الباحث القرآني

* الإعراب: (فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً) الفاء عاطفة على محذوف يفهم من السياق والتقدير فتم العقد بينهما على الإجارة والنكاح ومارس المهمة التي أنيطت به على أحسن وجه وأكمله فلما. ولما حينية أو رابطة وجملة قضى موسى الأجل لا محل لها وسار عطف على قضى وبأهله جار ومجرور متعلقان بسار وجملة آنس لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم ومن جانب الطور متعلقان بآنس ونارا مفعول به ولك أن تجعل من جانب الطور حالا لأنه كان صفة لنارا وتقدم عليها. (قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً) لأهله متعلقان بقال وجملة امكثوا مقول القول وجملة إني تعليل للأمر بالمكث وإن واسمها وجملة آنست خبرها ونارا مفعول به. (لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) جملة الرجاء حال أي راجيا ولعل واسمها وجملة آتيكم خبرها والكاف مفعول به ومنها حال لأنه كان صفة لخبر وبخبر متعلقان بآتيكم وأو حرف عطف وجذوة عطف على خبر وهي مثلثة الجيم: الشعلة من النار والقطعة من الحطب وجمعها جذا، قال ابن مقبل: باتت حواطب ليلى يلتمسن لها ... جزل الجذا غير خوار ولا ذعر ومن النار نعت لجذوة وجملة الرجاء حال أيضا ولعل واسمها وجملة تصطلون خبرها. (فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ) الفاء عاطفة على محذوف يقتضيه السياق أي فسار نحوها فلما أتاها، وجملة نودي لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم ومن شاطىء الوادي متعلقان بنودي والأيمن صفة لشاطيء وفي البقعة حال من الشاطئ والمباركة صفة للبقعة ومن الشجرة بدل من قوله من شاطىء الوادي بدل الاشتمال لأن الشجرة كانت نابتة على الشاطئ وقد تقدم نظيره في قوله: «لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم» أي أتاه النداء من شاطىء الوادي من قبل الشجرة. (أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) أن مفسرة لأن النداء قول والتقدير أي يا موسى، وأجاز أبو البقاء وغيره أن تكون مخففة من الثقيلة واسمها محذوف يفسره جملة النداء أي نودي بأنه أي الشأن، وإني إن واسمها وهي مكسورة الهمزة باتفاق القراء لأن النداء قول وأنا ضمير فصل أو مبتدأ والله خبر إن أو خبر أنا والجملة خبر إن ورب العالمين نعت لله أو بدل منه. (وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ) الواو عاطفة وأن مفسرة معطوفة على سابقتها وألق فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وعصاك مفعول به، فلما الفاء عاطفة على مقدر يقتضيه السياق أي فألقاها فصارت ثعبانا ورآها فعل وفاعل مستتر ومفعول به وجملة تهتز حالية وجملة كأنها جان حال من فاعل تهتز وكأن واسمها وجان خبرها وجملة ولى لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وفاعل ولى مستتر تقديره هو ومدبرا حال والواو عاطفة وجملة لم يعقب عطف على ولى أي ولم يرجع. (يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ) أقبل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت ولا تخف لا ناهية وتخف فعل مضارع مجزوم بلا وإن واسمها ومن الآمنين خبرها والجملة تعليل للأمر بالإقبال والنهي عن الخوف. (اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ) اسلك يدك فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به وفي جيبك متعلقان باسلك من سلك الشيء في الشيء أنفذه فيه، وتخرج فعل مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب والفاعل مستتر تقديره هي وبيضاء حال ومن غير سوء متعلقان ببيضاء وقد تقدم تعليل ذلك في سورة طه فجدد به عهدا. (وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ) قال الزمخشري: «فإن قلت ما معنى قوله واضمم إليك جناحك من الرهب؟ قلت: فيه معنيان أحدهما أن موسى عليه السلام لما قلب العصا حية فزع واضطرب فاتقاها بيده كما يفعل الخائف من الشيء فقيل له: إن اتقاءك بيدك فيه غضاضة عند الأعداء فإذا ألقيتها فكما تنقلب حية فأدخل يدك تحت عضدك مكان اتقاءك بها ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران: اجتناب ما هو غضاضة عليك وإظهار معجزة أخرى. والمراد بالجناح اليد لأن يدي الإنسان بمنزلة جناحي الطائر وإذا أدخل يده اليمنى تحت عضد يده اليسرى فقد ضم جناحه إليه، والثاني أن يراد بضم جناحه اليه تجلده وضبطه نفسه وتشدّده عند انقلاب العصا حية حتى لا يضطرب ولا يرهب استعاره من فعل الطائر لأنه إذا خوّف نشر جناحيه وأرخاهما وإلا فجناحاه مضمومان إليه مشمران. ومنه ما يحكى عن عمر بن عبد العزيز أن كاتبا له كان يكتب بين يديه فانفلت منه فلتة ريح، فخجل وانكسر فقام وضرب بقلمه الأرض فقال له عمر خذ قلمك واضمم إليك جناحك وليفرخ روعك فإني ما سمعتها من أحد أكثر مما سمعتها من نفسي» . واضمم فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وإليك متعلقان باضمم وجناحك مفعول به ومن الرهب متعلقان باضمم بمثابة التعليل له أي من أجل الرهب وقيل بولي أي هرب من الفزع، وقيل بمدبرا، وقيل بمحذوف أي يسكن من الرهب، والرهب بفتح الراء والهاء وبفتح الراء واسكان الهاء. وسيأتي مزيد تفصيل في باب البلاغة. (فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ) الفاء الفصيحة أي إذا تأملت بذلك واستيقنت منه فذانك، وذانك اسم إشارة وهي تثنية ذاك ومن قرأ ذانّك بالتشديد جعلها تثنية ذلك بلام البعد ويكون التشديد عوضا عنها وبرهانان خبر ومن ربك صفة لبرهانان أي مرسلان من ربك والى فرعون متعلقان بمرسلان وملئه عطف على فرعون وجملة إنهم تعليل لإرسال البرهانين وان واسمها وجملة كانوا خبرها وكان واسمها وقوما خبرها وفاسقين صفة لقوما. * البلاغة: تقدم معظم ما في هذه الآيات من فنون البلاغة من استعارة واحتراس، ونضيف إلى ما تقدم ما أورده الامام الزمخشري بأسلوبه الساحر وهذا نصه: «فإن قلت قد جعل الجناح وهو اليد في أحد الموضعين مضموما وفي الآخر مضموما إليه وذلك قوله: «واضمم إليك جناحك» وفي طه «واضمم يدك إلى جناحك» فما التوفيق بينهما؟ قلت: المراد الجناح المضموم هو اليد اليمنى والمضموم اليه هو اليد اليسرى وكل واحدة من يمنى اليدين ويسراهما جناح» . وقال الزمخشري أيضا: «فإن قلت لم سميت الحجة برهانا؟ قلت لبياضها وإنارتها من قولهم للمرأة البيضاء برهرهة بتكرير العين واللام معا» وهذا تعليل لطيف لا يحسن استنباطه غير هذا الامام ومعنى ذلك أن النون في البرهان زائدة، يقولون أبره الرجل إذا جاء بالبرهان ونظيره تسميتهم الحجة أيضا سلطانا من السليط وهو الزيت لإنارتها، وفي معاجم اللغة: وأبره أتى بالبرهان أو بالعجائب وغلب الناس وهذا هو قول الزمخشري والمحققين، وزعم صاحب القاموس في أحد قوليه أن النون أصلية قال وبرهن عليه أقام البرهان، والبرهان بالضم الحجة فتدبر. * الفوائد: عصا موسى أيضا: قدمنا في سورة طه بحثا مستفيضا عن العصا ونضيف هنا ما يتعلق بعصا موسى خاصة، روى التاريخ أن شعيبا كانت عنده عصي الأنبياء فقال لموسى بالليل ادخل ذلك البيت فخذ عصا من تلك العصي فأخذ عصا كان شعيب مفتونا بها وكان مكفوفا فضن بها فقال: غيرها فما وقع في يده إلا هي سبع مرات فعلم أن له شأنا، وقيل أمر شعيب ابنته أن تعطي موسى عصا يدفع بها السباع عن غنمه فوقعت في يدها سبع مرات كما تقدم وفي كتب التفسير طرائف عن تلك العصا لا مجال لها في كتابنا.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.