الباحث القرآني

* اللغة: (بُرُوجاً) : أي منازل للكواكب السيارة وهي اثنا عشر، وأصل البروج القصور العالية، سميت هذه المنازل بروجا لأنها للكواكب السيارة بمثابة المنازل الرفيعة التي هي القصور لسكانها، هذا ومنطقة البروج هي منطقة سماوية تحتوي على المدارات التي تجتازها الكواكب السيارة حول الشمس، وانحراف هذه المدارات بالنسبة إلى بعضها يختلف قلة وكثرة ولا سيما مدارات الكواكب التي لا تشاهد إلا بالآلة العظيمة الفلكية وهذه المنطقة تقسمها الدائرة الكسوفية المسماة بمدار الأرض إلى قسمين متساويين عرض كل منهما تقريبا ثماني درجات وينتهيان بدائرتين موازيتين لتلك الدائرة وهي منحرفة عن دائرة الاستواء التي تقسمها إلى قسمين يقربان للتساوي، وقد قسمت في سالف الأزمان إلى اثني عشر قسما تسمى صورا وكل قسم منها ثلاثون درجة، ومن سير الشمس بحسب الظاهر في هذه الأقسام تحصل الفصول ومددها، وذلك أن هذا الكوكب بتركه النصف الجنوبي من الكرة ودخوله في نصفها الشمالي تفتتح السنة الشمسية، أعني بمجرد دخوله في برج الحمل، وفي ذلك الوقت يبتدىء الربيع الذي يحيا به الكون ويستمر هذا الفصل مدة اجتياز الشمس البرج المذكور وبرج الثور والجوزاء ثم تدخل على التعاقب في السرطان والأسد والسنبلة وهذه تسمى بفصل الصيف فينبعث إلينا مدة إقامتها في تلك البروج أشعة شديدة الحرارة تنضج الحبوب التي تحصد زمن الصيف، ثم بعد بلوغها هذا الارتفاع تنزل من جهة النصف الجنوبي فتجتاز على التوالي الميزان والعقرب والقوس ويقال لهذه البروج الثلاثة فصل الخريف، ثم يدخل الشتاء بثلجه وبرده وتكون الشمس حينئذ أبعد نقطة عنا ولا ينبعث منها إلينا إلا أشعة مائلة فتقطع بروجه الثلاثة أعني الجدي والدلو والحوت ثم ترجع إلى محلها الأول لتعيد الحياة والحركة إلى كثير من الكائنات التي كانت كأنها خلية عنها بسبب بعدها عنها. فقد عرفت من ذلك أن الصور الاثني عشرة لمنطقة البروج تنقسم على الفصول الأربعة، فللربيع الحمل والثور والجوزاء، وللصيف السرطان والأسد والسنبلة، وللخريف الميزان والعقرب والقوس، وللشتاء الجدي والساكب والحوت. (سِراجاً) : السراج الشمس كقوله تعالى «وجعل الشمس سراجا» . (خِلْفَةً) : أي يخلف كل واحد منهما الآخر فالخلفة مصدر هيئة. وعبارة القرطبي: قال أبو عبيدة: الخلفة كل شيء بعد شيء فكل واحد من الليل والنهار يخلف صاحبه، ويقال للمبطون: أصابه خلفة أي قيام وقعود يخلف هذا ذاك، ومنه خلفة النبات وهو ورق يخرج بعد الورق الأول في الصعيد. وقال مجاهد: خلفة من الخلاف هذا أبيض وهذا أسود والأول أقوى، وقيل يتعاقبان في الضياء والظلام والزيادة والنقصان، وقيل هو من باب حذف المضاف أي جعل الليل والنهار ذوي خلفة أي اختلاف لمن أراد أن يذكر أي يتذكر فيعلم أن الله لم يجعلهما كذلك عبثا فيعتبر في مصنوعات الله تعالى ويشكر الله على نعمه عليه في العقل والفكر والفهم، وقال عمر بن الخطاب وابن عباس والحسن معناه من فاته شيء من الخير بالليل أدركه بالنهار ومن فاته بالنهار أدركه بالليل. (هَوْناً) : الهون: الرفق والسكينة، وهو مصدر وضع موضع الصفة للمبالغة وقد مرت له نظائر، ومنه الحديث: «أحبب حبيبك هونا ما» وقوله «المؤمنون هينون لينون» ومن أمثالهم «إذا عز أخوك فهن» . (غَراماً) : هلاكا وخسرانا وعذابا لازما، وفي المختار: «الغرام: الشر الدائم والعذاب» قال بشر بن أبي خازم: ويوم النسار ويوم الفجا.... ركانا عذابا وكان غراما والنسار ماء لبني عامر والفجار ماء لبني تميم، وقد جرت فيهما هاتان الواقعتان وكانتا عذابا على أهلهما وهلاكا دائما. * الإعراب: (تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً) تبارك فعل ماض جامد والذي فاعله وجملة جعل صلة وفي السماء متعلقان بجعل وبروجا مفعول به وما بعده عطف عليه ويجوز أن تجعل جعل متعدية لاثنين بمعنى الجعل أي التصيير. (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً) كلام معطوف على ما قبله وهو مبتدأ والذي خبره وجملة جعل الليل والنهار صلة وخلفة مفعول به ثان لجعل إن كانت بمعنى صير أو حال إن كانت بمعنى خلق وأفرد لأن المعنى يخلف أحدهما الآخر فلا يتحقق هذا إلا منهما، قيل ولا بد من تقدير مضاف أي ذوي خلفة كما تقدم في باب اللغة، ولمن صفة لخلفة وجملة أراد صلة من، وأن يذكر مصدر مؤول في محل نصب على المفعولية لأراد ومفعول يذكر محذوف أي ما فاته في أحدهما وأو حرف عطف وأراد شكورا عطف على أراد الأولى. (وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً) كلام مستأنف مسوق لبيان الأوصاف التي تميز بها عباد الرحمن المخلصون بعد بيان حال المنافقين وقد وصفهم بثمانية موصولات. وعباد مبتدأ والرحمن مضاف إليه وما بعده صفات ويجوز أن تكون الموصولات الثمانية أوصافا، وخبر عباد في آخر السورة وهو قوله تعالى «أولئك يجزون الغرفة» كأنه قال وعباد الرحمن الموصوفون بهذه الصفات أولئك يجزون ولعل الأول أولى لبعده عن التعسف، والذين خبر عباد أو صفة وجملة يمشون صلة وعلى الأرض متعلقان بيمشون وهونا مصدر وضع في موضع الحال أو نصب على المفعولية المطلقة كأنه وصف للمصدر أو ملاقيه في المعنى أي مشيا هونا. (وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً) الواو عاطفة والجملة معطوفة على ما قبلها فهي من حيز الصلة وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة خاطبهم الجاهلون في محل جر بإضافة الظرف إليها وجملة قالوا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وسلاما مفعول مطلق أي قولا يسلمون فيه من الإثم، وستأتي مناقشة طريفة بين سيبويه والمبرد حول هذا المصدر في باب الفوائد. (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً) والذين عطف على الموصول الأول وجملة يبيتون صلة والواو اسم يبيتون ويضعف جعلها تامة أي يدخلون في البيات كما سيأتي في باب الفوائد، ولربهم متعلقان بسجدا وسجدا خبر يبيتون أو حال على جعلها تامة، وقياما عطف على سجدا، وقدم السجود على الفيام وان كان القيام قبله في الفعل لمراعاة الفواصل، وسجدا جمع ساجد وهو اسم فاعل ولذلك تعلق الجار والمجرور به وكذلك قياما جمع قائم. (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ) والذين عطف أيضا وجملة يقولون صلة وربنا منادى مضاف محذوف منه حرف النداء واصرف فعل أمر معناه الدعاء وعذاب جهنم مفعول اصرف والجملة مقول القول. (إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً) الجملة تعليلية لا محل لها فهي تعليل لقولهم ربنا اصرف عنا عذاب جهنم، وان واسمها وجملة كان خبرها واسم كان ضمير مستتر تقديره هو وغراما خبر كان. (إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً) الجملة تعليلية أيضا وحذف العاطف بينهما فالجملتان من جملة مقولهم، وان واسمها وجملة ساءت خبرها وفاعل ساءت ضمير مستتر مبهم مفسر بنكرة ومستقرا تمييز ومقاما عطف على مستقرا والمخصوص بالذم محذوف تقديره هي، وقد أجاز المعربون كالزمخشري والسمين أن تكون ساءت بمعنى أحزنت فلا نكون من أفعال الذم بل تكون فعلا متصرفا ناصبا للمفعول به وهو هنا محذوف أي وأحزنت أصحابها وداخليها، عندئذ يجوز في مستقرا أن يكون تمييزا وأن يكون حالا. * الفوائد: 1- مناقشة حول «سلاما» : قال القرطبي في تفسيره: «قال النحاس: ولا نعلم لسيبويه كلاما في معنى الناسخ والمنسوخ إلا في هذه الآية قال سيبويه: لم يؤمر المسلمون يومئذ أن يسلموا على الكفار لكنه على معنى قوله سلمنا منكم ولا خير بيننا وبينكم ولا شر، وقال المبرد كان ينبغي أن يقول: لم يؤمر المسلمون يومئذ بحربهم ثم أمروا بحربهم، وقال أي محمد بن يزيد المبرد: أخطأ سيبويه في هذا وأساء العبارة، وقال ابن العربي: لم يؤمر المسلمون يومئذ أن يسلموا على المشركين ولا نهوا عن ذلك بل أمروا بالصفح والهجر الجميل وقد كان عليه الصلاة والسلام يقف على أنديتهم ويحييهم ويدانيهم ولا يداهنهم» . قلت: ولا حاجة إلى ادعاء النسخ لأن الإغضاء عن السفهاء وترك المقابلة مستحسن في الأدب والمروءة والشريعة وأصون للعرض وأوفر له. 2- فعل بات: قال في القاموس: «وبات يفعل كذا يبيت ويبات بيتا وبياتا ومبيتا وبيتوتة أي يفعله ليلا وليس من النوم» ومعنى قوله: «وليس من النوم» أي وليس الفعل من النوم فإذا نام ليلا لا يصح أن يقال بات ينام، ومنه قول الشريف الرضي: أتبيت ريان الجفون من الكرى ... وأبيت منك بليلة الملسوع ذكر ابن هشام في مغني اللبيب عن رجل كبير من الفقهاء أنه استشكل قول الشريف الرضي الآنف الذكر وقال كيف ضم التاء من تبيت وهي للمخاطب لا للمتكلم وفتحها من أبيت وهو للمتكلم؟ فبينت للحاكي أن الفعلين مضارعان وأن التاء فيهما لام الكلمة وان الخطاب في الأول مستفاد من الهمزة والأول مرفوع لحلوله محل الاسم والثاني منصوب بأن مضمرة بعد واو المصاحبة على حد قول الحطيئة: ألم أك جاركم ويكون بيني ... وبينكم المودة والإخاء هذا ونعود إلى بيت الشريف فنقول: هو من أرق الشعر وأجمله وفيه استعارة تبعية حيث شبه امتلاء جفون المحبوب من النوم بالري وهو امتلاء الجوف بالماء المذهب للأوار بجامع حصول الراحة في كل منهما، واستعير اسم المشبه به للمشبه، واشتق من الري ريان بمعنى ممتلىء الجفون، وفيه أيضا كناية وذلك أنه كنى بليلة الملسوع عن ليلة السهر لأن السهر والأرق من لوازم ذلك، وفيه أيضا طباق بين النوم المستفاد من الصدر صريحا والسهر المستفاد من العجز كناية، فقد استكمل البيت ثلاثة فنون من البيان فإذا أضفت إلى ذلك خروج الاستفهام عن معناه الأصلي إلى البث والشكوى فقد استكمل أربعة فنون يضاف إليها خامس وهو فن حسن النسق وسلاسة الأسلوب. وهو من أبيات نذكر منها الباقة التالية: يا صاحب القلب الصحيح أما اشتفى ... ألم الجوى من قلبي المصدوع هيهات لا تتكلفنّ لي الهوى ... فضح التطبع شيمة المطبوع كم قد نصبت لك الحبائل طامعا ... فنجوت بعد تعرض لوقوع وتركتني ظمآن أشرب غلتي ... أسفا على ذاك اللمي الممنوع كم ليلة جرّ عته في طولها ... غصص الملام ومؤلم التقريع أبكي ويبسم والدجى ما بيننا ... حتى أضاء بثغره ودموعي قمر إذا استعجلته بعتابه ... لبس الغروب ولم يعد لطلوع لو حيث يستمع السرار وفقتما ... لعجبتما من عزه وخ ضوعي أهون علي إذا امتلأت من الكرى ... أني أبيت بليلة الملسوع وتكون بات تامة مكتفية بمرفوعها عن منصوبها إذا كانت بمعنى عرس وهو النزول آخر الليل نحو قول ابن عمر رضي الله عنه: «أما رسول الله فقد بات بمنى» أي عرس بها، وقال امرؤ القيس بن عانس بالنون وهو غير امرؤ القيس بن حجر الكندي: وبات وباتت له ليلة ... كليلة ذي العائر الأرمد أي وعرس، والعائر بالعين المهملة اسم فاعل من العور وهو القذى في العين تدمع له، وقيل الرمد والأرمد صفة له، وقالوا بات بالقوم أي نزل بهم ليلا.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.