الباحث القرآني

* اللغة: (وَاعْتَصِمُوا) الاعتصام: الالتجاء والتمسك، وأنا معتصم بفلان ومستعصم به ومعتصم بحبله، ونحن في عصمة الله، وكل ما عصم به الشيء- أي: حفظ وصين- فهو عصام. وللعين والصاد- إذا كانتا فاء وعينا للكلمة- خصائص لغوية رائعة، فهما تدلان على الشدة والمنعة وما هو بمعناهما من الحفظ والتأبي، فيقال: فلان لا تعصب سلماته، أي: لا يقهر، قال الكميت بن زيد: ولا سمراتي يبتغيهن عاضد ... ولا سلماتي في بجيلة تعصب وفلان معصوب الخلق: مطويه مكتنز اللحم. وكانوا إذا سودوا إنسانا عصبوه. وهذا يوم عصيب وعصبصب أي: شديد. وفلان يتعصب لقومه. وعصر معروف، ولا بد من استعمال شدة في العصر، وهذا أمر قد تعصرت الشبيبة به وبلغت الأشد عليه. والمعصرات: السحب التي تمطر الماء. وعصفت الريح فهي عاصف ومعصفة، وهي أشد، وعصف بهم الدهر: أودى بهم وأبادهم، قال عدي بن زيد: ثم أضحوا عصف الدهر بهم ... وكذاك الدهر حالا بعد حال وجعلهم كعصف مأكول معروف، ويقال للجائع: صاحت عصافير بطنه، وهو تعبير عامي فصيح، أي: صوتت بشدة. وسمي العصفور لأنه لا ينفك عن الزقزقة. ووهب النعمان للنابغة مائة من عصافيره، وهي نجائب كانت له، انتهت في يوم دارة مأسل، قال ذو الرمة: نجائب من ضرب العصافير ضربها ... أخذنا أباها يوم دارة مأسل ولو شئنا الاستقصاء لأسمعناك العجب العجاب فحسبنا ما تقدم. (شَفا) الشفا: طرف الحفرة، بالتذكير والتأنيث. وسيأتي المزيد من الكلام عنها في باب الفوائد. * الإعراب: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ) كلام مستأنف مسوق لما فيه تكميل المؤمنين لأنفسهم، وقد تقدم إعراب النداء فجدد به عهدا. واتقوا فعل أمر والواو فاعل والله مفعول به وحق تقاته مفعول مطلق، والإضافة هنا من باب إضافة الصفة إلى موصوفها، والأصل التقاة الحق، والتقاة مصدر تقدم تحقيقها (وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) الواو حرف عطف ولا ناهية وتموتن فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين ضمير متصل في محل رفع فاعل والنون المشددة للتوكيد ولا محل لها وإلا أداة حصر والواو حالية وأنتم مبتدأ ومسلمون خبر والجملة الاسمية نصب على الحال (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا) الواو عاطفة واعتصموا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل وبحبل الله جار ومجرور متعلقان باعتصموا وجميعا حال ولا ناهية وتفرقوا فعل مضارع حذفت إحدى تاءيه جوازا، وأصله تتفرقوا مجزوم بلا وعلامة جزمه حذف النون (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) الواو حرف عطف واذكروا فعل أمر معطوف على اعتصموا ونعمة الله مفعول به وعليكم جار ومجرور متعلقان بنعمة (إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ) إذ ظرف لما مضى من الزمن متعلق باذكروا وجملة كنتم في محل جر بالإضافة إليها وكنتم فعل ماض ناقص واسمها، وأعداء خبرها والفاء عاطفة وألف فعل ماض وفاعله ضمير مستتر يعود على الله وبين ظرف متعلق بألف وقلوبكم مضاف إليه (فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً) الفاء عاطفة وأصبحتم فعل ماض ناقص والتاء اسمها وبنعمته جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وإخوانا خبر أصبحتم (وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها) عطف على ما تقدم وكان واسمها وعلى شفا حفرة جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبرها ومن النار جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لحفرة فأنقذكم عطف على كنتم ومنها جار ومجرور متعلقان بأنقذكم (كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) الجار والمجرور متعلقان بمحذوف مفعول مطلق أو حال، وقد تقدم كثيرا، ويبين الله فعل مضارع وفاعل وآياته مفعول به والجملة مستأنفة ولعل واسمها، وجملة تهتدون خبرها وجملة الرجاء حالية. * البلاغة: 1- الاستعارة التمثيلية في الاعتصام بحبل الله، فقد شبه الوثوق بالله والاعتماد على حمايته بحال من يمسك بحبل وثيق، وقد تدلى من مكان عال، فهو آمن من انقطاعه وانبتاته. وقد أراد بالحبل هنا القرآن الكريم، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «القرآن حبل الله المتين، لا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الرد. من قال به صدق، ومن عمل به رشد، ومن اعتصم به هدي إلى صراط مستقيم» . 2- الطباق بين أعداء وإخوان. * الفوائد: 1- الشفا في الأصل مذكر، وقد عاد الضمير عليه في الآية مؤنثا لأنه اكتسب التأنيث بإضافته إلى الحفرة. والقاعدة المطردة هي أن المضاف المذكر قد يكتسب من المضاف إليه المؤنث تأنيثه وبالعكس، وشرط ذلك في الصورتين صلاحية المضاف للاستغناء عنه بالمضاف إليه مع صحة المعنى. فمن الأول قول الأغلب: طول الليالي أسرعت في نقضي ... نقضن كلي ونقضن بعضي فأنت «أسرعت» مع أنه خبر عن مذكر إلا أنه اكتسب التأنيث من «الليالي» . وعليه يفسر قول مجنون ليلى: وما حب الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا ومن التصوير الثاني قول الآخر: إنارة العقل مكسوف بطوع هوى ... وعقل عاصي الهوى يزداد تنويرا فذكر «مكسوف» مع أنه خبر عن مؤنث وهو «إثارة» لأنها اكتسبت التذكير من إضافتها إلى العقل وهذا باب هام فتأمل. 2- (أصبح) تستعمل لاتصاف الموصوف بصفة وقت الصباح، وتستعمل بمعنى صار فلا يلحظ فيها وقت الصباح بل مطلق الانتقال والصيرورة من حال إلى حال، قال الربيع بن ضبع: أصبحت لا أحمل السلاح ولا ... أملك رأس البعير إن نفرا
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.