجميع ذلك محتمل. 2- بحث لما: تقع لما في العربية على ثلاثة أوجه: الأول: أن تختص بالمضارع فتجزمه وتنفيه وتقلبه ماضيا ك «لم» إلا أنها تفارقها في خمسة أمور: 1- انها لا تقترن بأداة شرط فلا يقال: إن لما تقم ويقال: إن لم تقم. 2- ان منفيها مستمر النفي إلى الحال أما منفي لم فيحتمل الاتصال والانقطاع مثل: «لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً» ولهذا جاز أن تقول: لم يكن ثم كان، ولكن لا يجوز أن تقول: لما يكن ثم كان. 3- ان الغالب في منفي لما ان يكون قريبا من الحال بخلاف منفي لم. 4- ان منفي لما متوقع ثبوته بخلاف منفي لم. 5- ان منفي لما جائز الحذف لدليل كقوله: «فجئت قبورهم بدءا ولما» أي ولما أكن بدءا قبل ذلك أي سيدا ولا يجوز: «وصلت إلى حمص ولم» تريد ولم أدخلها. الثاني: أن تختص بالماضي فتقتضي جملتين وجدت ثانيتهما عند وجود أولاهما نحو: لما جاءني أكرمته ويقال فيها حرف وجود لوجود وبعضهم يقول وجوب لوجوب وقيل هي ظرف لفعل وقع لوقوع غيره وقال جماعة: انها ظرف بمعنى حين. الثالث: أن تكون حرف استثناء بمعنى إلا فتدخل على الجملة الاسمية نحو: «إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ» فيمن شدد الميم وعلى الماضي لفظا لا معنى نحو أنشدك الله لما فعلت أي ما أسألك إلا فعلك.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.