الباحث القرآني

* اللغة: (كَفَّلَها) بتشديد الفاء أي ضمنه إياها وضمها إليه وجعلها كافلا لها وضامنا لمصالحها. ويؤيد هذا المعنى قراءة «وأكفلها» بوصفه زوج خالتها وذلك عن طريق الاقتراع. (الْمِحْرابَ) والمحرب آلة الحرب، وهذا هو القياس الصّرفي. ولكن المحراب له معان مستقلة ليست داخلة في القياس الاشتقاقي، فمن معانيه صدر البيت وأكرم مواضعه، وصدر المجلس، ومأوى الأسد، ومحراب المسجد. ويرى علماء اللغة أن محراب المسجد سمي بذلك لأن المتعبد فيه يحارب الشيطان، ولذلك يقال: لكل محل من محال العبادة محراب، والباحث يحار ويدهش في أمر هذه اللغة الشريفة كيف تطورت؟ ما هي تفاعلات الزمن التي أسهمت في هذا التطور؟ إن المتتبع لموادها اللغوية يعجب كيف تهيأ لها هذا التطور الحركي الذي يحتاج إلى ما لا يحصى من الزمن، فالحاء والراء حرفان يدلان في الأصل على الحر والحرق، ولو تتبعنا جميع الجذور الأخرى لرأينا أنّ كل كلمة تبتدئ بهما تدل على معنى يكاد يكون منتزعا من هذا المعنى، أو متفرعا عنه. فلنستعرض الآن مادة الحرب، إنها احتراق بكل معنى لاهب، والحرب بفتحتين الهلاك، وهو مقتفيات الحرق ومستلزماته، قال أبو تمام: لما رأى الحرب رأي العين توفلس ... والحرب مشتقة المعنى من الحرب وحرث الأرض: شقها بالسكة، وهذا يمت إلى المعنى الأصلي، بأوثق الأسباب، والحرج الضيق، وحرد الرجل بكسر الراء: غضب، فهو حارد وحردان، وهي عاميه فصيحة. وهكذا إلى آخر المادة حيث تنتهي إلى هذا التقرير العجيب. * الإعراب: (فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ) الفاء عاطفة وتقبل فعل ماض والهاء مفعول به وربها فاعل والجار والمجرور متعلقان بتقبلها وحسن صفة (وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً) الواو عاطفة وأنبتها فعل وفاعل مستتر ومفعول به ونباتا مفعول مطلق وحسنا صفة (وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا) الواو عاطفة وكفل فعل ماض والهاء مفعول به أول وزكريا مفعول به ثان، أي جعل زكريا كافلا لها وضامنا لمصالحها وفي قراءة تخفيف الفاء يكون زكريا هو الفاعل. وقد نسجت أساطير حول هذه الكفالة، يرجع فيها إلى المطولات (كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ) كلما ظرف زمان تقدم إعرابه مرارا وهو متعلق بوجد لأنه جواب الشرط. وجملة دخل عليها في محل جر بإضافة الظرف إليها والمحراب مفعول به على السعة أو منصوب بنزع الخافض (وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً) الجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وعندها ظرف متعلق بوجد ورزقا مفعول به وجملة الشرط استئنافية (قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا) الجملة مستأنفة، وهذا أصلح ما قيل فيها رغم الاختلاف الشديد الذي لا طائل تحته. وقال فعل ماض والفاعل هو ويا حرف نداء ومريم منادى مفرد علم مبني على الضم وأنى اسم استفهام بمعنى كيف، كأنه سؤال عن الكيفية، أي: كيف تهيأ لك وصول هذا الرزق إليك؟ قال الكميت: أنى ومن أين آبك الطرب ... من حيث لا صبوة ولا طرب وقيل معناه هنا:: من أين. وعلى الحالين هو منصوب على الظرفية متعلق بمحذوف خبر مقدم، ولك جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وهذا مبتدأ مؤخر (قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) الجملة مستأنفة وهو مبتدأ ومن عند الله متعلقان بمحذوف خبر (إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ) إن واسمها، وجملة يرزق خبر ومن اسم موصول مفعول به وجملة يشاء لا محل لها لأنها صلة الموصول وبغير حساب جار ومجرور متعلقان بيرزق وجملة إن الله مقول القول أيضا إذا كان من كلامها أو مستأنفة. * البلاغة: في هذه الآية فنون نشير إليها بما يلي: 1- الجناس المغاير في قوله «فتقبلها ربها بقبول حسن» وفي قوله «فأنبتها نباتا حسنا» وفي قوله «رزقا» و «يرزق» . 2- الإشارة، وهو التعبير باللفظ الظاهر عن المعنى الخفي في قوله «هو من عند الله» أي هو رزق لا يأتي به في ذلك الوقت إلا الله. 3- التنكير في قوله: «رزقا» لإفادة الشيوع والكثرة، وأنه ليس من جنس واحد بل من أجناس كثيرة.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.