الباحث القرآني

* اللغة: (سُباتاً) : راحة للأبدان بقطع الأعمال وهو من السبت أي القطع سمي بذلك لقطع الأشغال فيه، وفي المصباح: «والسبات وزان غراب النوم الثقيل وأصله الراحة يقال منه سبت يسبت من باب قتل» وفي القاموس: إنه من بابي قتل وضرب ثم قال: والسبات النوم أو خفيفه أو ابتداؤه في الرأس حتى يبلغ القلب، وقال الزمخشري: «والسبات: الموت والمسبوت: الميت لأنه مقطوع الحياة وهذا كقوله «وهو الذي يتوفاكم بالليل» فإن قلت: هلا فسرته بالراحة؟ قلت: النشور في مقابلته يأباه إباء العيوف الورد وهو مرنق» والعيوف من الإبل كما في الصحاح: الذي يشم الماء فيدعه وهو عطشان وفيه أيضا: رنقته ترنيقا كدرته» وفي اللسان والأساس: «وجعل الله النوم سباتا: موتا وأصبح فلان مسبوتا: ميتا» وفي القاموس والتاج: «السبات: النوم أو أوله، والدهر، والرجل الداهية، وابنا سبات: الليل والنهار مأخوذ من معنى الدهر، وسبت يسبت من بابي قتل وضرب سبتا دخل في السبت وقام بأمر السبت: استراح، وسبت الشيء قطعه، وسبت الرأس: حلقه والسبت مصدر ويوم من أيام الأسبوع بين الجمعة والأحد وجمعه أسبت وسبوت، والسبت أيضا: النوام والفرس الجواد والرجل الداهية. (الرِّياحَ) : في المصباح: «والريح أربع الشمال وتأتي من ناحية الشام والجنوب تقابلها وهي الريح اليمانية والثالثة الصبا وتأتي من مطلع الشمس وهي القبول أيضا والرابعة الدبور وتأتي من ناحية المغرب، والريح مؤنثة على الأكثر فيقال هي الريح وقد تذكر على معنى الهواء فيقال هو الريح وهب الريح، نقله أبو زيد وقال ابن الأنباري: الريح مؤنثة لا علامة فيها وكذلك سائر أسمائها إلا الإعصار فإنه مذكر. (طَهُوراً) : الطهور على وجهين في العربية: صفة واسم غير صفة فالصفة قولك ماء طهور كقولك طاهر والاسم قولك لما يتطهر به طهور كالوضوء والوقود لما يتوضأ به وتوقد به النار كقولك وضوءا حسنا ذكره سيبويه. (أَناسِيَّ) : الأناسي جمع إنسي أو إنسان ونحوه ظرابي في ظربان على قلب النون ياء والأصل أناسين وظرابين ولعل الثاني هو الأرجح، قال سيبويه: «إن الياء في إنسي للنسب وما هي فيه لا يجمع على فعالي» وقال ابن مالك «واجعل فعالي لغير ذي نسب» وجزم ابن هشام وابن مالك بأنه جمع إنسان لا جمع إنسي، قالا: وشذ قباطي جمع قبطي وبخاتي جمع بختي، وفي الصحاح: القبط أهل مصر ورجل قبطي والقبطية ثياب بيض رقاق من كتان والبخت من الإبل معرب وقيل هو عربي وينشد لابن قيس الرقيات: يهب الخيل والألوف ويسقي ... لبن البخت في قصاع الخلنج * الإعراب: (أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً) كلام مستأنف مسوق للشروع في إيراد أدلة محسوسة على توحيده وستأتي خمسة أدلة أولها امتداد الظل وثانيها جعل الليل لباسا وثالثها إرسال الرياح ورابعها مرج البحرين وخامسها خلق البشر من الماء. والهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم وتر أي تنظر فعل مضارع مجزوم بلم وهي هنا بصرية وإلى ربك متعلقان بتنظر على حذف مضاف أي إلى صنيع ربك لأنه ليس المقصود رؤية ذات الله، وكيف اسم استفهام في محل نصب على الحال أي ألم تر إلى صنيع ربك كيف مد الظل، أي على أية حالة، ومعنى مد الظل أن جعله يمتد وينبسط فينتفع به الناس، واختار الزجاج أن تكون الرؤية قلبية والمعنى ألم تعلم، قال: وهذا أولى لأن الظل إذا جعلناه من المبصرات فتأثير قدرة الله تعالى في تمديده غير مرئي بالاتفاق ولكنه معلوم من حيث أن كل مبصر فله مؤثر فحمل اللفظ على رؤية القلب أولى وقد علقت كيف تر عن العمل فجملة مد الظل في محل نصب مفعول به على الثاني وعلى الأول مستأنفة. ولو الواو حالية ولو شرطية وشاء فعل ماض وفاعل مستتر واللام واقعة في جواب لو وجملة جعله لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم والهاء مفعول جعل الأول وساكنا مفعوله الثاني أي ثابتا بأن يجعل الشمس على وضع واحد أو دائما غير زائل. (ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا) ثم هنا للتفاضل بين أوقات الظهور وليست للتراخي الزماني لأنه لا يصح هنا فهي محمولة على المجاز كما سيأتي في باب البلاغة وجعلنا فعل وفاعل والشمس مفعول به وعليه حال ودليلا مفعول به ثان أي لولا الشمس لما عرف الظل. (ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً) وثم هنا للتفاضل أيضا بين الأمور الثلاثة وهي مد الظل وسكونه وقبضه كأن الثاني أعظم من الأول والثالث أعظم منهما، وقبضناه فعل وفاعل ومفعول به وإلينا متعلقان بقبضناه وقبضا مفعول مطلق ويسيرا صفة ومعنى قبضه قبضا يسيرا أي حسبما ترتفع الشمس لتنتظم بذلك مصالح الكون. (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً) الواو عاطفة وهو مبتدأ والذي خبره وجملة جعل صلة ولكم حال لأنه كان في الأصل صفة للباسا والليل مفعول جعل الأول ولباسا مفعوله الثاني والنوم سباتا عطف على ما تقدم وجعل النهار نشورا عطف أيضا أي انتشارا ينشر فيه الناس لتحصيل معاشهم. (وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) بشرا حال وبين ظرف متعلق بمحذوف صفة لبشرا ويدي رحمته مضاف إليه وسيأتي تحقيق ذلك في باب البلاغة. (وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً) عطف على ما تقدم وفيه إشعار بأن تطهير الظواهر يستلزم تطهير البواطن وفي ذلك منتهى المنة والنعمة. (لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً) لام التعليل متعلق بأنزلنا لبيان العلة في إنزاله وبه متعلقان بنحيي وبلدة مفعول به وميتا صفة لبلدة يستوي فيه المذكر والمؤنث أو لأنه ذكر على معنى البلد في قوله «فسقناه إلى بلد ميت» ونسقيه عطف على نحيي تبعه في النصب ويقال سقاه وأسقاه وكلاهما يتعدى إلى مفعولين ومما متعلقان بمحذوف خال وأنعاما مفعول به ثان لنسقيه وأناسي كثيرا عطف على أنعاما. وسيأتي سر تقديم الأنعام على الأناسي في باب البلاغة. * البلاغة: 1- التقديم والتأخير: في قوله «وأنزلنا من السماء ماء» إلى قوله «وأناسي كثيرا» فن التقديم والتأخير وهو فن عجيب دقيق المسلك خفي الدلالة، وهو قسمان: قسم يختص بدلالة الألفاظ على المعاني وقسم يختص بدرجة التقدم في الذكر ومنه الآية التي نحن بصددها، فقد قدم حياة الأرض وإسقاء الأنعام على إسقاء الناس وإن كانوا أشرف محلا لأن حياة الأرض هي سبب لحياة الأنعام والناس، فلما كانت بهذه المثابة جعلت مقدمة في الذكر ولما كانت الأنعام من أسباب التعيش والحياة للناس قدمها في الذكر على الناس لأن حياة الناس بحياة أرضهم وأنعامهم فقدم سقي ما هو سبب نمائهم ومعاشهم على سقيهم. 2- في قوله «ثم جعلنا» و «ثم قبضناه» استعارة تصريحية تبعية استعير فيها لفظة المشبه به وهو البعد والتراخي للمشبه وهو تفاضل الأمور. 2- وفي قوله «بين يدي رحمته» استعارة أيضا أي قدام المطر، وسيأتي المزيد من ذلك.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.