الباحث القرآني

* اللغة: (كَسَرابٍ) : السراب: ما يشاهد نصف النهار من اشتداد الحر كأنه ماء تنعكس فيه البيوت والأشجار وغيرها ويضرب به المثل في الكذب والخداع يقال: هو أخدع من السراب، وسمي سرابا لأنه يتسرب أي يجري كالماء، يقال سرب الفحل أي مضى وسار ويسمى الآل أيضا ولا يكون إلا في البرية والحر فيغتر به الظمآن. (بِقِيعَةٍ) : القيعة بمعنى القاع أو جمع قاع وهو المنبسط المستوي من الأرض وفي الصحاح: «والقاع المستوي من الأرض والجمع أقواع وقيعان فصارت الواو ياء لكسر ما قبلها والقيعة مثل القاع وهو أيضا من الواوي وبعضهم يقول هو جمع» وقال الهروي: «والقيعة جمع القاع مثل جيرة وجار» وفي الأساس: «هو كسراب بقيعة وبقاع ونزلوا بسراب قيعان ولهم قاعة واسعة وهي عرضة الدار وأهل مكة يسمون سفل الدار القاعة ويقولون: فلان قعد في العسية ووضع قماشه في القاعة، وقال: سائل مجاور جرم هل جنيت لهم ... حربا تفرّق بين الجيرة الخلط وهل تركت نساء الحي ضاحية ... في قاعة الدار يستوقدن بالغبط وفي القاموس والتاج ما يفهم منه أن القاع أرض سهلة مطمئنة قد انفرجت عنها الجبال والآكام ويجمع على أقواع وأقوع وقيع وقيعان وقيعة. (لُجِّيٍّ) : اللجي: العميق الكثير الماء منسوب إلى اللج وهو معظم البحر هكذا قال الزمخشري، وقال غيره منسوب إلى اللجة بالتاء وهي أيضا معظمه. * الإعراب: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً) كلام مستأنف مسوق لبيان حال عمل من لا يعتقد الايمان ولا يتبع الحق بعد أن بين حال المؤمنين بضرب مثل لهم وهو «مثل نوره كمشكاة» . والذين مبتدأ أول وجملة كفروا صلة الموصول وأعمالهم مبتدأ ثان وكسراب خبر الثاني والمبتدأ الثاني وخبره خبر الاول وجملة يحسبه الظمآن صفة لسراب وماء مفعول به ثان ليحسبه وحتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة جاءه في محل جر باضافة الظرف إليها وجملة لم يجده لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وشيئا في موضع المصدر أي لم يجده وجدانا وقيل شيئا هنا بمعنى ما قدّره وظنّه فهي مفعول به ثان ليجده وسيأتي مزيد بحث عنها في باب البلاغة. (وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ) الواو حرف عطف ووجد فعل ماض وفاعل مستتر ولفظ الجلالة مفعول به وعنده متعلقان بمحذوف مفعول به ثان لوجد أي كائنا عند السراب أو العمل، فوفاه الفاء عاطفة ووفاه فعل وفاعل مستتر ومفعول به أول وحسابه مفعول به ثان أي جازاه عليه في الدنيا والله مبتدأ وسريع الحساب خبر. (أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ) أو حرف عطف قيل هي للتقسيم أو للتخيير أي أن عمل الكافر قسمان: قسم كالسراب وهو العمل الصالح وقسم كالظلمات وهو العمل السيّء أو أن عمل الكافر لاغ لا منفعة له كالسراب ولكونه خاليا من نور الحق كالظلمات المتراكبة والحنادس المدلهمة. قال الزجاج: «أعلم الله سبحانه أن أعمال الكفار كما أنها تشبه السراب الموصوف بتلك الصفات فهي أيضا تشبه الظلمات، وانها ان مثلت بما يوجد فمثلها كمثل السراب، وان مثلت بما يرى فهي كهذه الظلمات التي وصف» وقال أيضا «إن شئت مثل بالسراب وان شئت مثل بهذه الظلمات، فأو للإباحة» والجار والمجرور نسق على كسراب على حذف مضاف تقديره أو كذي ظلمات ويدل على هذا المضاف قوله «إذا أخرج يده لم يكد يراها» أو على حذف مضافين تقديرهما كأعمال ذي ظلمات، وفي بحر صفة لظلمات ولجي صفة لبحر وجملة يغشاه موج صفة ثانية لبحر وموج فاعل ومن فوقه خبر مقدم وموج مبتدأ مؤخر والجملة صفة لموج الأولى وجملة من فوقه سحاب صفة لموج الثانية. (ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها) ظلمات خبر لمبتدأ محذوف أي هذه ظلمات والجملة تفسير لما قبلها فلا محل لها وبعضها مبتدأ وفوق بعض الظرف متعلق بمحذوف خبر والجملة صفة لظلمات وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط متعلق بالجواب وجملة أخرج في محل جر باضافة الظرف إليها وفاعل أخرج ضمير الواقع في البحر المرتطم فيه ويده مفعول به ولم حرف نفي وقلب وجزم ويكد فعل مضارع ناقص مجزوم بلم واسمها ضمير مستتر تقديره هو وجملة يراها خبر يكد وجملة لم يكد يراها لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم. (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ) الواو استئنافية ومن اسم شرط جازم مبتدأ ولم حرف نفي وقلب وجزم ويجعل فعل الشرط والله فاعل وله مفعول به ثان ونورا مفعول به أول ليجعل والفاء رابطة للجواب لأنه جملة اسمية وما نافية وله خبر مقدم ومن حرف جر زائد ونور مجرور لفظا مرفوع بالابتداء محلا والجملة في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر المبتدأ. * البلاغة: وقد انطوت هذه الآية على أفانين من البلاغة ندرجها فيما يلي: 1- التشبيه المرسل: فقد أخرج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه الحاسة، ولو قيل يحسبه الرائي ماء لكان بليغا، وأبلغ منه لفظ القرآن لأن الظمآن أشد حرصا عليه وأكثر تعلق قلب به وتشبيه أعمال الكفار بالسراب من أحسن التشبيه وأبلغه فكيف وقد تضمن مع ذلك حسن النظم وعذوبة الألفاظ وصحة الدلالة وصدق التمثيل. 2- التشبيه التمثيلي: وقوله «ووجد الله عنده» تشبيه تمثيلي أي وجد عقابه وزبانية عذابه، ووجه التشبيه أن الذي يأتي به الكافر من أعمال البر ويعتقد أن له ثوابا عند الله تعالى وليس كذلك فاذا وافى عرصات القيامة لم يجد الثواب الذي كان يظنه بل وجد العقاب العظيم والعذاب الأليم فعظمت حسرته وتناهى غمه فشبه حاله بحال الظمآن الذي اشتدت حاجته إلى الماء فإذا شاهد السراب في البر تعلق قلبه فإذا جاءه لم يجده شيئا فكذلك حال الكافر يحسب أن عمله نافعه فإذا احتاج إلى عمله لم يجده أغنى عنه شيئا. 3- العطف على محذوف: في قوله تعالى «وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ» عطف على مقدر وليست الجملة معطوفة على «لم يجده شيئا» بل على ما يفهم منه بطريق التمثيل من عدم وجدان الكفرة من أعمالهم المذكورة عينا ولا أثرا، كأنه قيل حتى إذا جاء الكفرة يوم القيامة أعمالهم التي كانوا في الدنيا يحسبونها نافعة لهم في الآخرة لم يجدوها شيئا ووجدوا حكم الله وقضاءه لهم بالمرصاد. 4- المبالغة في التشبيه: وهذا في قوله: «إذا أخرج يده لم يكد يراها» وقد اختلف الناس في تأويل هذا الكلام ويكاد الإجماع ينعقد على أن المعنى أنه لا يرى يده فعلى هذا في التقدير ثلاثة أوجه: أحدها أن التقدير لم يرها ولم يكد وهذا غير واضح لأنه نفي للرؤية ثم اتبات لها، ووجه ثان وهو أن كاد زائدة ولا مساغ له في القرآن فالوجه إذن انه لم يقرب أن يراها فضلا عن أن يراها، ومثله قول ذي الرمة: إذا غيّر النأي المحبين لم يكد ... رسيس الهوى من حب مية يبرح أي لم يقرب من البراح، والنأي: البعد، ويقال رس وأرس إذا لزم والرسيس بقية المرض، ويبرح يذهب، وروي أن ذا الرمة لما قدم الكوفة اعترض عليه ابن شبرمة في ذلك بأنه يدل على زوال رسيس الهوى فغيره بقوله لم أجد وقال ابن عتبة حدثت أبي بذلك فقال: أخطأ ابن شبرمة وأخطأ ذو الرمة في تغييره وانما هو كقوله تعالى: «لم يكد يراها» وبعد البيت: فلا القرب يدنو من هواها ملالة ... ولا حبها إن تنزح الدار ينزح
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.