الباحث القرآني

* اللغة: (مَرِيدٍ) : عات متجرّد للفساد قال الزجاج: المريد والمارد المرتفع الأملس وقال في القاموس وشرحه: المارد: العاتي المرتفع يقال بناء مارد أي مرتفع وهو مجاز وجمعه مردة وماردون ومرّاد، والمريد: الشديد المرادة والخبيث الشرير وجمعه مرد ومؤنثه مرداء يقال: مرد على جرد أي شبان مرد على خيول جرد. * الإعراب: (يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) يا أداة نداء وأيها منادى نكرة مقصودة مبني على الضم والهاء للتنبيه والناس بدل من أي على اللفظ واتقوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل وإن زلزلة الساعة إن واسمها وشيء خبرها وعظيم صفة لشيء وجملة إن زلزلة الساعة إلخ تعليلية لا محل لها من الإعراب وذلك لقوله اتقوا ربكم. وزلزلة الساعة من إضافة المصدر إلى فاعله أو إلى مفعوله فعلى الأول كأنها هي التي تزلزل الأشياء على المجاز الحكمي وعلى الثاني على طريقة الاتساع في الظرف وإجرائه مجرى المفعول به كقوله تعالى «بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ» . (يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها) الظرف متعلق بتذهل وجملة ترونها مضاف إليها الظرف وأجازوا فيه أوجها أخرى منها أن يكون متعلقا بعظيم أو باذكر مقدرة أو انه بدل اشتمال من زلزلة لأن كلا من الحدث والزمان يصدق عليه انه مشتمل على الآخر والضمير في ترونها عائد على الساعة أي القيامة ولأنها بهذه المثابة التي تقطع نياط القلوب، ويجوز أن يعود على الزلزلة ولعله أقرب لأنه في الدنيا، وتذهل فعل مضارع مرفوع وكل مرضعة فاعل والجملة في محل نصب على الحال من ضمير ترونها أي الهاء فإن الرؤية هنا بصرية حتما هذا إذا لم نجعل يوم متعلقا بتذهل فإن تعلق به لم تجز الحال وصارت الجملة مستأنفة أو أنها حال من الزلزلة أو من الضمير المستتر في عظيم أو من الساعة وان كانت مضافا إليها لأنها إما فاعل واما مفعول به، كما تقدم، ولا بد عندئذ من تقدير ضمير محذوف أي تذهل فيها والمرضعة هي التي باشرت الإرضاع بأن ألقمت الرضيع ثديها والمرضع هي التي من شأنها أن ترضع سواء باشرت الإرضاع أم لم تباشره ففرقوا بينهما بالتاء المربوطة وسيأتي مزيد تفصيل لهذا السر في باب البلاغة وعما أرضعت متعلقان بتذهل وما موصولة أو مصدرية أي عن الذي أرضعته أو عن إرضاعها وتضع كل فعل مضارع وفاعل والجملة معطوفة على جملة تذهل وذات حمل مضاف لكل وحملها مفعول به لتضع والحمل بفتح الحاء المهملة ما كان في بطن أو على شجرة وبالكسرة ما كان على ظهر. (وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) الواو عاطفة وترى فعل مضارع معطوف على ترونها وإنما جمع في الأول وأفرد في الثاني لأن الرؤية الأولى علقت بالزلزلة أو الساعة وكل الناس يرونها أما الثانية فهي متعلقة بكون الناس سكارى فلا بد من جعل كل أحد رائيا للباقي بقطع النظر عن اتصافه بالسكر وفاعل ترى مستتر تقديره أنت والناس مفعول به وسكارى حال والواو للحال وما نافية حجازية وهم اسمها والباء حرف جر زائد وسكارى مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما والجملة في محل نصب على الحال من الناس، ويجوز في سكارى ضم السين وفتحها فهما لغتان وبهما قرىء، ولكن الواو عاطفة على محذوف مخالفة لما بعد لكن وهذا حكم مطرد لها والتقدير كما في البحر لأبي حيان: «فهذه الأحوال وهي الذهول والوضع ورؤية الناس شبه السكارى هينة لينة ولكن عذاب الله شديد أي ليس لينا وسهلا فما بعد لكن مخالف لما قبلها» وسيأتي مزيد بحث لهذه الآية في باب البلاغة. (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لذكر من غفل عن الجزاء في ذلك وكذب به والمناسبة بينها وبين ما تقدم من ذكر أهوال الساعة وزلزلتها واضحة ومن الناس خبر مقدم ومن نكرة موصوفة حتما وهي مبتدأ مؤخر أي ناس موصوفة بالجدل واللجاج والسفسطة والمكابرة لا تنفع فيهم العظات ولا تؤثر فيهم الدلائل وجملة يجادل في الله صفة لمن وأفرد الضمير مراعاة للفظ من ولو جمع مراعاة لمعناها لجاز وفي الله متعلقان بيجادل على حذف مضاف أي قدرته وصفاته ودينه وبغير علم حال من الضمير الفاعل في يجادل أي جاهلا متخبطا في متاهات الضلالة العمياء والجهالة النكراء (وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ) ويتبع عطف على يجادل وكل مفعول به وشيطان مضاف اليه ومريد صفة لشيطان ولا بد من تقدير مضاف أي خطوات كل شيطان. (كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ) كتب فعل ماض مبني للمجهول وعليه متعلقان به وأن وما في حيزها في محل رفع نائب فاعل ومن اسم شرط جازم مبتدأ ويجوز أن تكون من اسم موصول مبتدأ وفأنه الخبر ودخلت الفاء لما في الموصول من رائحة الشرط وجملة يضله خبر انه وجملة الشرط أو الموصول خبر أنه وأجاز الزمخشري أن تكون فأنه معطوفة على الأولى وتعقبه أبو حيان فقال: وهذا لا يجوز لأنك إذا جعلت فأنه عطفا على انه بقيت انه بلا استيفاء خبر على أن كثيرين أيدوا الزمخشري في إعرابه ونرى أن ما اخترناه هو الأقرب للصواب، ويهديه عطف على يضله والى عذاب السعير متعلقان بيهديه. * البلاغة: 1- في قوله تعالى «وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى» تشبيه بليغ فقد شبه الناس في ذلك اليوم العصيب بحالة السكارى الذين فقدوا التمييز وأضاعوا الرشد، والعلماء يقولون: إن من أدلة المجاز صدق نقيضه كقولك زيد حمار إذا وصفته بالبلادة والغباء ثم يصدق أن تقول وما هو بحمار فتنفي عنه الحقيقة فكذلك الآية بعد أن أثبتت السكر المجازي نفى الحقيقة أبلغ نفي مؤكد بالباء والسر في تأكيده التنبيه على أن هذا السكر الذي هو بهم في تلك الحالة ليس من المعهود في شيء وإنما هو أمر لم يعهدوا قبله مثله والاستدراك بقوله «وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ» راجع إلى قوله وما هم بسكارى وكأنه تعليل لاثبات السكر المجازي كأنه قيل: إذا لم يكونوا سكارى من الخمر وهو السكر المعهود فما هذا السكر الغريب؟ وما سببه؟ فقيل شدة عذاب الله تعالى. 2- وفي عدوله عن مرضع إلى مرضعة سرّ قل من يتفطّن له وهو ان المرضعة هي التي باشرت الإرضاع فعلا فنزعها الثدي من فم طفلها عند حدوث الهول، ووقوع الارتباك أدل على الدهشة وأكثر تجسيدا لمواطن الذهول الذي استولى عليها وهناك فرق آخر وهو أن وروده على النسب أي مرضع لا يلاحظ فيه حدوث الصفة المشتق منها ولكن مقتضاه انه موصوف بها وعلى غير النسب أي مرضعة يلاحظ فيه حدوث الفعل وخروج الصفة عليه وهذا من أسرار لغتنا التي تندر في اللغات. وقال في المفصل: «إن مذهب الكوفيين ان حذف التاء من حائض للاستغناء عنها وهذا يوجب إثبات التاء في محل الالتباس كضامر وعاشق وأيم وثيب وعانس» وهذا الاعتراض بيّن، وأما الاعتراض بإثبات التاء في الصفات المختصة بالإناث من امرأة معيبة وكلبة مجرية على ما في الصحاح فليس بسديد لأن ما ذكروه مجوز لا موجب لأنهم يقولون الإتيان بالتاء في صورة الاستغناء على الأصل كحاملة في المرأة قال في الصحاح: يقال امرأة حامل وحاملة إذا كانت حبلى فمن قال حامل قال هذا نعت ومن قال حاملة بناه على حملت فهي حاملة وأنشد لعمرو بن حسان: تمخضت المنون له بيوم ... أتى ولكل حاملة تمام فإذا حملت شيئا على ظهرها أو على رأسها فهي حاملة لا غير.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.