الباحث القرآني

* اللغة: (مُحْكَماتٌ) : أحكمت عباراتها، ووضحت دلالاتها، وحفظت من الاحتمال والاشتباه. (مُتَشابِهاتٌ) فيها احتمال للتأويل. وفي هذه الكلمة إيهام، فإن مفردها متشابه، وكيف يتشابه الشيء مع نفسه؟ وإنما يقع التشابه بين الاثنين. ومثله يقتتلان، والمفرد لا يقتتل، فكيف يقتتل الواحد مع نفسه؟ وقد وجه هذا الاعتراض إلى تقي الدين بن تيمية الإمام المشهور فقال لمن سأله: «هذا ذهن جيد» . ثم عدل عن الجواب. والذي يبدو للخاطر أن العرب نطقت بألفاظ من هذه الصيغة ولم ترد بها المفاعلة كقولهم: طابقت النّعل، وعاقبت اللص، وخامرت الحبّ، وعاقرت الخمر. ولو فرضنا أن الصيغة على أصل المفاعلة كان الجواب أن التشابه لا يكون إلا بين اثنين فما فوقهما، وإذا اجتمعت الأشياء المتشابهة كان كل واحد متشابها للآخر، فلما لم يصح التشابه إلا في حالة الاجتماع وصف بالجمع لأن كل واحد من مفرداته يشابه الآخر. الحكمة في المتشابه: فإذا خطر لك أن تسأل عن السر في الجنوح إلى ذكر المتشابه به في القرآن، والعدول عن تعميم الحكم؟ قيل إن القرآن في الأصل نزل على أسلوب العرب وبألفاظهم ووفقا لكلامهم، وهو على ضربين: منه المحكم الذي لا يخطئه السامع، ولا يغرب عن الفهم، ومنه ما حفل بضروب المجازات، وأنواع الكنايات والإشارات والتلويحات. وقد كان هذا الضرب الثاني، أفعل في نفوسهم، وأكثر استهواء لهم، فأنزل القرآن مفرغا في الأسلوبين، حاويا للنوعين، ليكون التحدي أعم وأشمل، ولو نزل كله محكما لما ترددوا في التماس المطاعن، ولما أحجموا عن المكابرة واللجاج والاعتراض، ولقالوا: هلّا نزل بالضرب الذي نستحسنه، ونميل إليه؟ هذا من جهة، ومن جهة ثانية لما يتميّز به المتشابه من كدّ القرائح في استخراج المغالق واكتناه المرامي، وحسر الستار عن الطرائف التي تتعالى على النظرة السطحية البدائية، حتى إذا فتح الله عليه وتمكن من سبر أغوار المتشابه، كان إيمانه أرسخ ويقينه أقوى من أن تعصف به الشبهات. (الزيغ) الميل عن الحق والجنوح إلى الباطل. والزاي والياء إذا وقعتا فاء وعينا للكلمة أفادتا هذا المعنى وسمي الزيت زيتا لأنه سائل يميل بسرعة، وزاغت الشمس تزيغ مالت، وقس على ذلك. * الإعراب: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ) كلام مستأنف مسوق لتفصيل آيات الكتاب وأنها قسمان: قسم يفهمه الناس، وقسم لا يفهمونه لقصورهم وعجزهم. وهو مبتدأ والذي خبره وجملة أنزل عليك الكتاب لا محل لها لأنها صلة الموصول وعليك متعلقان بأنزل والكتاب مفعول به (مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ) الجملة حال من الكتاب والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم وآيات مبتدأ مؤخر ومحكمات صفة لآيات (هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ) الجملة صفة ثانية لآيات وهن ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ وأم الكتاب خبره، وأخبر عن الجمع بالواحد لأن كل واحدة بمثابة أم واحدة (وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ) عطف على آيات محكمات (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ) الفاء استئنافية مسوقة لتفضيل موقف الناس منه، وأما حرف شرط وتفصيل والذين مبتدأ وفي قلوبهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم وزيغ مبتدأ مؤخر والجملة صلة الموصول (فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ) الفاء رابطة لجواب أما وجملة يتبعون خبر الذين واستغنى عن الجواب اكتفاء بالفاء وما اسم موصول مفعول به وجملة تشابه صلة الموصول ومنه متعلقان بتشابه وابتغاء مفعول لأجله والفتنة مضاف إليه (وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ) عطف على ابتغاء الفتنة (وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ) الواو حالية وما نافية ويعلم فعل مضارع مرفوع وتأويله مفعول به مقدم والجملة في محل نصب على الحال (إِلَّا اللَّهُ) إلا أداة حصر والله فاعل يعلم مؤخر (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ) تكلم المعربون والمفسرون كثيرا وأطالوا حول هذه الآية، والقول الفصل فيها أنه يجوز أن تكون الواو عاطفة والراسخون معطوفة على «الله» والمعنى: لا يهتدي إلى تأويله إلا الله وعباده الذين رسخوا في العلم وتمكنوا منه، ويجوز أن يتم الوقوف على قوله: «إلا الله» وتكون الواو استئنافية والراسخون مبتدأ خبره جملة يقولون. وعلى القول الاول تكون جملة يقولون: حالية أي قائلين، وقد نشأ عن هذا الاختلاف في التفسير انقسام العلماء إلى فريقين: أصحاب تأويل وأصحاب ظاهر، ولستا في صدد الترجيح والمفاضلة بين الآراء المتضاربة ولكننا سنورد لمحة عنه في باب الفوائد (آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا) الجملتان مقول القول وآمنا فعل وفاعل وبه متعلقان بآمنا وكل مبتدأ ساغ الابتداء به لما في «كل» من معنى العموم والتنوين عوض عن كلمة، ومن عند ربنا الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر (وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ) الواو حالية أو مستأنفة وما نافية ويذكر فعل مضارع مرفوع وإلا أداة حصر وأولو فاعل يذكر مرفوع بالواو لأنه ملحق بجمع المذكر السالم والألباب مضاف إليه. * الفوائد: 1- أفرد بعضهم هذه المسألة بكتاب خاص لسعة الكلام فيها، وقد استدل القاضي البيضاوي والزمخشري قبله على اختيارهما الوقوف على «العلم» لأن في ذلك حفزا للعقول على التفكير والإبداع، وقال الحشويّة ما خلاصته: الوقف على قوله تعالى: «وما يعلم تأويله إلا الله» واجب حتى يكون قوله: «والراسخون» كلاما مستأنفا، فاذا لم يقف عليه بل وقف على قوله «والراسخون في العلم» ليكون عطفا على قوله: «إلا الله» كان لا بد أن يبتدىء بقوله: «يقولون آمنا به» أراد به: قائلين، وهو حال، وهو باطل، لأنه لا يخلو إما أن يكون حالا عن «الله» أو عن الراسخين في العلم، كان كان الله سبحانه والراسخين في العلم قالوا: آمنا به كل من عند ربنا. وذلك في حقه تعالى محال، أو يكون حالا عن الراسخين في العلم فقط، وعندئذ يتخصص المعطوف بالحال دون المعطوف عليه، وهو أيضا غير جائز، لأنه مناف للقاعدة المقررة في العربية، وهي أن المعطوف في حكم المعطوف عليه، فثبت أن الوقف على قوله: «إلا الله» واجب. وإذا كان الوقف عليه واجبا فقد خاطبنا الله بما لا نفهمه وهو المهمل. قلت: لا يخفى ما في حذلقة الحشويين من براعة مبنية على المغالطة فهم يجيزون الخطاب بالمهمل، فإنه يجوز تخصيص المعطوف بالحال حيث لا لبس، وهو كثير في القرآن. ومنه: «ووهبنا له إسحق ويعقوب نافلة» فإن «نافلة» حال من المعطوف فقط، وهو «يعقوب» لأن النافلة هو ولد الولد وإنما هو يعقوب دون إسحق. ما يقوله الرازي: واستدل الامام فخر الدين الرازي في مفاتيح الغيب على أن الوقف الصحيح على قوله «إلا الله» بستة أوجه، ملخص الثاني منها أن الآية دلت على أن طلب التأويل مذموم لقوله تعالى: «فأما الذين في قلوبهم زيغ» إلى آخر الآية، ولو كان التأويل جائزا لما ذمّه الله. وملخص الرابع: أنه لو كانت الواو في قوله: «والراسخون» عاطفة لصار قوله: «يقولون آمنا به» ابتداء، وهو بعيد عند ذوي الفصاحة، بل كان الأولى أن يقولوا: وهم يقولون آمنا به، أو يقال: ويقولون: آمنا به، ولهذا كله أسغنا الوجهين.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.