الباحث القرآني

* اللغة: الفئة: الجماعة ولا واحد لها من لفظها وجمعها فئات وقد تجمع بالواو والنون جبرا لما نقص، وإنما سميت الجماعة فئة لأنه يفاء إليها، أي يرجع في وقت الشدة. وقال الزّجاج: الفئة: الفرقة، مأخوذ من قولهم: فأوت رأسه بالسيف أي قطعته. (العبرة) : الاتعاظ، يقال منه: اعتبر، وهو الاستدلال بشيء على شيء يشبهه، واشتقاقها من العبور وهو مجاوزة الشيء إلى الشيء، ومنه عبر النهر بفتح العين: وهو شطه، والمعبر السفينة، والعبارة يعبر بها إلى المخاطب بالمعاني، وعبرت الرؤيا مخففا ومثقلا نقلت ما عندك من علمها إلى الرّائي أو غيره ممن يجهل، وكان الاعتبار انتقالا من منزلة الجهل إلى منزلة العلم، ومنه العبرة بفتح العين وهي الدمع لأنها تجاوز العين. * الإعراب: (قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ) الجملة داخلة في حيز القول السابق أي قل لليهود: ستغلبون وقل لهم: قد كان وقيل: هي عامة وإن الخطاب لجميع الكفار فتكون مستأنفة أو لجميع المؤمنين، والعبرة لا تختص بأحد، وقد حرف تحقيق وكان فعل ماض ناقص ولكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر كان المقدم وآية اسمها المؤخر (فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا) الجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لآية وجملة التقتا صفة للفئتين والتاء تاء التأنيث الساكنة وحركت بالفتحة لمناسبة ألف الاثنين التي هي فاعل وقد كان ذلك اللقاء يوم بدر (فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) فئة خبر لمبتدأ محذوف أي إحداهما فئة ويجوز جر فئة على البدلية من فئتين وهي إحدى القراءات وجملة تقاتل صفة لفئة وفي سبيل الله متعلقان بتقاتل (وَأُخْرى كافِرَةٌ) الواو عاطفة وأخرى عطف على فئة وكافرة صفة فمن رفع الأول رفعه ومن جر الأول جرّه (يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ) جملة يرونهم نعت للفئة التي تقاتل في سبيل الله وهم النبي وصحابته، ويرونهم فعل وفاعل ومفعول به والرؤية بصرية أو بمثابتها لشدة الالتحام ومثليهم حال ورأي العين مفعول مطلق مؤكد لعامله (وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ) الواو استئنافية والله مبتدأ وجملة يؤيد خبر وبنصره متعلقان بيؤيد ومن اسم موصول مفعول به وجملة يشاء لا محل لها لأنها صلة الموصول (إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ) الجملة مستأنفة مسوقة للحث على الاعتبار وإن حرف مشبه بالفعل وفي ذلك جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم واللام المزحلقة وعبرة اسم إن المؤخر ولأولي جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لعبرة وعلامة جره الياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم والأبصار مضاف اليه. * البلاغة: انطوت هذه الآية على أرفع الخصائص البيانية فمنها: 1- الاحتباك وهو الحذف من كلامين متقابلين وكل منهما يدل على المحذوف من الآخر ففي قوله تعالى: «فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة» حذف من الكلامين، وتقديره: فئة مؤمنة تقاتل في سبيل الله وفئة أخرى كافرة تقاتل في سبيل الشيطان. فحذف من الأول ما يفهم من الثاني، وحذف من الثاني ما يفهم من الأول. 2- الكلام الموجه لأن المعنى إما أن يفهم منه شيء واحد لا يحتمل غيره وإما أن يحتمل منه الشيء وغيره، وتلك الغيرية إما أن تكون ضدا أو لا، وهذه الآية احتملت معنيين متغايرين، وتلك الغيرية ضد إذا احتملت رؤية الكثرة أن تكون للمسلمين أو للمشركين في وقت واحد، وليس هناك ما يرجح واحدا على الآخر لأن كلا منهما يصح إطلاقه في الآية. وقد ورد في الحديث من التوجيه قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إذا لم تستح فاصنع ما شئت» وهذا يشتمل على معنيين متضادين أحدهما إن المراد به إذا لم تفعل فعلا تستحي منه فاصنع ما شئت، والآخر: أن المراد به إذا لم يكن لك حياء يزعك عن فعل ما يستحيا منه فافعل ما شئت. وهذان معنيان ضدان، أحدهما مدح والآخر ذمّ. المتنبي والكلام الموجه وقد رمق أبو الطيب المتنبي هذه السماء العالية واستغلها في مدائحه لكافور، حاكم الأخشيد في مصر، فقد كان مضطرا إلى مجاملته لتفادي المكروه إن جابهه بما يكنه من احتقار، فجنح إليه في أماديح ليكون ظاهرها المديح وباطنها الهجاء، فمن ذلك قوله فيه: وأظلم أهل الظلم من بات حاسدا ... لمن في نعمائه يتقلب وهذا البيت يحتمل معنيين ضدين أحدهما أن المنعم عليه يحسد المنعم، فيكون مدحا. وكذلك أورده ليوهم كافورا أنه يريد ذلك. وثانيهما أن المنعم يحسد المنعم عليه ليقرر حقيقة رسخت في هذا المخلوق الذي قذفت به المقادير ليكون ملكا فهو ينعم على الآخرين ثم ما يلبث أن يحسدهم على ما نالوه من نعمائه. وهذا من أعجب ما اتفق في الشعر، وهو من خصائص هذا الشاعر العجيب. وكثيرا ما كان يجنح أبو الطيب إلى هذا اللون من الشعر في أماديحه لكافور، ومن ذلك قوله فيه من قصيدة مطلعها: عدوّك مذموم بكل لسان ... ولو كان من أعدائك القمران ثم قال فيه: ولله سر في علاك وإنما ... كلام العدا ضرب من الهذيان فما لك تعنى بالأسنة والقنا ... وجدك طعان بغير سنان أي دع أعداءك يقولوا ما أرادوا ويحدسوا في الأسباب التي جعلت منك ملكا فإن ذلك من أسرار الله في خلقه، يرفع الوضيع ويغني البليد ويرزق الفدم الغبي، ثم يقول له مخاطبا: إنك لم تبلغ ما بلغته بسعيك واهتمامك بل بحظك وسعدك، وهذا مما لا فضل فيه، ويستوي فيه الفدم وغير الفدم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.