الباحث القرآني

* الإعراب: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) اللام جواب لقسم محذوف وقد حرف تحقيق ومنّ الله فعل وفاعل وعلى المؤمنين جار ومجرور متعلقان بمنّ والكلام مستأنف مسوق لتأكيد نزاهة النبي صلى الله عليه وسلم وبيان خطأ الذين نسبوا إليه الغلول (إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ) إذ ظرف لما مضى من الزمن متعلق بمنّ وجملة بعث في محل جر بالإضافة وفيهم جار ومجرور متعلقان ببعث ورسولا مفعول به ومن أنفسهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ل «رسولا» (يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ) الجملة صفة ثانية ل «رسولا» وعليهم جار ومجرور متعلقان بيتلو (وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ) الجملتان معطوفتان على يتلو، والكتاب مفعول به ثان ليعلمهم والحكمة عطف على الكتاب (وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) الواو حالية وإن مخففة من الثقيلة مهملة لا عمل لها وكان واسمها، ومن قبل جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وقبل ظرف مبني على الضم في محل جر بمن ولفي اللام هي الفارقة وفي ضلال جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر كانوا ومبين نعت. * البلاغة: في الآية فن رفيع من فنون البلاغة يعرف بفن التجريد، وهو أن ينتزع المتكلم من أمر ذي صفة أمرا آخر بمثاله فيها مبالغة لكسالها فيه، كأنه أبلغ من الاتصاف بتلك الصفة. وهو أقسام كثيرة يسكن الرجوع إليها في كتب البلاغة، ولكننا نشير إلى أهمها: 1- أن يكون ب «من» الجارّة، ومن أوابده في النثر خطبة أبي طالب في تزويج خديجة بالنبي صلى الله عليه وسلم ومنها: «الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل وضئضي معد» . 2- ويكون بالباء الجارة التجريدية كقول أبي تمام: هتك الظلام أبو الوليد بعزة ... فتحت لنا باب الرجاء المقفل بأتمّ من قمر السماء إذا بدا ... بدرا وأحسن في العيون وأجمل بأجلّ من قيس إذا استنطقته ... رأيا وألطف في الأمور وأجزل 3- ويكون يفي الجارّة التجريدية، قال تعالى: «لهم فيها دار الخلد» أي في جهنم فانتزع منها دارا أخرى مبالغة. وقد رمقها أبو الطيب فقال: تمضي المواكب والأبصار شاخصة ... منها إلى الملك الميمون طائره قد حرن في بشر في تاجه قمر ... في درعه أسد تدمى أظافره فإن الأسد هو الممدوح نفسه لكنه انتزع منه أسدا آخر تهويلا لأمره ومبالغة في اتصافه بالشجاعة والإقدام. 4- ومن أقسام التجريد أن ينتزع الإنسان من نفسه شخصا آخر مثله في الصفة التي سيق لها الكلام، ثم يخاطبه كقول المتنبي: لا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النطق إن لم تسعد الحال وأجز الأمير الذي نعماه فاجئة ... بغير قول ونعمى القوم أقوال وجميل قول أبي نواس: يا كثير النّوح في الدمن ... لا عليها بل على السكن سنة العشاق واحدة ... فإذا أحببت فاستنن ومراده الخطاب مع نفسه، ولذلك قال بعدهما: ظنّ بي من قد كلفت به ... فهو يجفوني على الظّنن بات لا يعنيه ما لقيت ... عين ممنوع من الوسن رشأ لولا ملاحته ... خلت الدنيا من الفتن وقال شوقي في العصر الحديث: قم ناج جلّق وانشد رسم من بانوا ... مشت على الرسم أحداث وأزمان فقد انتزع من نفسه شخصا آخر يمثّله في الشاعرية والقدرة على مناجاة دمشق الخالدة التي صمدت للاستعمار دائما. ويكثر هذا القسم في مطالع القصائد ولكن سبيله صعبة محفوفة بالخطر لأنه قد يخاطب مسدوحه أو معشوقه أو أي مخاطب كان بما يكره ويتطيّر به كما فعل جرير عند ما استهل قصيدة مدح بها عبد الملك بن مروان: أتصحو أم فؤادك غير صاح ... عشيّة هم صحبك بالرّواح فقال له عبد الملك: ويلك! ما لك ولهذا السؤال يا ابن الفاعلة! وكما تورط أبو الطيب المتنبي نفسه متعمدا في مديح كافور: كفى بك داء أن ترى الموت شافيا ... وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا ومن القصائد البديعة التي تغلغل التجريد إلى أبياتها قصيدة الصمة بن عبد الله في صاحبته ريا، ونوردها كاملة ففيها لعشاق الأدب سلوى وتأساء: حننت إلى ريا ونفسك باعدت ... مزارك من ريا وشعباكما معا فما حسن أن تأتي الأمر طائعا ... وتجزع أن داعي الصبابة أسمعا فقا ودعا نجدا ومن حلّ بالحمى ... وقل لنجد عندنا أن يودّعا بنفسي تلك الأرض ما أطيب الربا ... وما أحسن المصطاف والمتربّعا وليست عشيّات الحمى برواجع ... إليك ولكن خلّ عينيك ت دمعا ولما رأيت البشر أعرض دوننا ... وحالت بنات الشوق يحننّ ن زّعا بكت عيني اليسرى فلما زجرتها ... عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا تلفّت نحو الحي حتى حسبتني ... وجعت من الإصغاء ليتا وأ خدعا وأذكر أيام الحمى ثم أنثني ... على كبدي من خشية أن تصدّعا * الفوائد: تخفف «إنّ» المكسورة الهمزة المشبهة بالفعل فتهمل لزوال اختصاصها، وتدخل على الخبر لام تسمى اللام الفارقة، مثل: إن خالد لمسافر، فرقا بينها وبين إن النافية، وإذا وليها فعل كانت مهملة حتما، ويكون هذا الفعل من النواسخ أي كان وظن وأخواتهما، ولا بد من دخول هذه اللام على هذه الأفعال. وقد أعملها بعض العرب في القسم الأول على قلة فقالوا يجوز أن نقول: إن خالدا لمسافر، ولهذا أخطأ الزمخشري وخالف كتابه المفصل عند ما أعملها في قولها تعالى: «وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين» عند ما قدر اسمها اسما ظاهرا أي إن الشأن والحديث. وقد تبع الزمخشري في الخطأ الجلال وأبو السعود، وجلّ من لا يسهو.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.