الباحث القرآني

* اللغة: (أَطَّلِعُ) : الطلوع والاطلاع: الصعود، يقال طلع الجبل واطلع بمعنى وإن نفسك لطلعة إلى هذا الأمر وانها لتطّلع إليه أي تنازع. (الْمَقْبُوحِينَ) : المقبوح: المطرود وقبحه الله: طرده، وفي المصباح: «قبح الشيء قبحا فهو قبيح من باب قرب وهو خلاف حسن وقبحه الله يقبحه بفتحتين: نحاه الله عن الخير وفي التنزيل: «وهم من المقبوحين» أي المبعدين عن الفوز والتثقيل مبالغة وقبح عليه فعله تقبيحا» . وقال أبو زيد: قبح الله فلانا قبحا وقبوحا أبعده من كل خير، وقال أبو عمرو: قبحت وجهه بالتخفيف بمعنى قبّحت بالتشديد ومثله قول الشاعر: ألا قبح الله البراجم كلها ... وقبح يربوعا وقبح دارما * الإعراب: (وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي) الواو عاطفة على مقدر يقتضيه السياق أي وقال فرعون بعد ما جمع السحرة لمعارضته وكان بينهم وبين موسى ما كان، ويا حرف نداء وأيها منادى نكرة مقصودة بني على الضم في محل نصب والهاء للتنبيه والملأ بدل وما نافية وعلمت فعل وفاعل ولكم حال ومن حرف جر زائد وإله مجرور لفظا بمن منصوب محلا لأنه مفعول به وغيري صفة لإله. (فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً) الفاء الفصيحة وأوقد فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت ويا حرف نداء وهامان منادى مفرد علم وعلى الطين متعلقان بأوقد، فاجعل عطف على أوقد ولي في محل نصب مفعول ثان لا جعل وصرحا مفعول أول. (لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ) لعل واسمها وجملة أطلع خبرها والى إله موسى متعلقان بأطلع وإني الواو عاطفة وان واسمها واللام المزحلقة وجملة أظنه خبر والهاء مفعول به أول ومن الكاذبين في موضع المفعول الثاني. (وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) عطف على وقال فرعون وهو فاعل استكبر أو توكيد للفاعل لأن استتار الفاعل في الغائب جائز وجنوده عطف على هو وفي الأرض متعلقان باستكبر وبغير الحق حال من فاعل استكبر أي ملتبسين بغير الحق. (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ) وظنوا عطف على استكبر وأن وما يليها سدت مسد مفعولي ظنوا وإلينا متعلقان بيرجعون ولا نافية وجملة لا يرجعون خبر أن. (فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) فأخذناه عطف على ما تقدم وأخذناه فعل وفاعل ومفعول به وجنوده عطف على الهاء في أخذناه أو مفعول معه فنبذناهم عطف على فأخذناه وفي اليم متعلقان بنبذناهم، فانظر الفاء الفصيحة وانظر فعل أمر وكيف خبر مقدم لكان وعاقبة الظالمين اسمها المؤخر. (وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ) وجعلناهم فعل وفاعل ومفعول به أول وأئمة مفعول به ثان وجملة يدعون صفة لأئمة والى النار متعلقان بيدعون ويوم القيامة الواو عاطفة ويوم القيامة ظرف متعلق بينصرون ولا نافية وينصرون فعل مضارع مبني للمجهول ولك أن تجعل الواو حالية والجملة حال. (وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً) وأتبعناهم عطف على ما تقدم وفي هذه الدنيا حال والدنيا بدل من هذه ولعنة مفعول به ثان. (وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ) الظرف متعلق بمحذوف دل عليه قوله المقبوحين كأنه قيل وقبحوا يوم القيامة وإنما قدرنا محذوفا لأن تعليقه بالمقبوحين وهو الظاهر يمنع منه وجود أل الموصولية، على أنهم قد اتسعوا في ذلك فعلقوه بمدخولها ولا مانع من ذلك ولك أن تعطفه على موضع في هذه الدنيا أي وأتبعناهم لعنة يوم القيامة وهم مبتدأ ومن المقبوحين خبره. * البلاغة: في قوله «فأوقد لي يا هامان على الطين» إطناب بديع وذلك أنه لم يقل اطبخ لي الآجر وذلك ليتفادى ذكر كلمة الآجر لأن تركيبها- على سهولة لفظه- ليس فصيحا وذلك أمر يقرره الذوق وحده، ألا ترى إلى هذه الكلمة وقد وقعت في بيت للنابغة الذبياني من قصيدته الدالية التي أولها: من آل مية رائح أو مغتدي ... عجلان ذا زاد وغير مزود والبيت هو: أو دمية من مرمر مرفوعة ... بنيت بآجر يشاد بقرمد فلفظة آجر في البيت قلقة نابية لابتذالها، فإن شئت أن تعلم شيئا من سر الفصاحة التي تضمنها القرآن فانظر إلى هذا الموضع فإنه لما جيء فيه بذكر الآجر لم يذكره بلفظه ولا يلفظ القرمد أيضا لكنه ذكر في القرآن على وجه آخر فعبر عن الآجر بالوقود على الظين، ثم ان هذه العبارة أحسن مطابقة لفصاحة القرآن وعلو طبقته وأشبه بكلام الجبابرة وأمر هامان وهو وزيره ورديفه بالإيقاد على الطين منادى باسمه «يا» في وسط الكلام دليل التعظيم والتجبر وقد اشتملت هذه العبارة على الكثير من ألفاظ الجبابرة العتاة وذلك على الوجه التالي: 1- نادى وزيره بحرف النداء. 2- توسيط ندائه خلال الأمر وبناء الصرح. 3- رجاؤه الاطلاع إلى الله. 4- الغباء الذي يلازم الجبابرة العتاة إذ يقعون في التناقض من حيث لا يشعرون فقد صرح قبل هنيهة بقوله «ما علمت لكم من إله غيري» فعبر عن نفي المعلوم بنفي العلم وأعلن تصميمه على الجحود ثم ما عتم أن أعلن رجاءه الاطلاع فهل كان مصمما على الجحود أم لم يكن. فصل في اختيار الألفاظ: هذا وقد عني علماء البيان باللفظة وسر اختيارها وخلاصة ما يقال فيه: أن حسن الألفاظ وقبحها أمر يعود إلى الذوق وحده فما استحسنه كان حسنا وما استقبحه كان قبيحا، فالاستعمال ليس بدليل الحسن، وهذا طريق يضل فيه غير العارف بمسالكه ومن لم يعرف صناعة النظم والنثر وما يجده صاحبها من الكلفة في صوغ الألفاظ واختيارها فإنه معذور في أن يقول ما قال: لا يعرف الشوق إلا من يكابده ... ولا الصبابة إلا من يعانيها والصاحب بن عباد الذي كان من المفتونين بأبي الطيب، والذي كان يستعمل أشعاره في كتاباته ويقتبس منها، عند ما حصلت بينه وبين أبي الطيب المتنبي الجفوة بسبب ترفع هذا عن مجاوبته فقد ذكروا أن الصاحب أبا القاسم طمع في زيارة المتنبي إياه بأصبهان وإجرائه مجرى مقصوديه من رؤساء الزمان وهو إذ ذاك شاب ولم يكن قد استوزر بعد، وقد كتب الصاحب اليه يلاطفه في استدعائه ويضمن له مشاطرته جميع ماله فلم يقم له المتنبي وزنا ولم يجبه إلى كتابه ولم يحقق مراده، وقصد المتنبي بعد ذلك إلى حضرة عضد الدولة بشيراز فأسفرت سفرته- كما يقول أبو منصور الثعالبي في يتيمة الدهر- عن بلوغ الأمنية، وورود مشروع المنية، وذلك أن المتنبي قتل عند مغادرته إياه محملا بالعطايا والهبات. قال الثعالبي: «واتخذه الصاحب غرضا يرشقه بسهام الوقيعة ويتتبع عليه سقطاته في شعره وهفواته، وينعى عليه سيئاته، وهو أعرف الناس بحسناته، وأحفظهم لها، وأكثرهم استعمالا إياها وتمثلا بها في محاضراته ومكاتباته» . وقد عمل الصاحب رسالة فيما أخذه على المتنبي، وإذا فرضنا أن الذي دعا الصاحب إلى عمل هذه الرسالة هو استياؤه من المتنبي حيث تعاظم عن مدحه فإنا نجده لم يتحامل عليه بالباطل في شيء منها ولم يظلمه بحرف واحد جاء فيها ولم يعبه إلا بما هو عيب ولم يستطع أن ينال منه إلا من طريق الألفاظ وحدها. ونورد هنا نماذج من هذه الرسالة. 1- أخذ الصاحب على المتنبي التفاصح بالألفاظ الشاذة فمن ذلك قوله: أيفطمه التوراب قبل فطامه ... ويأكله قبل البلوغ إلى الأكل قال: «وما أرى كيف عشق التوراب حتى جعله عوذة أشعاره» والتوراب: التراب. ومعنى البيت: أيفطمه التوراب قبل أن تفطمه أمه ويأكله التراب قبل أن يبلغ سن الآكل. 2- وأخذ عليه لفظة ترنج بقوله: شديد البعد من شرب الشمول ... ترنج الهند أو طلع النخيل قال الصاحب ساخرا: «فلا أدري أاستهلال الأبيات أحسن؟ أم المعنى أبدع؟ أم قوله ترنج أفصح» ولقد أصاب الصاحب فاللغة الفصيحة هي أترج وأترجة ومنه الحديث مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كالأترجة ريحها طيب وطعمها طيب، وحكى أبو زيد ترنج وترنجة، يقول أبو الطيب: ترنج الهند وطلع النخيل شديد بعدهما عن محلك من شرب الخمر وإن كان غيرك يتخذهما لذلك لأن هذه الحال غير مظنونة بك وانما استحضارك لهما ولما يشاكلهما من الرياحين استمتاعا بحسن ذلك. 3- وانتقد الصاحب جمع الآخاء في شعره إذ قال. كل آخائه كرام بني الدنيا ولكنه كريم الكرام قال: «ولو وقع الآخاء» في رائية الشمّاخ لاستثقل فكيف مع أبيات منها: قد سمعنا ما قلت في الأحلام ... وأنلناك بدرة في المنام والكلام إذا لم يتناسب زيّفه جهابذته، وبهرجه نقاده» . وعلى هذا النحو يمضي في كشف مساوئ المتنبي وكلها أمور ترجع إلى اللفظة وحدها وسيرد معنا الكثير منها فلنكتف بما ذكرناه الآن منها. وعاب النقاد القوافي الملتاثة، فعابوا على أبي تمام قافيته الثائية في قصيدته التي مطلعها: قف بالطلول الدارسات علاثا ... أصخت حبال قطينهن رثاثا وعلاثا منادى مرخم وأصله يا علاثة. وعابوا على أبي الطيب قافيته الشينية في قصيدته التي مطلعها: مبيتي من دمشق على فراش ... حشاه لي بحرّ حشاي حاش وعابوا على ابن هانىء الأندلسي قافيته الخائية في قصيدته التي مطلعها: سرى وجناح الليل أقتم أفتخ ... حبيب ضجيع بالعبير مضمّخ والأقتم: المظلم، والأفتخ: المستطيل. وحسبنا ما تقدم فقد كدنا نخرج بالكتاب عن موضوعه.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.