الباحث القرآني

* الإعراب: (وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ) الواو استئنافية والكلام مستأنف مسوق لذكر القصة الخامسة والأخيرة من قصص السورة، ولوطا مفعول به لفعل محذوف تقديره اذكر أو أرسلنا، فإن جعلته اذكر كانت إذ ظرفا لما مضى من الزمان متعلقا باذكر، وان جعلته أرسلنا كانت إذ بدل اشتمال من لوطا وجملة قال مجرورة بإضافة الظرف إليها، ولقومه جار ومجرور متعلقان بقال، والهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي وتأتون فعل مضارع والواو فاعل والفاحشة مفعول به والجملة مقول القول، وأنتم الواو حالية وأنتم مبتدأ وجملة تبصرون خبر أنتم والمراد بصر القلب أي تعلمون أنها فاحشة ومع ذلك تفعلونها. (أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ) الهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي وكرر التوبيخ زيادة في التقبيح واستسماج هذه الفعلة الشنعاء المخالفة لنواميس الطبيعة، وسيرد في باب الفوائد بحث عن هذه الميول الجنسية الشاذة التي لا يبلغ كنه قبحها، وان واسمها واللام المزحلقة وجملة تأتون الرجال خبرها وشهوة مفعول لأجله أو حال من الفاعل أو المفعول ومن دون النساء متعلقان بمحذوف حال من الفاعل. (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) بل حرف إضراب وأنتم مبتدأ وقوم خبر وتجهلون صفة لقوم. (فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ) الفاء عاطفة وما نافية وكان فعل ماض ناقص وجواب قومه خبر كان المقدم وإلا أداة حصر وأن قالوا مصدر مؤول في موضع الرفع اسم كان المؤخر وجملة أخرجوا مقول القول وهو فعل أمر وفاعل وآل لوط مفعول به ومن قريتكم متعلقان بأخرجوا وإنهم تعليل لإخراجهم وان واسمها وأناس خبرها وجملة يتطهرون صفة أي يتنزهون عن هذا العمل القذر. (فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ) الفاء عاطفة على مقدر محذوف يفهم من السياق أي فخرج لوط بأهله من أرضهم بعد أن أحس بمكرهم وكيدهم وتربصهم الدوائر. وأنجيناه فعل ماض وفاعل ومفعول به وأهله عطف على الهاء أو مفعول معه وإلا أداة استثناء وامرأته مستثنى وجملة قدرناها حال وقدرناها فعل ماض وفاعل ومفعول به ومن الغابرين متعلقان بقدرناها أي الباقين في العذاب. (وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ) الواو عاطفة وأمطرنا فعل وفاعل وعليهم متعلقان بأمطرنا ومطرا مفعول به، فساء الفاء عاطفة وساء فعل ماض للذم ومطر المنذرين فاعل. * الفوائد: النرجسية والشذوذ الجنسي: يرجع الفلاسفة المحدثون ظواهر الشذوذ في غرائز الجنس إلى النرجسية، ولهذا كان لا بد من أن نشرح هذه النرجسية كما يفهمها المحللون النفسيون: كان اليونانيون الأقدمون يطلقون اسم نرجس على فتى من فتيان الأساطير بارع الحسن ساحر الشمائل يفتن من يراه ويشقي بجماله وتيهه قلوب العذارى الخفرات، فلا يلتفت إليهن ولا يستجيب لضراعتهن، ولم يزل كذلك حتى ضجت السماء بدعاء عاشقاته وصلواتهن إلى الأرباب أن يصرفوهن عنه أو يصرفوه عنهن واستجابت «نمسي» ربة القصاص والجزاء إلى هذا الدعاء فقضت عليه أن يهيم بحب نفسه ويلقى منها الشقاء الذي تلقاه منه عاشقاته، قال رواة الأساطير: فما هو إلا أن ذهب يشرب من ينبوع صاف حتى لمح بصورته في مائه فوقف عندها يعجب من جمالها وأذهلته الفتنة عن شأنه فلم يبرح مكانه مطرقا إلى الماء ليتملّى تلك الصورة ويرتوي من النظر إليها فلا يزيده النظر إلا لهفة وشوقا ولا تزيده اللهفة إلا هزالا وذبولا حتى فني، وذهبت عرائس الماء تطلب رفاته فلم تجد في مكانه غير نرجسة مطرقة ترنو إلى الماء ولا ترفع بصرها إلى السماء، فالنرجس أبدا مطرق مفتوح العين لا يشبع من النظر إلى خياله على حوافي الجداول والغدران. وهناك روايات أخرى حول هذه الأسطورة تمثل الصدى والحذر والسبات لا تخرج عن هذا الفحوى وتلحق بما تنطوي عليه آفة النرجسية من الغرائز أو من الميول والأحاسيس ولهذا وقع عليها اختيار المحللين النفسيين فلم يجدوا اصطلاحا أوفق منها لأعراض تلك الظاهرة النفسية مع عراقة الاصطلاح في اللغة اليونانية التي يختارونها لابتداع الأسماء الجديدة في العلوم، وأول من أدخل هذا المصطلح في الطب النفسي الدكتور هافلوك أليس رائد المباحث الجنسية المشهور، ثم توسّع الأطباء النفسيون في دراسة هذه الآفة وتتبعوا أعراضها ولوازمها واستقصوا ما هو من لوازمها الأولية وما هو من لوازمها الثانوية أو التبعية، وتعنينا هنا من شعابها التي تتصل بدراسة المنحرفين شعبتان: 1- تسمى إحداهما الاشتهاء الذاتي. 2- تسمى ثانيتهما التوثين الذاتي. فالاشتهاء الذاتي يغلب على الحالات الجسدية التي تقترن باختلال وظائف الجنس في صاحبها ويبلغ من اختلال هذه الوظائف أن المصاب به يمني إذا أطال النظر إلى بدنه عاريا في المرآة وما إليها وأنه يشتهي بدنه كأنه بدن إنسان غريب عنه ولكنها شهوة يبالغ فيها المريض. والتوثين الذاتي يغلب على الحالات العاطفية والفكرية، فيتخذ المصاب به من نفسه وثنا يعبده ويعزه ويدلله، فلازمة التلبيس والتشخيص لاغنى في الشذوذ الجنسي، وهو عشق الإنسان لذاته من الناحية الشهوية، فالشاذ في حب جنسه أو حب الجنس الآخر يجد طلبته ويقضي مأربه، أما الذي يشتهي بدنه فليس في وسعه أن يقضي مأربه منه بغير الاحتيال لذلك بالتلبيس والتشخيص، فهو يلبس شخصيته شخصا آخر يتوهم أنه هو ذاته أو يحل محلّ ذاته وكما يفعل جالد عميرة حين يضع أمامه صورة. هذا ومن المفيد أن يرجع الذي يتوق إلى معرفة تطور النظريات في مسائل الجنس إلى الكتب المؤلفة في هذا الصدد فهي تلقي أضواء على المشكلة ولكنها لا تحلها، لأنها كلها لم تنته إلى تهوين الفوارق بين الجنسين ولا إلى زعم الزاعمين أن الإنسان مزدوج الجنسين مختلط الذكورة والأنوثة بطبيعته، وأن الشذوذ الجنسي فيه فطرة عامة تتخذ أطوارها على حسب العمر من الطفولة إلى تمام النمو في الجنسين كما يقول فرويد ومتبعوه. وقد صور أبو نواس وهو قطب من أقطاب النرجسيين هذه الأطوار خير تمثيل وهو يغشى معاهد الدرس على هذا المثال في عرفه بقوله: إذا ما وطئ الأمر ... د للعلم حصى المسجد فقل حلّ لنا عقدا ... من الفقه واستفسد فإن كان عروضيا ... فقولوا سجد الهدهد وإن أعجبه النحو ... فها ذاك له أجود وإن مال إلى الفقه ... فللفقه له أفسد وان كان كلاميا ... فحرّك طرف المقود وميله إلى الخير ... فقيه قرب ما يبعد وخذه كيفما شئت- اقتضابا أو على موعد وقل: هذا قضاء الله هل يدفع أو يجحد وانتهى مصرحا: فيا من وطئ المسجد ... من ذي بهجة أغيد أنا قست على نفسي ... فهذا الأمر لا أجحد وننتهي من هذا البحث وقد كان أمرا لا بد منه وإن لم يكن هذا موضعه. تصحيح رواية بيت في الكشاف لأبي نواس: ذكر الزمخشري في كشافه بصدد الحديث عن قوم لوط قال: « ... كانوا في ناديهم يرتكبونها معالنين بها لا يتستر بعضهم من بعض خلاعة ومجانة وانهماكا في المعصية وكأن أبا نواس بنى على مذهبهم قوله: وبح باسم ما تأتي وذرني من الكنى ... فلا خير في اللذات من دونها ستر وصواب الرواية «وبح باسم من تهوى ودعني من الكنى» البيت وهو من قصيدة رائعة أولها: ألا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر ... ولا تسقني سرا إذا أمكن الجهر وبعد البيت: فعيش الفتى في سكرة بعد سكرة ... فإن طال هذا عنده قصر العمر وبعده: وما الغرم إلا أن تراني صاحيا ... وما الغرم إلا أن يتعتعني السكر ولا نمرّ بك دون أن نقف عند البيت الأول فقد قال «وقل لي هي الخمر» وقد يبدو هذا حشوا للوهلة الأولى ولكن القارئ إذا ذكر أن للانسان خمس حواس علم أن أبا نواس قصد أن يشرك حاسة السمع التي تظل محرومة من لذة الخمر حال شربها فطالب ندمانه أن يخاطبه باسمها ليشرك حاسة سمعه وهذا من أعاجيب فطنته.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.