الباحث القرآني

* اللغة: (الزَّانِيَةُ) : بنية الزّنا والزناء بالمد والقصر، قال الفرزدق: أبا خالد من يزن يعلم زناؤه ... ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكّرا قال الفراء: المقصور من زنى والممدود من زانى، يقال زاناها مزاناة وزناء، وخرجت فلانة تزاني وتباغي وقد زنى بها، وجمع بين الزّناة والزواني وزنّاه تزنية: نسبه إلى الزنا وهو ولد زنية بفتح الزاي وكسرها. (رَأْفَةٌ) : في المختار: «والرأفة أشد الرحمة وقد رؤف بالضم رافة ورأف به يرأف مثل قطع يقطع ورئف به من باب طرب كله من كلام العرب فهو رءوف على فعول» . * الإعراب: (سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) سورة خبر لمبتدأ محذوف أي هذه سورة أو مبتدأ والخبر محذوف أي فيما أوحينا إليك سورة، وساغ الابتداء بالنكرة لأنها وصفت بجملة أنزلناها، وفرضناها عطف على أنزلناها وأنزلنا عطف أيضا وفيها متعلقان بأنزلنا وآيات مفعول به وبينات صفة لآيات، ولعل واسمها وجملة تذكرون خبرها وجملة لعلكم تذكرون حال. (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ) جملة مستأنفة مسوقة للشروع في تفصيل ما ذكر من الآيات البينات. والزانية والزاني في رفعهما وجهان: أحدهما مذهب سيبويه أنه مبتدأ خبره محذوف أي فيما يتلى عليكم حكم الزانية، وثانيهما مذهب الأخفش وغيره بأنه مبتدأ والخبر جملة الأمر ودخلت الفاء لشبه المبتدأ بالشرط وقد تقدم الكلام على هذه المسألة مستوفى عند قوله «والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما» فجدد به عهدا وسيأتي في باب الفوائد مزيد من هذا البحث. وانما قدم الزانية على الزاني لأنها الأصل في الفعل لكون الداعية إليها أوفر ولولا تمكينها منه لم يقع وقد عكس الأمر في آية حد السرقة فقدم السارق على السارقة لأن الزنا يتولد بشهوة الوقاع وهي في المرأة أقوى وأكثر، والسرقة انما تتولد من الجسارة والقوة والجرأة وهي في الرجل أقوى وأكثر. فاجلدوا الفاء رابطة لأن الألف واللام بمعنى الذي والموصول فيه رائحة من الشرط أي التي زنت والذي زنى فاجلدوهما كما تقول من زنى فاجلدوه، واجلدوا فعل أمر وفاعل وكل واحد مفعول به ومنهما صفة لواحد ومائة جلدة نائب مفعول مطلق لأن المفعول المطلق ينوب عنه عدده أي ضربة، يقال جلده: ضرب جلده. (وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ) الواو عاطفة ولا ناهية وتأخذكم فعل مضارع مجزوم بلا الناهية والفاعل مستتر تقديره أنت وبهما متعلقان بتأخذكم ورأفة فاعل وفي دين الله متعلقان بتأخذكم أيضا. (إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) إن شرطية وكنتم فعل ماض ناقص والتاء اسمها وهو في محل جزم فعل الشرط وجملة تؤمنون بالله واليوم الآخر خبر كنتم وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله أي فلا تأخذكم بهما رأفة في دين الله وحكمه، والمراد بالشرط التهيج وإثارة الحفائظ على الزناة والغضب لله ولدينه. وسيأتي في باب البلاغة المزيد من القول في هذه الآية. (وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) الواو عاطفة واللام لام الأمر ويشهد فعل مضارع مجزوم باللام وعذابهما مفعول به مقدم وطائفة فاعل مؤخر ومن المؤمنين صفة لطائفة. وسيأتي القول عن المراد فيها. (الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً) جملة مستأنفة مسوقه لبيان أن الفاسق الخبيث الذي جعل الزنا ديدنه وهجيراه لا يرغب في نكاح الصوالح ذوات الصون والعفاف وكذلك شأن الفاسقة الخبيثة تأبى إلا الارتطام في مستوبل الأقذار. والزاني مبتدأ وجملة لا ينكح خبر وإلا أداة حصر، وسيأتي سر القصر في باب البلاغة. وزانية مفعول به وأو حرف عطف ومشركة عطف على زانية. (وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ) جملة معطوفة على سابقتها ومثيلتها في الاعراب وزان فاعل حذفت ياؤه لأنه اسم منقوص تحذف ياؤه في حالة التنوين رفعا وجرا وتثبت نصبا. (وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لبيان حكم المتشبهين بالفساق والمستهدفين لسوء القالة والطعن وسيأتي القول في سر التحريم في باب الفوائد. (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ) الواو استئنافية مسوقة لبيان نوع آخر من حدود الزنا، والذين مبتدأ سيأتي له ثلاثة أخبار وجملة يرمون صلة الموصول والمحصنات مفعول به ثم لم يأتوا عطف على يرمون وبأربعة متعلقان بيأتوا وشهداء مضاف اليه جر بالفتحة لمنعه من الصرف لمكان ألف التأنيث منه. (فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ) الفاء رابطة لجواب الموصول المتضمن معنى الشرط واجلدوهم فعل أمر وفاعل ومفعول به وجملة فاجلدوهم خبر أول للذين وثمانين مفعول مطلق وجلدة تمييز، ولا تقبلوا عطف على فاجلدوهم وهي بمثابة الخبر الثاني للذين ولهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال لأنه كان في الأصل صفة لشهادة وأبدا ظرف متعلق بتقبلوا وأولئك الواو عاطفة وأولئك مبتدأ وهم ضمير فصل أو خبر ثان والفاسقون خبر أولئك أو خبر هم والجملة بمثابة الخبر الثالث للذين. (إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) إلا أداة استثناء والذين مستثنى من الفاسقين واختلف في هذا الاستثناء فقيل هو متصل لأن المستثنى منه في الحقيقة الذين يرمون والتائبون من جملتهم لكنهم مخرجون من الحكم وهذا شأن المتصل، وقيل هو منقطع لأنه لم يقصد إخراجه من الحكم السابق بل قصد إثبات أمر آخر له وهو أن التائب لا يبقى فاسقا ولأنه غير داخل في صدر الكلام لأنه غير فاسق وجملة تابوا صلة الموصول، ومن بعد ذلك متعلقان بتابوا، وأصلحوا عطف على تابوا، فإن الفاء تعليلية لما سبق وإن واسمها وغفور خبرها الاول ورحيم خبرها الثاني. * البلاغة: 1- الإيجاز بالحذف: في قوله تعالى «سُورَةٌ أَنْزَلْناها» إيجاز بالحذف وهو كما يراه عبد القاهر الجرجاني باب دقيق المسلك، لطيف المأخذ، عجيب الأمر، شبيه بالسحر فإنك ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر، والصمت عن الافادة أزيد للافادة وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق وأتم ما تكون بيانا إذا لم تبن، ولكن عبد القاهر لم يصب كبد الحقيقة عند ما أردف يقول: «ما من اسم حذف في الحالة التي ينبغي أن يحذف فيها إلا وحذفه أحسن من ذكره» ووجه عدم إصابته أن الذي ذكره لا يأتي في كل مبتدأ وإنما يحسن في مبتدأ خبره وصف يقتضي المدح أو القدح وتقبل المبالغة فيه وتكون تلك المبالغة تفيد الموصوف معنى، وفي المبتدءات ما هو بخلاف ذلك فان قولنا «زيد قائم» لا نجد في وصف زيد بالقيام خصوصية يمتاز بها زيد عن غيره فان القيام يوصف به كل أحد إذا أريد به ضد القعود ولا يقبل المبالغة، وليس هو من صفات المدح ولا من صفات الذم ولا هو مما يبلغ به الموصوف إلى انه استحق الوصف به دون غيره، فإن كان القاضي، رحمه الله، أراد مبتدأ مخصوصا فيحتمل، وإن كان أطلق فالأمر مشكل والسبب فيما ذكر من حذفه غير معلوم. ثم يعرض عبد القاهر أمثلة من الشعر الجيد لأبيات حذف المبتدأ فيها كقول الشاعر: سأشكر عمرا إن تراخت منيتي ... أيادي لم تمنن وإن هي جلّت فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت والأصل: هو فتى. 2- النهي والشرط للتهييج: المقصود من النهي في قوله «ولا تأخذكم» والشرط في قوله «إن كنتم تؤمنون إلخ» التهييج وإثارة الغضب وإلهاب الحفاظ على دين الله، وإن على المؤمنين الحراص على الاتسام بهذه السمة المشرقة أن يتصلبوا في دينهم وأن لا تأخذهم هوادة أو لين في تنفيذ ما أمرهم الله به لاستيفاء حدوده، وقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم المثل بنفسه وابنته فقال: «لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها» . 3- الحصر بإلا: ظاهر النظم يوحي بأن الزاني لا ينكح المؤمنة العفيفة وأن الزانية لا ينكحها المؤمن التقي، ولما كان ذلك غير ظاهر الصحة كان لا بد من حمل الاخبار على الأعم الأغلب كما لا يفعل الخير إلا الرجل التقي وقد يفعل الخير من ليس بتقي. 4- استعار الرمي للشتم بفاحشة الزنا لكونه جناية بالقول كما قال النابغة: وجرح اللسان كجرح اليد ويسمى الشتم بهذه الفاحشة قذفا، والمراد بالمحصنات النساء، وخصصهن بالذكر لأن قذفهن أشنع والعار فيهن أعظم، ويلحق الرجال بالنساء في هذا الحكم بلا خلاف بين علماء هذه الأمة. * الفوائد: 1- قوله تعالى «الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا» الآية: إنما عدل الخليل وسيبويه إلى هذا الذي نقلناه من الاعراب لوجهين: لفظي ومعنوي أما اللفظي فلأن الكلام أمر وهو يخيل اختيار النصب ومع ذلك فالرفع قراءة العامة فلو جعل الأمر خبرا وبنى المبتدأ عليه لكان خلاف المختار عند الفصحاء فالتجأ إلى تقدير الخبر حتى لا يكون المبتدأ مبنيا على الأمر فخلص من مخالفة الاختيار، وقد مثلهما سيبويه في كتابه بقوله تعالى «مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ» الآية ووجه التمثيل أنه صدر الكلام بقوله «مثل الجنة» ولا يستقيم أن يكون قوله «فيها أنهار» خبره فتعين تقدير خبره محذوفا وأصله فيما نقص عليكم مثل الجنة، ثم لما كان هذا إجمالا لذكر المثل فصل المجمل بقوله «فيها أنهار» إلى آخرها فكذلك هاهنا كأنه قال: وفيما فرض عليكم شأن الزانية والزاني، ثم فصل هذا المجمل بما ذكره من أحكام الجلد، هذا بيان المقتضى عند سيبويه لاختيار الحذف من حيث الصناعة اللفظية وأما من حيث المعنى فهو أن المعنى أتم وأكمل على حذف الخبر لأنه يكون قد ذكر حكم الزانية والزاني مجملا حيث قال: الزانية والزاني، وأراد: وفيما فرض عليكم حكم الزانية والزاني، فلما تشوّف السامع إلى تفصيل هذا المجمل ذكر حكمهما مفصلا فهو أوقع في النفس من ذكره أول وهلة. 2- قوله تعالى «وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» الطائفة الفرقة التي يمكن أن تكون حلقة وأقلها ثلاثة أو أربعة وهي صفه غالبة كأنها الجماعة الحافة حول الشيء، وعن ابن عباس في تفسيرها هي أربعة إلى أربعين رجلا من المصدقين بالله وعن الحسن عشرة وعن قتادة ثلاثة فصاعدا وعن عكرمة رجلان فصاعدا وعن مجاهد أقلها رجل فصاعدا، وقيل رجلان وفضل قول ابن عباس لأن الأربعة هي الجماعة التي يثبت بها الحد والتفصيل في كتب الفقه. 3- أقسام الزناة الأربعة: أ- الزاني لا يرغب إلا في زانية. ب- الزانية لا ترغب إلا في زان. ج- العفيف لا يرغب إلا في عفيفة. د- العفيفة لا ترغب إلا في عفيف. وهذه الأقسام الأربعة مختلفة المعاني وحاصرة للقسمة، فنقول اختصرت الآية من هذه الأربعة قسمين واقتصرت على قسمين أحرى من المسكوت عنهما فجاءت مختصرة جامعة، فالقسم الأول صريح في القسم الاول ويفهم الثالث والقسم الثاني صريح في القسم الثاني ويفهم الرابع والقسم الثالث والرابع متلازمان من حيث أن المقتضي لانحصار رغبة العفيف في العفيفة هو اجتماعهما في الصفة وذلك بعينه مقتض لانحصار رغبتها فيه، ثم يقصر التعبير عن وصف الزناة والإعفاء بما لا يقل عن ذكر الزناة وجودا وسلبا فان معنى الأول: الزانية لا ينكحها عفيف ومعنى الثانية: العفيفة لا ينكحها زان، والسر في ذلك أن الكلام في أحكامهم، فذكر الإعفاء لسلب نقائصهم حتى لا يخرج الكلام عما هو المقصود منه ثم بينه في اسناد النكاح في هذين القسمين للذكور دون الإناث بخلاف قوله الزانية والزاني فانه جعل لكل واحد منهما ثم استقلالا وقدم الزانية على الزاني- كما تقدم- والسبب فيه أن الكلام الاول في حكم الزنا والأصل فيه المرأة لما يبدو منها من الإيماض والإطماع والكلام الثاني في نكاح الزناة إذا وقع ذلك على الصحة والأصل في النكاح الذكور وهم المبتدءون بالخطبة فلم يسند إلا لهم لهذا وان كان الغرض من الآية تنفير الأعفاء من الذكور والإناث مناكحة الزناة ذكورا وإناثا زجرا لهم عن الفاحشة ولذلك قرن الزنا والشرك.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.