الباحث القرآني

* الإعراب: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ) الواو عاطفة ويستعجلونك فعل مضارع وفاعل ومفعول به وبالعذاب متعلقان بيستعجلونك أي يطلبون عجلتك على سبيل الاستهزاء والواو عاطفة ولن حرف نفي ونصب واستقبال ويخلف فعل مضارع منصوب بلن والله فاعل ووعده مفعول به. (وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) الواو للحال وان واسمها وعند ربك الظرف متعلق بمحذوف حال والكاف خبر إن ومما صفة لسنة وجملة تعدون صلة واقتصر في التشبيه على الألف لأن الألف منتهى العدد بلا تكرار وأيام الشدائد مستطالة على حد قول الشاعر: فقصارهن مع الهموم طويلة ... وطوالهن مع السرور قصار (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ) الواو عاطفة قال الزمخشري في كشافه: «فإن قلت لم عطفت الأولى بالفاء وهذه بالواو؟ قلت الأولى وقعت بدلا من قوله «فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ» وأما هذه فحكمها حكم الجملتين المعطوفتين بالواو أعني قوله «وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ» و «إِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ» وكأين خبرية في محل رفع مبتدأ ومن قرية في محل نصب تمييز كأين وجملة أمليت لها صفة لقرية والواو حالية وهي مبتدأ وظالمة خبر والجملة في محل نصب على الحال ثم أخذتها عطف على أمليت وإليّ الواو عاطفة أو حالية وإليّ خبر مقدم والمصير مبتدأ مؤخر. (قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ) يا حرف نداء وأيها منادى نكرة مقصودة مبني على الضم في محل نصب على النداء والهاء للتنبيه والناس بدل من أي وإنما كافة ومكفوفة وأنا مبتدأ ونذير خبر ومبين صفة. (فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) الفاء تفريعية والذين مبتدأ وجملة آمنوا صلة وعملوا عطف على آمنوا والصالحات مفعول به ولهم خبر مقدم ومغفرة مبتدأ مؤخر ورزق عطف على مغفرة وكريم صفة لرزق وجملة لهم مغفرة خبر الذين. (وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ) الواو عاطفة والذين مبتدأ وجملة سعوا صلة وفي آياتنا متعلقان بسعوا ومعنى السعي في الآيات إفسادها وتزييفها وإبطالها يقال سعيت في أمر فلان إذا أصلحته أو أفسدته بهذا السعي ومعاجزين حال أي مسابقين في زعمهم وتقديرهم قد سولت لهم أنفسهم أنهم يستطيعون إبطالها وصرف الناس عن اتباعها فالمفاعلة لا تخلو من معنى الظن والاعتقاد بالنسبة إليهم، وأولئك مبتدأ وأصحاب الجحيم خبره والجملة خبر الذين. (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة للشروع في تسلية ثانية للنبي صلى الله عليه وسلم، وما نافية وأرسلنا فعل وفاعل ومن قبلك متعلقان بأرسلنا ومن لابتداء الغاية ومن رسول من زائدة ورسول مجرور لفظا منصوب محلا على أنه مفعول به لأرسلنا ولا نبي عطف على من رسول وإلا أداة حصر وإذا ظرف مستقبل وجملة تمنى في محل جر بإضافة الظرف وجملة ألقى الشيطان لا محل لها والجملة الشرطية بعد إلا تحتمل وجوها أرجحها أن تكون في محل جر صفة لرسول على اللفظ والنصب على المعنى ويجوز أن تكون حالا ولك أن تجعل الاستثناء منقطعا فتكون إلا أداة استثناء والجملة نصب على الاستثناء وفي أمنيته متعلقان بألقى وسيأتي معنى هذا الإلقاء وقصة سبب النزول في باب الفوائد، وقد استشكل أبو حيان مجيء جملة ظاهرها الشرط بعد إلا وهو إذا تمنى ألقى، وأجاب عن ذلك بأن إذا جردت للظرفية ولا شرط فيها وفصل بها بين إلا والفعل الذي هو ألقى وهو فصل جائز فيكون إلا قد وليها ماض في التقدير ووجه شرط وهو تقدم فعل قبل إلا وهو أرسلنا قال ابن هشام: والذي يظهر انما هو فيما إذا ولي إلا لفظ الفعل وهذا لم يقع في الآية فلا إشكال ولا حاجة لتأويل إذا بأنها خرجت عن الشرطية. (فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) الفاء استئنافية وينسخ الله فعل مضارع وفاعل وما مفعول به وجملة يلقي الشيطان صلة ثم حرف عطف ويحكم الله فعل وفاعل وآياته مفعول به والله عليم حكيم جملة اعتراضية مؤلفة من مبتدأ وخبريه. (لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ) اللام للتعليل والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة وهي متعلقة بيحكم أي ثم يحكم الله آياته ليجعل ويجوز أن تتعلق بينسخ وما موصولية أو مصدرية وهي على كل حال مفعول به أول وجملة يلقي الشيطان صلة وفتنة مفعول به ثان وللذين صفة لفتنة وفي قلوبهم خبر مقدم ومرض مبتدأ مؤخر والجملة صلة للذين والقاسية عطف على الذين وقلوبهم فاعل القاسية ومن المفيد أن نذكر أن ال في القاسية موصولة والقاسية صفتها وأنثها لأن مرفوعها وهو قلوبهم مؤنث مجازي. (وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ) الواو حالية أو استئنافية وإن واسمها واللام المزحلقة وفي شقاق خبرها وبعيد صفة لشقاق. * الفوائد: أسطورة الغرانيق: نعرض الآن لمسألة شغلت علماء المسلمين في القديم والحديث، واستأثرت باهتمام الكثيرين منهم لخطورتها، وجسامة ما تنطوي عليه من أمور لا يجوز للباحث أن يمرّ بها مرور الراكب العجلان، فهي تمسّ جوهر العقيدة، وتتعلق بعصمة صاحب الرسالة، فإلقاء الكلام على عواهنه فيها من غير تمعن ولا تمحيص لا يجوز بحال وسنعمد إلى سرد الأسطورة على علاتها وكما نقلها المفسرون من غير تفنيد لها أو اثارة للشكوك حولها، وكثر تناقلها حتى أصبحت حديث السمر تروّح به النفس ويزجى بها الفراغ والناس بطبعهم ميالون إلى كل غريب وهذه هي الاسطورة: لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم إعراض قومه عنه، لعيبه أصنامهم وزرايته بآلهتهم، أخذه الضجر من هذا الإعراض، ولحرصه على إسلامهم وتهالكه عليه تمنى أن لا ينزل عليه ما ينفرهم لعله يتخذ ذلك طريقا إلى استمالتهم واستنزالهم عن غيهم وعنادهم فاستمر به ما تمناه حتى نزلت عليه سورة «وَالنَّجْمِ إِذا هَوى» وهو في نادي قومه وذلك التمني في نفسه فأخذ يقرؤها فلما بلغ قوله: «وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى» «أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ» التي تمناها بأن وسوس له بما شيعها به فسبق لسانه على سبيل السهو والغلط إلى أن قال: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى، وروى الغرانقة ولم يفطن له حتى أدركته العصمة فتنبه اليه وقيل نبهه جبريل عليه السلام أو تكلم الشيطان بذلك فأسمعه الناس فلما سجد في آخرها سجد معه جميع من في النادي وطابت نفوسهم وكان تمكين الشيطان من ذلك محنة من الله وابتلاء زاد المنافقون به شكا وظلمة والمؤمنون نورا وإيقانا. وفيما يلي طائفة من أقوال العلماء والمفسرين فقال الرازي ما خلاصته: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، ثم تكلم في أن رواة هذه القصة مطعونون وأيضا فقد روى البخاري في صحيحه أنه عليه الصلاة والسلام قرأ سورة النجم وسجد معه المسلمون والمشركون والانس والجن وليس فيه حديث الغرانيق بل روي هذا الحديث من طرق كثيرة وليس فيها البتة حديث الغرانيق ولا شك أن من جوز على الرسول تعظيم الأوثان فقد كفر لأن من المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه كان في نفي الأوثان ولو جوّزنا ذلك ارتفع الأمان عن شرعه وجوزنا في كل واحد من الأحكام والشرائع أن يكون كذلك أي مما ألقاه الشيطان على لسانه ويبطل قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ» فانه لا فرق في العقل بين النقصان من الوحي وبين الزيادة فيه فبهذه الوجوه النقلية والعقلية عرفنا على سبيل الإجمال أن هذه القصة موضوعة وقد قيل: إن هذه القصة من وضع الزنادقة لا أصل لها. اهـ كلام الرازي. أما شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني شارح البخاري فقد نبه في فتح الباري على البخاري على ثبوت أصلها وقال سامحه الله: «أخرج ابن أبي حاتم والطبري وابن المنذر من طرق عن شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة والنجم فلما بلغ: «أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى» ألقى الشيطان على لسانه: «تلك الغرانيق العلى وان شفاعتهن لترتجى» فقال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم فلما ختم السورة سجد وسجدوا فكبر ذلك على النبي فنزل تسلية له «وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ» أي في قراءته بين كلماته. وأخرجه البزار وابن مردويه من طريق أمية بن خالد عن شعبة فقال في إسناده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فيما أحسب ثم ساق الحديث المذكور وقال البزار: لا يروى إلا متصلا بهذا الاسناد وتفرد بوصله أمية بن خالد وهو ثقة مشهور. وأوردها الطبري من طريق العوفي عن ابن عباس. ومعناهم كلهم في ذلك واحد وكل من طرقها سوى طريق سعيد بن جبير إما ضعيف وإما منقطع ولكن كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلا مع أن لها طريقين آخرين مرسلين رجالهما على شرط الصحيح، أحدهما ما أخرجه الطبري عن طريق يونس بن زيد عن ابن شهاب، حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فذكر نحوه، والثاني ما أخرجه من طريق المعتمر بن سليمان وحماد بن سلمة كلاهما عن داود بن أبي هند عن أبي العالية. وقال ابن حجر العسقلاني في معرض رده على القاضي أبي بكر ابن العربي: «وقد تجرأ ابن العربي كعادته فقال: ذكر الطبري في ذلك روايات كثيرة لا أصل لها وهو إطلاق مردود عليه وكذا قول القاضي عياض: هذا الحديث لم يخرجه أهل الصحة ولا رواة ثقة بسند سليم متصل مع ضعف نقلته واضطراب رواياته وانقطاع أسانيده وكذا قول عياض أيضا: ومن حكيت عنه هذه القصة من التابعين والمفسرين لم يسندها أحد منهم ولا رفعها إلى صحابي وأكثر الطرق عنهم في ذلك ضعيفة واهية فهذا مردود أيضا. وتتمة كلام القاضي عياض تدل على مدى تحرره من غائلة التقليد ومحاولته تمحيص الحقائق قال: «وقد بين البزاز أن الحديث لا يعرف طريق يجوز ذكره إلا من طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير مع الشك الذي وقع في وصله وأما الكلبي فلا تجوز الرواية عنه لقوة ضعفه ثم رده من طريق النظر بأن ذلك لو وقع لارتد كثير ممن أسلم قال: ولم ينقل ذلك» . قال الحافظ بن حجر: «وجميع ذلك لا يتمشى مع قواعد المحدثين فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دلّ ذلك على أن لها أصلا وقد ذكرنا أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتجّ بالمرسل وكذا من لا يحتجّ به لاعتضاد بعضها ببعض وإذا تقرر ذلك تعين تأويل ما وقع فيها مما يستنكر وهو قوله: ألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلا وان شفاعتهن لترتجى، فإن ذلك لا يجوز حمله على ظاهره لأنه يستحيل عليه صلى الله عليه وسلم أن يزيد في القرآن عمدا ما ليس فيه وكذا سهوا إذ كان مغايرا لما جاء به من التوحيد لمكان عصمته» ومضى قائلا: «وقد سلك العلماء في ذلك التأويل مسالك نحو السبعة فقيل جرى ذلك على لسانه حين أصابته سنة من النوم وهو لا يشعر فلما أعلمه الله بذلك أحكم آياته وهذا أخرجه الطبري عن قتادة» . ورد القاضي عياض بأنه لا يصح لكونه لا يجوز على النبي ذلك ولا ولاية للشيطان عليه في النوم. وقيل: ان الشيطان ألجأه إلى أن قال ذلك بغير اختيار. ورده ابن العربي بقوله تعالى حكاية عن الشيطان «وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ ... الآية» قال: فلو كان للشيطان قوة على ذلك لما بقي لأحد قوة على طاعة. وقيل: ان المشركين كانوا إذا ذكروا آلهتهم وصفوها بذلك فعلق ذلك بحفظه صلى الله عليه وسلم فجرى على لسانه سهوا. وقد رد القاضي عياض ذلك فأجاد. وقيل: لعله قال ذلك توبيخا للكفار، قال القاضي عياض وهذا جائز إذا كان هناك قرينة تدل على المراد ولا سيما وقد كان الكلام في ذلك الوقت في الصلاة جائزا والى هذا نحا الباقلاني. وقيل: انه لما وصل إلى قوله «وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى» خشي المشركون أن يأتي بعدها بشيء يذم آلهتهم به كعادته إذا ذكرها فبادروا إلى ذلك الكلام فخلطوه في تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم على عادتهم في قولهم: «لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ» أي أظهروا اللغو برفع الأصوات تخليطا وتشويشا عليه ونسب ذلك إلى الشيطان لكونه الحامل لهم عليه أو المراد بالشيطان شيطان الانس. وقيل: المراد بالغرانيق العلا الملائكة وكان الكفار يقولون: الملائكة بنات الله ويعبدونها فنسق ذكر الكل ليرد عليهم بقوله «أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى» فلما سمعه المشركون حملوه على الجميع وقالوا قد عظم آلهتنا ورضوا بذلك فنسخ تينك الكلمتين وهما قوله: تلك الغرانيق العلا، وان شفاعتهن لترتجى وأحكم آياته. وقيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم يرتل القرآن فترصّده الشيطان في سكتة من السكتات ونطق بتلك الكلمات محاكيا صوت النبي صلى الله عليه وسلم بحيث سمعه من دنا اليه فظنها من قول النبي وأشاعها. قال القاضي عياض وهذا أحسن الوجوه وهو الذي يظهر ترجيحه ويؤيده ما روي عن ابن عباس في تفسير تمنى بتلا وكذا استحسن ابن العربي هذا التأويل وقال: معنى قوله في أمنيته أي في تلاوته فأخبر تعالى في هذه الآية أن سنة الله في رسله إذا قالوا قولا زاد الشيطان فيه من قبل نفسه فهذا نصّ في أن الشيطان زاد في قول النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله لأنه معصوم. قال في فتح الباري: «وقد سبق إلى ذلك الطبري مع جلالة قدره وسعة علمه وشدة ساعده في النظر فصوب هذا المعنى» اهـ. ما ما ورد في صحيح البخاري بصدد هذه القصة فهو: «وقال ابن عباس في «إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ» إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه فيبطل الله ما يلقي الشيطان ويحكم الله آياته، ويقال أمنيته قراءته «الأماني يقرءون ولا يكتبون» فتراه حكى تفسير الأمنية بالقراءة بلفظ يقال بعد ما فسرها في الحديث رواية عن ابن عباس، وهذا يدل على المغايرة بين التفسيرين، فما يدعيه الشراح أن الحديث في رأي ابن عباس بمعنى التلاوة يخالف ظاهر العبارة، ثم حكايته تفسير الامنية بمعنى القراءة بلفظ يقال يفيد انه غير معتبر عنده وسيأتي ان المراد بالحديث حديث النفس. وقال القسطلاني في شرح البخاري: «وقد طعن في هذه القصة غير واحد من الأئمة حتى قال ابن اسحق وقد سئل عنها: هي من وضع الزنادقة» وكفى في انكار حديث أن يقول فيه ابن اسحق أنه من وضع الزنادقة مع حال ابن اسحق المعرفة عند المحدثين. وهذا نص ما قاله القاضي عياض: «والذي ورد في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ والنجم» وهو بمكة فسجد معه المسلمون والمشركون والجن والانس وقد يكون ذلك لبلاغة السورة وشدة قرعها وعظم وقعها» ثم قال القاضي: «قد قامت الحجة وأجمعت الأمة على عصمته صلى الله عليه وسلم ونزاهته عن هذه الرذيلة» . أما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا من مدح آلهة غير الله وهو كفر أو أن يتسوّد عليه الشيطان ويشبه عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه ويعتقد النبي صلى الله عليه وسلم أن من القرآن ما ليس منه وحتى يفهمه جبريل عليه السلام وذلك كله ممتنع في حقه صلى الله عليه وسلم أو يقول ذلك النبي صلى الله عليه وسلم من قبل نفسه عمدا وذلك كفرا وسهوا وهو معصوم من هذا كله وقد قررنا بالبراهين والإجماع عصمته صلى الله عليه وسلم من جريان الكفر على لسانه أو قلبه لا عمدا ولا سهوا أو أن يشتبه عليه ما يلقيه الملك بما يلقي الشيطان أو يكون للشيطان عليه سبيل، أو أن يتقول على الله- لا عمدا ولا سهوا- ما لم ينزل عليه وقد قال الله تعالى: «وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ» وقال «إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً» . ووجه ثان وهو استحالة هذه القصة نظرا وعرفا وذلك أن هذا الكلام لو كان كما روي لكان بعيد الالتئام متناقض الأقسام ممتزج المدح بالذم، متخاذل التأليف والنظم ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم ومن بحضرته من المسلمين، وصناديد المشركين ممن يخفى عليه ذلك وهذا لا يخفى على أدنى متأمل فكيف بمن رجح حلمه واتسع في باب البيان ومعرفة فصيح الكلام علمه. ووجه ثالث انه علم من عادة المنافقين، ومعاندة المشركين، وضعفة القلوب والجهلة من المسلمين نفورهم لأول وهلة وتخليط العدو على النبي صلى الله عليه وسلم لأقل فتنة، وتعييرهم المسلمين والشماتة بهم الفينة بعد الفينة، وارتداد من في قلبه مرض ممن أظهر الإسلام لأدنى شبهة، ولم يحك أحد في هذه القصة شيئا سوى هذه الرواية الضعيفة الأصل، ولو كان ذلك لوجدت قريش بها على المسلمين الصولة، ولأقامت اليهود عليهم الحجة، كما فعلوا مكابرة في قصة الإسراء، ولا فتنة أعظم من هذه البلية لو وجدت، ولا تشغيب للمعادي حينئذ أشد من هذه الحادثة لو أمكنت، وما ورد عن معاند فيها كلمة ولا عن مسلم بسببها بنت شفة فدل على بطلها، واجتثاث أصلها، ولا شك في إدخال بعض شياطين الانس والجن هذا الحديث على بعض مغفلي المحدثين، ليلبس به على بعض ضعفاء المسلمين. ووجه رابع: ذكر الرواة لهذه القصة أن فيها نزلت: «وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ» الآيتان، هاتان الآيتان تردّان الخبر الذي رووه لأن الله تعالى ذكر أنهم كادوا يفتنونه حتى يفتري ولولا أن ثبته لكاد يركن إليهم شيئا قليلا، فمضمون هذا ومفهومه أن الله عصمه من أن يفتري وثبته حتى لم يركن إليهم قليلا فكيف كثيرا وهم يروون في أخبارهم الواهية أنه زاد على الركون والافتراء بمدح آلهتهم وانه صلى الله عليه وسلم قال: افتريت على الله وقلت ما لم يقل وهي تضعف الحديث لو صح فكيف ولا صحة له؟ وهذا مثل قوله تعالى في الآية الأخرى: «وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ» قال القشيري: ولقد طالبته قريش وثقيف إذ مرّ بآلهتهم أن يقبل بوجهه إليها ووعدوه الإيمان به إن فعل فما فعل ولا كان ليفعل، قال ابن الانباري: «ما قارب الرسول ولا ركن» . أما ما ذكره ابن حجر من أن القصة رويت مرسلة من ثلاث طرق على شرط الصحيح وانه يحتج بها إلخ ما سبق فقد ذهب عليه أن العصمة من العقائد التي يطلب فيها اليقين فالحديث الذي يفيد خرمها ونقضها لا يقبل على أي وجه جاء وقد عد الأصوليون الخبر الذي يكون على تلك الصفة من الأخبار التي يجب القطع بكذبها، هذا لو فرض اتصال الحديث فما ظنك بالمراسيل؟ وانما الخلاف في الاحتجاج بالمرسل وعدم الاحتجاج به فيما هو من قبيل الأعمال وفروع الأحكام لا في أصول العقائد ومعاقد الإيمان بالرسل وما جاءوا به فهي هفوة من ابن حجر يغفرها الله له. وقد استغل بروكلمان المستشرق الألماني الشهير هذه الرواية فنقلها بأمانة واعتبرها من المسائل المفروغ من إثباتها وذلك في كتابه «تاريخ الشعوب الاسلامية» الذي أخرجه للناس عام 1939 للميلاد فقال في الحديث عن محمد: «ولكنه على ما يظهر اعترف في السنوات الأولى من بعثته بآلهة الكعبة الثلاث اللواتي كان مواطنوه يعتبرونها بنات الله ولقد أشار إليهن في احدى الآيات الموحاة اليه بقوله: تلك الغرانيق العلى، وان شفاعتهن ترتجى، أما بعد ذلك حين قوي شعور النبي بالوحدانية فلم يعترف بغير الملائكة شفعاء عند الله، وجاءت السورة الثالثة والخمسون وفيها إنكار لأن تكون الآلهة الثلاث بنات الله، ولم يستطع التقليد المتأخر أن يعتبر ذلك التسليم إلا تحولا أغراه به الشيطان ولذلك أرجئت حوادثه إلى أشد الأوقات ضيقا في مكة ثم ما لبث أن أنكره وتبرأ منه في اليوم التالي» هذا ما ذكره بروكلمان وهو ينضح بالتعصب وينادي على نفسه بالافتئات ولم يقتصر الأمر على بروكلمان وحده فكثير من المبشرين وبعض المستشرقين تشبثوا بهذه الرواية وزعموا أن الرسول فعل ذلك لما قاومه المشركون بمكة فأحب أن يتقرب منهم فمدح آلهتهم ثم عدوا عمله هذا تراخيا عن تشدده في التوحيد ومهاجمة الأصنام، هذا وقد تصدى لهم كثيرون من علماء المسلمين في العصر الحديث ففندوا افتراءاتهم وطوحوا بأراجيفهم، وحسبنا أن نلمع إلى اثنين من كبار هؤلاء العلماء ملخصين ما قالاه ضاربين صفحا عن التطويل فيما لا يتفق مع منهاج الكتاب. خلاصة ما كتبه العالم الهندي محمد علي: «إن هذه الرواية وردت عند الواقدي وعند الطبري ومع ذلك فانها لا ظل لها من الحقيقة فإن كل عمل من أعمال رسول الله مناقض لمثل هذا الاتجاه، أضف إلى ذلك أن الواقدي معروف بسرد الاسرائيليات وبسرد الخرافات وكذلك الطبري معروف بالجمع الكثير واستقصاء الروايات مهما كان حظها من الصحة، على أننا لو رجعنا إلى رواية محمد ابن اسحق أو إلى صحيح البخاري وهو الذي لم يغادر من حياة الرسول شيئا إلا ذكره لم نر لقصة الغرانيق أثرا وابن اسحق جاء قبل الواقدي بأربعين سنة وقبل الطبري بنحو مائة وخمسين سنة أو تزيد، أما البخاري فقد كان معاصرا للواقدي ومع ذلك لم يذكر هذه القصة ثم ان الواقدي معروف عند المحدثين بأنه يضع الأحاديث وانه غير ثقة فيما يروي وكذلك لم يذكرها أحد من رواة الحديث. وإذا عدنا إلى قراءة الآيات نفسها بالتسلسل وجدناها: «أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى، أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى؟ تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى، إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ، إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ، وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى» فليس من المعقول أن تحشر بين هذه الآيات المتتالية آية مناقضة لها في أصل العقيدة الاسلامية وصلب دعوة محمد صلى الله عليه وسلم وهنا لك تفاصيل كثيرة في نقض هذه الرواية لا جدوى من ذكرها» . هذا ما ذكره العالم الهندي مولانا محمد علي وهو كاف في الرد على هؤلاء المستشرقين الذين ينظرون إلى نبوة محمد نظرة مادية مجردة من الإيحاء الإلهي وما ذلك إلا من قبيل التعصب الديني المبني على عداء سياسي انهم ينكرون أن يكون محمد ذا نبوة صحيحة بينما هم يقرون بهذه النبوة نفسها لجميع أنبياء بني إسرائيل. خلاصة البحث الجليل الذي كتبه الامام محمد عبده: والآن آن لنا أن نلخص البحث الممتع الذي كتبه الامام الشيخ محمد عبده وفيه قطعت جهيزة قول كل خطيب: «لا يخفى على كل من يفهم العربية وقرأ شيئا من القرآن أن قوله تعالى «وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ ... الآيات» يحكي قدرا قدر للمرسلين كافة لا يعدونه ولا يقفون دونه ويصف شنشنة عرفت فيهم وفي أممهم فلو صح ما قال أولئك المفسرون لكان المعنى أن جميع الأنبياء والمرسلين قد سلط الشيطان عليهم فخلط في الوحي المنزل إليهم ولكنه بعد هذا الخلط ينسخ الله كلام الشيطان ويحكم الله آياته وهذا من أقبح ما يتصور متصور في اختصاص الله تعالى لأنبيائه واختيارهم من خاصة أوليائه فلندع هذا الهذيان ولنعد إلى ما نحن بصدده» وبعد أن أفاض الأستاذ الامام في ذكر الله لنبيه أحوال الأنبياء والمرسلين قبله ليبين له سنته فيهم وانه لم يبعث واحد منهم في أمة إلا كان له خصوم يؤذونه بالتأويل والتحريف قال «فعلى هذا المعنى الذي يتفق مع ما لقيه الأنبياء جميعا يجب أن تفسر الآية وذلك يكون على وجهين: الأول: أن يكون تمنى بمعنى قرأ والأمنية بمعنى القراءة وهو معنى قد يصح وقد ورد استعمال اللفظ فيه قال حسان بن ثابت في عثمان رضي الله عنهما: تمنى كتاب الله أول ليلة ... وآخره لاقى حمام المقادر غير أن الإلقاء لا يكون على المعنى الذي ذكروه بل على المعنى المفهوم من قولك: ألقيت في حديث فلان إذا أدخلت فيه ما ربما يحتمله لفظه ولا يكون قد أراده أو نسبت اليه ما لم يقله تعللا بأن ذلك الحديث المذكور يؤدي اليه وذلك من عمل المعاجزين الذين ينصبون أنفسهم لمحاربة الحق، يتبعون الشبهة، ويسعون وراء الريبة، فالإلقاء بهذا المعنى دأبهم ونسبة الإلقاء إلى الشيطان لأنه مثير الشبهات بوساوسه مفسد القلوب بدسائسه، وكل ما يصدر من أهل الضلال ينسب اليه ويكون المعنى: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا حدث قومه عن ربه أو تلا وحيا أنزل اليه فيه هدى لهم قام في وجهه مشاغبون يحولون ما يتلوه عليهم عن المراد منه ويتقولون عليه ما لم يقله، وينشرون ذلك بين الناس ليبعدوهم عنه ويعدلوا بهم عن سبيله ثم يحق الله الحق ويبطل الباطل، ولا زال الأنبياء يصبرون على ما كذبوا وأوذوا ويجاهدون في الحق ولا يعتدون بتعجيز المعجزين ولا بهزء المستهزئين إلى أن يظهر الحق بالمجاهدة، وينتصر على الباطل بالمجالدة فينسخ الله تلك الشبهة ويجتثها من أصولها ويثبت آياته ويقررها وقد وضع الله هذه السنة في الناس ليتميز الخبيث من الطيب فيفتتن الذين في قلوبهم مرض وهم ضعفاء العقول بتلك الشبه والوساوس فينطلقون وراءها ويفتتن بها القاسية قلوبهم من أهل العناد والمجاحدة فيتخذونها سندا يعتمدون عليه في جدلهم ثم يتمحص الحق عند الذين أوتوا العلم، ويخلص لهم بعد ورود كل شبهة عليه فيعلموا انه الحق من ربك فيصدقوا به فتخبت وتطمئن قلوبهم والذين أوتوا العلم هم الذين رزقوا قوة التمييز بين البرهان القاطع الذي يستقر بالعقل في قرارة اليقين وبين المغالطات وضروب السفسطة التي تطيش بالفهم، وتطير به مع الوهم، وتأخذ بالعقل تارة ذات الشمال وأخرى ذات اليمين. الثاني: ان التمني على معناه المعروف وكذلك الأمنية وهي أفعولة بمعنى المنية وجمعها أماني كما هو مشهور وقال أبو العباس أحمد بن يحيى: التمني حديث النفس بما يكون وبما لا يكون والتمني سؤال الرب وفي الحديث: «إذا تمنى أحدكم فليتكثر فإنما يسأل ربه» وفي رواية فليكثر، قال ابن الأثير: التمني تشهي حصول الأمر المرغوب فيه وحديث النفس بما يكون وما لا يكون. وقال أبو بكر: تمنيت الشيء إذا قدرته وأحببت أن يصير لي، وكل ما قيل في معنى التمني على هذا الوجه فهو يرجع إلى ما ذكرنا ويتبعه معنى الأمنية. ما أرسل الله من رسول ولا نبي ليدعو قوما إلى هدى جديد أو شرع سابق شرعه لهم ويحملهم على التصديق بكتاب جاء به نفسه إن كان رسولا أو جاء به عيره ان كان نبيا بعث ليحمل الناس على اتباع من سبقه إلا وله أمنية في قومه وهي أن يتبعوه وينحازوا إلى ما يدعوهم اليه وما يستشفوا من دائهم بدوائه، ويعصوا أهواءهم بإجابة ندائه، وما من رسول أرسل إلا وقد كان أحرص على إيمان أمته وتصديقهم برسالته منه على طعامه الذي يطعم وشرابه الذي يشرب وسكنه الذي يسكن اليه ويغدو عنه ويروح عليه وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم من ذلك في المقام الأعلى والمكان الأسمى قال الله تعالى: «فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً» وقال: «وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين» وقال: «أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين» وفي الآيات مما يطول سرده مما يدل على أمانيه صلى الله عليه وسلم المتعلقة بهداية قومه وإخراجهم من ظلمات ما كانوا فيه إلى نور ما جاء به، وما من رسول ولا نبي إذا تمنى هذه الأمنية السامية إلا ألقى الشيطان في سبيله العثرات وأقام بينه وبين مقصده العقبات ووسوس في صدور الناس وسلبهم الانتفاع بما وهبوا من قوة العقل والإحساس فثاروا في وجهه وصدوه عن قصده وعاجزوه حتى لقد يعجزونه، وجادلوه بالقول والسلاح حتى لقد يقهرونه، فإذا ظهروا عليه والدعوة في بدايتها وسهل عليهم إيذاؤه وهو قليل الأتباع ضعيف الأنصار ظنوا الحق من جانبهم وكان فيما ألقوه من العوائق بينه وبين ما عمد اليه فتنة لهم، غلبت سنة الله في أن يكون الرسل من أواسط قومهم أو من المستضعفين فيهم ليكون العامل في الإذعان بالحق محض الدليل، وقوة البرهان، وليكون الاختيار المطلق هو الحامل لمن يدعى اليه على قبوله ولكيلا يشارك الحق الباطل في رسائله ويشاركه في نصب شراكه وحبائله أنصار الباطل في كل زمان، هم أهل القوة والأنفة والجاه والاعتزاز بالأموال والأولاد والعشيرة والأعوان والغرور بالزخارف، والزهو بكثرة المعارف، وتلك الخصال انما تجتمع كلها أو بعضها في الرؤساء وذوي المكانة من الناس فتذهلهم عن أنفسهم وتصرف نظرهم عن سبيل رشدهم، فإذا دعا إلى الحق داع عرفته القلوب النقية من أوضار هذه الفواتن، وفزعت اليه النفوس الصافية والعقول المستعدة لقبوله بخلوصها من هذه الشواغل، وقلما توجد الا عند الضعفاء وأهل المسكنة فإذا التف هؤلاء حول الداعي، وظاهروه على دعوته قام أولئك المغرورون يقولون: «ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين» فإذا استدرجهم الله على سنته وجعل الجدال بينهم وبين المؤمنين سجالا افتتن الذين في قلوبهم مرض من أشياعهم، وافتتنوا بما أصابوا من الظفر في دفاعهم ولكن الله غالب على أمره فيمحق ما ألقاه الشيطان من هذه الشبهات ويرفع هذه الموانع وتلك العقبات ويهب السلطان لآياته فيحكمها ويثبت دعائمها وينشىء من ضعف أنصارها قوة، ويخلف لهم من ذلهم عزة وتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الشيطان هي السفلى «فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض» . خاتمة هامة للأستاذ الامام: «ولو صح ما قاله نقلة قصة الغرانيق لارتفعت الثقة بالوحي وانتقض الاعتماد عليه كما قاله البيضاوي وغيره ولكان الكلام في الناسخ كالكلام في المنسوخ يجوز أن يلقي الشيطان فيه ما يشاء ولا نهدم أعظم ركن للشرائع الإلهية وهو العصمة وما يقال من المخرج في ذلك ينفر منه الذوق ولا ينظر اليه العقل على أن وصف العرب لآلهتهم بأنها الغرانيق العلى لم يردلا في نظمهم ولا في خطبهم ولم ينقل عن أحد أن ذلك الوصف كان جاريا على ألسنتهم إلا ما جاء في معجم ياقوت غير مسند ولا معروف بطريق صحيح وهذا يدل على أن القصة من اختراع الزنادقة كما قال ابن اسحق وربما كانت منشأ ما أورده ياقوت ولا يخفى أن الغرنوق والغرنيق لم يعرف في اللغة إلا اسما لطائر مائي أسود أو أبيض أو هو اسم الكركي أو طائر يشبهه، والغرنيق بالضم كزنبور وقنديل وسموءل وفردوس وقرطاس وعلابط معناه الشاب الأبيض الجميل وتسمى الخصلة من الشعر المفتلة الغرنوق كما يسمى به ضرب من الشجر ويطلق الغرنوق والغرانق على ما يكون في أصل العوسج اللين النبات ولا يقال لمة غرانقة وغرانقية أي ناعمة تضيئها الريح أو الغرنوق الناعم المستتر من النبات إلخ ولا شيء من هذه المعاني يلائم الإلهام والأصنام حتى يطلق عليها في فصيح القول الذي يعرض على ملوك البلاغة وأمراء الكلام فلا أظنك تعتقد إلا أنها من مفتريات الأعاجم ومختلقات الملبسين ممن لا يميز بين حر الكلام، وما استعبد منه لضعفاء الأحلام، فراج ذلك على من يذهله الولوع بالرواية، عما تقتضيه الدراية، «ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة انك أنت الوهاب» .
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.