الباحث القرآني

* اللغة: (الإفك) : أبلغ ما يكون من الكذب وقيل هو البهتان لا تشعر به حتى يفجأك وأصله الإفك وهو القلب لأنه قول مأفوك عن وجهه. (كِبْرَهُ) : كبر الشيء بكسر الكاف وسكون الباء معظمه، قال فيس بن الخطيم يذكر امرأة: تنام عن كبر شأنها فاذا ... قامت رويدا تكاد تنغرف * الإعراب: (إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ) الجملة مستأنفة للشروع في سرد قصة الإفك وتقع في ثماني عشرة آية ستأتي باطراد وهي تتعلق بعائشة رضي الله عنها، وهي صالحة تستحق المديح والثناء فمن رماها بالسوء فكأنه قلب الحقائق وطمسها. وان واسمها وجملة جاءوا صلة الموصول وبالإفك متعلقان بجاءوا وعصبة خبر إن ومنكم صفة لعصبة أي من المؤمنين ولو ظاهرا، فقد كان عبد الله بن أبيّ وهو أحد الذين خاضوا في حديث الافك من كبار المنافقين، وجملة لا تحسبوه مستأنفة والخطاب هنا للنبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعائشة وصفوان تسلية لهم، وستأتي قصة الافك في باب الفوائد. (لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) لا جازمة وتحسبوه مضارع مجزوم والواو فاعل والهاء مفعول به أول وشرا مفعول به ثان ولكم متعلقان بشر وبل حرف عطف وإضراب وهو مبتدأ وخير خبر ولكم متعقان بخير ووجه الخير فيه ما يناله صاحب الابتلاء من مثوبة ثم ظهور الكرامة ونصوع الحق بانزال ثماني عشرة آية في براءتكم والتهويل بالوعيد ان خاض فيه عن سوء نية وقصد. (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ) لكل امرئ خبر مقدم ومنهم صفة لامرىء وما اسم موصول مبتدأ مؤخر وجملة اكتسب صلة ومن الإثم متعلقان باكتسب. (وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ) الواو استئنافية والذي مبتدأ وجملة تولى كبره صلة أي بالغ فيه وضخّم الأمور وزوّقها لسوء دخيلته وشر طويته، ومنهم متعلقان بمحذوف حال وهو عبد الله بن أبيّ المنافق، وله خبر مقدم وعذاب عظيم مبتدأ مؤخر والجملة خبر الذي. * الفوائد: حديث الافك: جاء في صحيحي البخاري ومسلم على لسان عائشة قالت: «كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بعد ما أنزل الحجاب ففرغ منها ورجع ودنا من المدينة وأذن بالرحيل ليلة فمشيت وقضيت شأني وأقبلت إلى الرحل فاذا عقدي انقطع فرجعت ألتمسه وحملوا هودجي يحسبونني فيه وكانت النساء خفافا إنما يأكلن العلقة من الطعام ووجدت عقدي وجئت بعد ما ساروا فجلست في المنزل الذي كنت فيه وظننت أن القوم سيفقدونني فيرجعون إليّ فغلبتني عيناي فنمت وكان صفوان قد عرس من وراء الجيش فأدلج للاستراحة فسار منه فأصبح في منزله فرأى سواد إنسان نائم فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهي والله ما كلمني بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حين أناخ راحلته ووطئ على يدها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة فهلك من هلك فيّ وكان الذي تولى كبره منهم عبد الله بن أبي ابن سلول» . تفسير غريب الحديث: 1- قوله في غزوة: قيل هي غزوة المريسيع وتسمى غزوة بني المصطلق وكانت في السنة الرابعة وقيل في السادسة وسببها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه أن بني المصطلق يجتمعون لحربه وقائدهم الحارث ابن أبي ضرار أبو جويرية زوج النبي صلى الله عليه وسلم فلما سمع بذلك خرج إليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم يقال له المريسيع من ناحية قديد إلى الساحل فاقتتلوا فهزم الله بني المصطلق وأمكن رسوله من أبنائهم ونسائهم وأموالهم فأفاءها وردها عليهم. 2- يأكلن العلقة: بضم العين وسكون اللام القليل من الطعام. 3- صفوان: هو الصحابي الجليل صفوان بن المعطل السلمي. 4- عرس: بتشديد الراء المفتوحة أي نزل ليلا للاستراحة وهو خاص بآخر الليل. 5- أدلج: بتشديد الدال المفتوحة سار من أول الليل. 6- باسترجاعه: أي بقوله: إنا لله وإنا إليه راجعون. 7- خمرت وجهي بجلبابي: أي غطيته بالملاءة. 8- ووطئ على يدها: أي وضع رجله على ركبتها. 9- موغرين: في القاموس: الوغرة شدة الحر ووغرت الهاجرة كوعد وأوغروا دخلوا فيها، والوغر ويحرك: الحقد والضغن والعداوة والتوقد من الغيظ وقد وغر صدره كوعد ووجل وغرا ووغرا بالتحريك وفي المصباح: «ووقع في أرض فلاة صار فيها» . رواية المستشرقين: هذا وقد شغل حديث الافك المستشرقين فصاغوه في روايات شتى نورد منها هنا للاطلاع رواية برو كلمن المستشرق الألماني صاحب كتاب «تاريخ الشعوب الاسلامية» وفيما يلي نص تعريبه: «وقام النبي خلال سنة 627 أيضا بحملات عدة على بعض القبائل البدوية ولقد أبعد في إحداها حتى لقارب مكة وكانت هذه الغزوات آمنة إلى حد ساعده على أن يصطحب فيها اثنتين من أزواجه، فاتفق مرة أن أضاعت زوجه المفضلة عائشة بنت أبي بكر- وكانت آنذاك في الرابعة عشرة من عمرها- قلادتها فخرجت تبحث عنها مساء ففاتتها فوافل الغزاة ولم تعد إلى المعسكر إلا في اليوم التالي وبرفقتها شاب كانت قد عرفته من قبل وتطرق الشك في إخلاص عائشة إلى نفس النبي فردها إلى بيت أبويها ولكن الله لم يلبث أن برأها بعد شهر واحد في إحدى الآيات الموحاة إلى النبي مضيفا في الوقت نفسه أن أي اتهام لامرأة بالخيانة الزوجية لا يؤيده أربعة شهود عيان يعتبر فرية أو قذفا يستحق عليه صاحبه مائة جلدة، وكان علي صهر النبي أحد خصوم عائشة الذين ألحوا عليه في طلاقها وليس من شك في أن جذور العداء الذي تكشفت عنه عائشة لعلي بعد أن استخلف على المسلمين ترجع إلى هذه الحقبة، ومهما يكن من شيء، فلم يكن لحادثة العقد هذه أدنى تأثير على وضع المرأة الاجتماعي في الإسلام كما يظن: فالحجاب الذي تصطنعه النساء المتزوجات كان عادة عربية قديمة وكان النبي قد فرضه، قبل هذه الحادثة، لأسباب أخرى والواقع أن الحجاب لم يحل بين النساء في الجاهلية وفي الإسلام أيضا حتى عهد الأمويين وبين الظهور في الناس في كثير من الحرية والتأثير في المجتمع العربي تأثيرا مذكورا في بعض الأحيان، إن مؤسسة الحريم التي وضع قواعدها العباسيون على غرار النموذج المسيحي- البيزنطي هي وحدها المسئولة عن انحطاط المرأة في الشرق» ولا تخلو رواية برو كلمن، على دقتها من خلل وخطأ وتحامل خفي يحاول صاحبه إخفاءه ويأبى إلا أن يظهر ومن ذلك قوله «فردها إلى بيت أبويها» . العودة إلى المدينة واللغط في الحديث: ولنعد إلى رواية عائشة نفسها في تتمة الحديث الآنف الذكر قالت: «واشتكيت حين قدمنا المدينة شهرا والناس يفيضون في قول أهل الافك ولا أشعر بشيء من ذلك، ويريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، انما يدخل رسول الله فيسلم ثم يقول: كيف تيكم؟ فذاك يريبني ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعد ما نقهت وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع ثم عدنا فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح. قلت: بئس ما قلت!! أتسبين رجلا قد شهد بدرا؟ قالت: أي هنتاه أولم تسمعي ما قال؟ قلت: وماذا قال؟ فأخبرتني بقول أهل الافك فازددت مرضا إلى مرضي فلما رجعت إلى بيتي استأذنت أن آتي أبوي: أريد أن أتيقن الخبر من قبلهما فأذن لي. قالت أمي: هوّني عليك فو الله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا كثّرن عليها. قلت: سبحان الله وقد تحدث الناس بهذا؟ فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا اكتحل بنوم. ودعا رسول الله عليّ بن أبي طالب وأسامة بن زيد يستشيرهما في فراق أهله فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم في نفسه لهم من الود وقال لرسول الله: هم أهلك ولا نعلم إلا خيرا. وأما عليّ بن أبي طالب فقال: لم يضيّق الله عليك والنساء سواها كثير وإن تسأل الجارية تصدقك. فدعا رسول الله بريرة يسألها: هل رأيت من شيء يريبك من عائشة؟ قالت: والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرا قد أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فنأكله. .. وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم ثم بكيت ليلتي المقبلة لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي. فبينما نحن على ذلك دخل رسول الله فسلم ثم جلس وتشهّد ثم قال: أما بعد يا عائشة فإني قد بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله وإن كنت ألمحت بذنب فاستغفري الله وتوبي اليه فان العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب تاب الله عليه. فلما قضى رسول الله مقالته قلص دمعي حتى ما أحسّ منه قطرة فقلت لأبي: أجب عني رسول الله فقال: والله ما أدري ماذا أقول لرسول الله، فقلت لأمي: أجيبي عني، فقالت: كذلك والله ما أدري ماذا أقول لرسول الله، قلت:- وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن-: إني والله لقد عرفت أنكم سمعتم بهذا حتى استقر في نفوسكم وصدقتم به فان قلت لكم: إني بريئة لا تصدقوني، وإن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم أني بريئة، لتصدقوني واني والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف: فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون. ثم تحولت فاضطجعت على فراشي، فو الله ما رام رسول الله مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله عز وجل على نبيه فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي حتى انه ليتحدّر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشاتي. فلما سرّي عن رسول الله وهو يضحك كان أول كلمة تكلم بها أن قال: أبشري يا عائشة أما الله فقد برأك. قالت لي أمي: قومي اليه. قلت: والله لا أقوم اليه ولا أحمد إلا الله الذي أنزل براءتي. وكان أبو بكر ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره فأقسم لا ينفق عليه شيئا أبدا فأنزل الله عز وجل: «ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى ... إلى قوله: ألا تحبون أن يغفر الله لكم» ؟ فقال أبو بكر: والله إني لأحب أن يغفر الله لي، ورجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفقها عليه. هذا وسيأتي في بقية الآيات ما يتعلق بهذا الحديث.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.