الباحث القرآني

* اللغة: (وَجْهَ النَّهارِ) أوله وسمي الوجه وجها لأنه أول ما يبدو من الإنسان لمن يشاهده قال: من كان مسرورا بمقتل مالك ... فليأت نسوتنا بوجه نهار وقال: وتضيء في وجه الظلام منيرة ... كجمانة البحري سلّ نظامها * الإعراب: (وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة للحديث عن نوع آخر من تلبيسات اليهود فقد توطأ اثنا عشر حبرا من يهود خيبر فقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد أول النهار باللسان، دون اعتقاد بالجنان، ثم اكفروا اخر النهار لادخال التشكيك في صدور أصحاب محمد وربما أفضى ذلك إلى رجوعهم عن دينهم. وقالت فعل ماض وطائفة فاعل ومن أهل الكتاب جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لطائفة (آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا) الجملة في محل نصب مقول القول وآمنوا فعل أمر مبني على حذف النون وبالذي جار ومجرور متعلقان بآمنوا وجملة أنزل صلة وأنزل فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو وعلى الذين آمنوا جار ومجرور متعلقان بأنزل وجملة آمنوا صلة (وَجْهَ النَّهارِ) ظرف زمان متعلق بآمنوا (وَاكْفُرُوا آخِرَهُ) الواو حرف عطف واكفروا فعل أمر مبني على حذف النون معطوف على آمنوا وآخره ظرف زمان متعلق باكفروا (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) جملة الرجاء في محل نصب على الحال أي راجين رجوعهم عن دينهم ولعل واسمها وجملة يرجعون خبرها ثم أردف بتتمة مقولهم فهو داخل في حيزه (وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ) الواو عاطفة ولا ناهية وتؤمنوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل وإلا أداة استثناء ولمن اللام حرف جر ومن اسم موصول في محل جر باللام والجار والمجرور في محل نصب على الاستثناء من محذوف تقديره ولا تؤمنوا أي تعترفوا وتظهروا بأن يؤتى أحد بمثل ما أوتيتم لأحد من الناس إلا لأشياعكم دون غيرهم وتبع فعل ماض وفاعله هو والجملة الفعلية صلة ودينكم مفعول به (قُلْ: إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ) الجملة من قل ومقولها وهو ان واسمها وخبرها لا محل لها لأنها اعتراضية (أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ) أن وما في حيزها في تأويل مصدر مجرور بنزع الخافض والجار والمجرور متعلقان بتؤمنوا وأحد نائب فاعل يؤتى ومثل مفعول به ثان وما اسم موصول في محل جر بالإضافة وجملة أوتيتم صلة (أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ) أو حرف عطف ويحاجوكم فعل مضارع معطوف على يؤتى وعلامة نصبه حذف النون والواو فاعل والكاف مفعول به وعند ظرف مكان متعلق بمحذوف حال وربكم مضاف إليه (قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ) قل فعل أمر وفاعله أنت وإن واسمها، وبيد الله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر وإن وما في حيزها جملة اسمية في محل نصب مقول القول (يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ) جملة يؤتيه في محل نصب حال ويؤتي فعل مضارع وفاعله هو والهاء مفعول يؤتي الأول ومن اسم موصول في محل نصب مفعول يؤتي الثاني وجملة يشاء صلة (وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ) الواو استئنافية والله مبتدأ وواسع خبر أول وعليم خبر ثان (يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ) الجملة خبر ثالث ويختص فعل مضارع مرفوع وفاعله هو أي الله تعالى وبرحمته جار ومجرور متعلقان بيختص ومن اسم موصول في محل نصب مفعول به وجملة يشاء لا محل لها من الإعراب لأنها صلة الموصول (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) الواو عاطفة والله مبتدأ وذو الفضل خبر مرفوع وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة لأنه من الأسماء الخمسة والفضل مضاف إليه والعظيم صفة للفضل. * الفوائد: كثر الخوض في هذه الآية والاختلاف في إعرابها وتخريجها، وأوصل بعض المعربين أوجه الإعراب فيها إلى تسعة دون أن يصلوا إلى وجه حاسم يخلو من الاعتراضات. ما يقوله الواحدي: قال الواحديّ وهو من كبار المشتغلين بالمسائل الإعرابية: «وهذه الآية من مشكلات القرآن وأصعبه إعرابا وتفسيرا، ولقد تدبّرت أقوال أهل التفسير والمعاني في هذه الآية فلم أجد قولا يطّرد في الآية من أولها إلى آخرها مع بيان المعنى وصحة النّظم» . ما يقوله الشهاب الحلبي: وقال الشهاب الحلبي المعروف بالسّمين: «أعلم أنه قد اختلف الناس والمفسرون والمعربون في هذه الآية على أوجه» وذكر السمين الأوجه التسعة، ولما كان كتابنا يتوخى الأسهل والأقرب إلى المنطق والأبعد عن التكلف اكتفينا في باب الإعراب بما أوردناه فيه ورأينا أنه الأقرب إلى ما توخيناه وقد اختاره الزمخشري في كشافه، ولكننا نرى من المفيد أن نثبت ما قاله أبو حيان، ثم نعقب عليه بما قاله ابن هشام. ما يقوله ابو حيان: قال أبو حيان الأندلسي في تفسيره البحر المحيط بعد كلام طويل: «يحتمل القول وجوها: 1- أن يكون المعنى: ولا تصدقوا تصديقا صحيحا وتؤمنوا إلا لمن جاء بمثل دينكم مخافة أن يؤتى أحد من النبوة والكرامة مثل ما أوتيتم ومخافة أن يحاجوكم بتصديقكم إياهم عند ربهم إذا لم يستمروا عليه، وهذا القول على هذا المعنى ثمرة الحسد والكفر مع المعرفة بصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. 2- أن يكون التقدير أن لا يؤتى فحذفت لا لدلالة الكلام، ويكون ذلك منتفيا داخلا في حيز إلا، لا مقدرا دخوله قبلها والمعنى: ولا تؤمنوا لأحد بشيء إلا لمن تبع دينكم بانتفاء أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم وانتفاء أن يحاجوكم عند ربكم أي إلا بانتفاء كذا. 3- أن يكون التقدير بأن يؤتى متعلقا بتؤمنوا، ولا يكون داخلا في حيز إلا والمعنى: ولا تؤمنوا بأن يؤتى أحد مثلما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم وجاء بمثله وعاضدا له فإن ذلك لا يؤتاه غيركم. ويكون معنى أو يحاجوكم عند ربكم بمعنى إلا أن يحاجوكم، كما تقول: أنا لا أتركك أو تقضيني حقي. وهذا القول على هذا المعنى ثمرة التكذيب لمحمد صلى الله عليه وسلم على اعتقاد منهم أن النبوة لا تكون إلا في بني إسرائيل. 4- أن يكون المعنى: لا تؤمنوا بمحمد وتقروا بنبوته إذ قد علمتم صحتها إلا لليهود الذين هم منكم، وأن يؤتى أحد مثلما أوتيتم صفة لحال محمد صلى الله عليه وسلم، فالمعنى تستروا بإقراركم أن قد أوتي أحد مثلما أوتيتم، أو فإنهم يعنون العرب يحاجونكم بالإقرار عند ربكم» . ولعمري لقد أبدع أبو حيان ولكنه اكتفى بإيراد المعنى مجردا عن الإعراب. ما يقوله ابن هشام: وقال ابن هشام في معرض حديثه عن الجمل: «كثيرا ما تشتبه المعترضة بالحالية ويميزها منها أمور: أحدها أنها تكون غير خبرية كالأمرية في «ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل: إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثلما أوتيتم» ، كذا مثل ابن مالك وغيره بناء على أن «أن يؤتى أحد» متعلق بتؤمنوا وأنّ المعنى: ولا تظهروا تصديقكم بأن أحدا يؤتى من كتب الله مثل ما أوتيتم وبأن ذلك الأحد يحاجونكم عند الله تعالى يوم القيامة بالحق فيغلبونكم إلا لأهل دينكم لأن ذلك لا يغير اعتقادهم بخلاف المسلمين فإن ذلك يزيدهم ثباتا، وبخلاف المشركين فإن ذلك يدعوهم إلى الإسلام. ومعنى الاعتراض حينئذ أن الهدى بيد الله، فإذا قدره لأحد لم يضره مكرهم. والآية محتملة لغير ذلك، وهي أن يكون الكلام قد تم عند الاستثناء، والمراد: لا تظهروا والإيمان الكاذب الذي توقعونه وجه النهار وتنقضونه آخره إلا لمن كان منكم كعبد الله بن سلام ثم أسلم، وذلك لأن إسلامهم كان أغيظ لهم ورجوهم إلى الكفر كان عندهم أقرب، وعلى هذا ف «أن يؤتى» من كلام الله تعالى، وهو متعلق بمحذوف مؤخر، أي: الكراهية أن يؤتى أحد دبرتم هذا الكيد. وهذا الوجه أرجح لوجهين: أحدهما أنه الموافق لقراءة ابن كثير: أأن يؤتى بهمزتين، أي: الكراهية أن يؤتى قلتم ذلك، والثاني أن في الوجه الأول عمل ما قبل إلا فيما بعدها، مع أنه ليس من المسائل الثلاث المذكورة آنفا، والثاني مما يميزها الدّعائية كقول عوف بن محلم: إن الثمانين، وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان وكالتنزيهية في قوله تعالى: «ويجعلون لله البنات، سبحانه، ولهم ما يشتهون» وكالاستفهامية في قوله تعالى: «فاستغفروا لذنوبهم، ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا» إلى آخر هذا البحث الممتنع الذي عكره الأسلوب الجاف. ما يقوله الزمخشري: ولا مندوحة لنا عن ذكر عبارة الزّمخشري التي جاءت مؤيدة لما ذهبنا إليه في الإعراب، قال: «ولا تؤمنوا متعلق بقوله: أن يؤتى أحد، وما بينهما اعتراض، أي: ولا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثلما أوتيتم إلا لأهل دينكم دون غيرهم، أرادوا: أسروا تصديقكم بأن المسلمين قد أوتوا مثلما أوتيتم ولا تفشوه إلا لأشياعكم وحدهم دون المسلمين لئلا يزيدهم ثباتا، ودون المشركين لئلا يدعوهم إلى الإسلام، أو يحاجوكم به عند ربكم: عطف على أن يؤتى والضمير في يحاجوكم لأحد لأنه في معنى الجمع، ولا تؤمنوا لغير أتباعكم أن المسلمين يحاجونكم يوم القيامة بالحق ويغالبونكم عند الله بالحجة» . وقد كدنا نخرج عن شرط الكتاب في تلخيص الأقوال، فحسبنا ما أوردناه ولعل بعض العلماء كان على حق عند ما قرر أن هذه الآية أعظم آي هذه السور إشكالا، وكلام الله أكبر، وغور لغتنا العربية أبعد وأعمق من أن يسبر.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.