الباحث القرآني

* الإعراب: (رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ) كلام مستأنف مسوق لتتمة الابتهالات الرقيقة الرائعة التي شرع فيها في خاتمة سورة آل عمران. وربنا منادى مضاف وإنك: إن واسمها، ومن اسم شرط جازم في محل نصب مفعول به مقدم وتدخل فعل الشرط والنار منصوب بنزع الخافض أو مفعول به ثان على السعة، فقد الفاء رابطة لجواب الشرط لاقتران الجواب بقد وأخزيته فعل وفاعل ومفعول به والجملة المقرونة بالفاء في محل جزم جواب الشرط والجملة في محل رفع خبر إن (وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ) الواو استئنافية أو حالية وما نافية وللظالمين جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم ومن حرف جر زائد وأنصار مجرور لفظا بمن مرفوع بالابتداء محلا، ولك أن تجعل ما حجازية عاملة عمل ليس لأنهم أجازوا تقديم الخبر إذا كان ظرفا أو جارا ومجرورا (رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ) ربنا منادى مضاف وإن واسمها، وجملة سمعنا خبرها ومناديا مفعول سمعنا وجملة ينادي صفة وللإيمان جار ومجرور متعلقان بينادي. [ويلاحظ أن ضمير المتكلم وهو «نا» استعمل في حالاته الثلاث الجر بالاضافة ل «ربّ» والنصب لأنه اسم إن والرفع على الفاعلية] والجملة كلها مستأنفة مسوقة لتتمة الابتهالات (أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا) أن مصدرية وآمنوا فعل أمر وأن وما في حيزها في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض ويكون الجار والمجرور متعلقين بينادي، ويجوز أن تكون أن هي المفسرة، وهي الواقعة بعد جملة فيها معنى القول دون حروفه، فتكون الجملة لا محل لها. وبربكم جار ومجرور متعلقان بآمنوا فآمنا الفاء حرف عطف للترتيب والتعقيب، مؤذن بتعجيل الانصياع للنداء والايمان من غير مهلة، لأن المنادي هو محمد أو القرآن، وكلاهما حافز إلى الامتثال والايمان (رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا) أعاد النداء استعذابا للترتيب وزيادة في الاستعطاف والابتهال، والفاء في قوله «فاغفر» عاطفة مؤذنة بالإشعار بترتّب المغفرة على الايمان به تعالى والإقرار بربوبيته، وليس هناك أدعى إلى المغفرة من ذلك. ولنا جار ومجرور متعلقان باغفر، وذنوبنا مفعول به وكفّر عطف على اغفر، وعنا جار ومجرور متعلقان بكفر، وسيئاتنا مفعول به (وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ) عطف على ما تقدم وتوف فعل أمر مبني على حذف حرف العلة ونا مفعوله ومع ظرف مكان متعلق بمحذوف حال والأبرار مضاف اليه. * البلاغة: في الآية الإطناب، وهو زيادة اللفظ على المعنى لفائدة بأمور منها: آ- ذكر الخاص بعد العام للتنبيه على فضل الخاص، ومن أمثلته في القرآن قوله تعالى «إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها» فذكر الجبال بعد الأرض وهي جزء منها، إطناب يراد به التفخيم والتهويل، باعتبار أن الجبال تروعنا بشموخها ورسوخها، ومع ذلك جبنت عن حمل الامانة. ب- ذكر العام بعد الخاص ومن أمثلته قوله تعالى: «رب اغفر لي ولوالديّ ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات» وهما لفظان عامّان يدخل في عمومهما من ذكر قبل ذلك. والغرض من ذلك إفادة الشمول مع العناية بالخاص الذي ذكره مرتين، مرة وحده ومرة مندرجا تحت العام. ج- الإيضاح بعد الإيهام، ومن أمثلته قوله تعالى: «وقضينا إليه ذلك الأمر: أنّ دابر هؤلاء مقطوع» فقوله: «أن دابر هؤلاء مقطوع» إيضاح للابهام الذي تضمنه لفظ الأمر. د- التكرير وقد سبقت الاشارة اليه كقول الحسين بن مطير يرثي معن بن زائدة: فيا قبر معن أنت أول حفرة ... من الأرض خطّت للسماحة موضعا ويا قبر معن كيف واريت جوده ... وقد كان منه البرّ والبحر مترعا والغاية منه تقرير المعنى في النفس، وهو الأصل. وقد يكون للإنذار كما يرد في خطب الخطباء، أو التحسر كما يصنع الراثون، أو الاستلذاذ كما يفعل الغزلون. هـ- الاعتراض: وهو أن يؤتى خلال الكلام أو بين كلامين متصلين في المعنى بجملة لا محل لها من الإعراب لفائدة ثانوية كالجملة الدعائية في قول عوف بن محلم الخزاعي: إن الثمانين، وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان فقوله: وبلغتها، جملة دعائية تعطف قلب الممدوح وتتلطف في ذكر المراد، وهو أنه أصمّ لا يسمع كلامه ليرفع صوته. وقد مرت الاشارة اليه. والاحتراس وهو كل زيادة تجيء لدفع ما يوهمه الكلام مما ليس مقصودا كقول أبي الطيب المتنبي: إني أصاحب حلمي وهو بي كرم ... ولا أصاحب حلمي وهو بي جبن ففي البيت إطناب بالاحتراس في موضعين: أولهما في الشطر الاول بذكر «وهو بي كرم» ، وثانيهما في الشطر الثاني بذكر «وهو بي جبن» لدفع ما قد يوهمه الحلم مجردا. وهناك أغراض أخرى ترد الاشارة إليها في مضامين هذا الكتاب. وفي الآية إطناب بالتكرار، وهو الجمع بين «مناديا» و «ينادي» وذلك أنه ذكر النداء في الاول مطلقا ثم ذكره في الثاني مقيدا بالايمان، تفخيما لشأن المنادى، لأنه لا منادي أعظم من مناد يدعو إلى الايمان، وهو محمد صلى الله عليه وسلم أو القرآن الذي أنزل عليه. ورجح ابن جرير الطبري أن يكون المنادي هو القرآن، واحتج لذلك بأن كثيرين ممن وصفهم الله بهذه الصفة في هذه الآيات ليسوا ممن رأى النبي صلى الله عليه وسلم فسمعوا دعاءه إلى الله تبارك وتعالى ونداءه، ولكنه القرآن. 2- وفي الآية فنّ وضع الظاهر موضع المضمر. فقد كان مقتضى الظاهر أن يقال: وما لهم من أنصار أو وماله من أنصار، مراعاة لمعنى «من» أو لفظها، ولكنه أظهر إشعارا بتخصيص الخزي بهم. * الفوائد: قال أبو حيان: «سمع» إن دخل على مسموع تعدّى لواحد نحو: سمعت كلام زيد، كغيره من أفعال. وإن دخل على ذات وجاء بعده فعل أو اسم في معناه، نحو: سمعت زيدا يتكلم، وسمعت زيدا يقول كذا، ففي هذه المسألة خلاف، منهم من ذهب إلى أن ذلك الفعل أو الاسم إن كان قبله نكرة كان صفة لها، أو معرفة كان حالا منها. ومنهم من ذهب إلى أن ذلك الفعل أو الاسم هو في موضع المفعول الثاني ل «سمع» وجعل «سمع» مما يتعدى إلى واحد إن دخل على مسموع والى اثنين إن دخل على ذات» .
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.