الباحث القرآني

* الإعراب: (وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ) الواو عاطفة ومن آياته خبر مقدم ومنامكم مبتدأ مؤخر وبالليل متعلقان بمنامكم وابتغاؤكم عطف على منامكم ومن فضله متعلقان بابتغاؤكم. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) إن حرف مشبه بالفعل وفي ذلك خبرها المقدم واللام المزحلقة وآيات اسمها المؤخر ولقوم صفة لآيات وجملة يسمعون صفة لقوم. (وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً) من آياته خبر مقدم ويريكم مبتدأ مؤخر على أنه فعل مضارع مؤول مع ان المصدرية المحذوفة والأصل أن يريكم وسيأتي المزيد من هذا المبحث الهام في باب الفوائد ويريكم فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله والكاف مفعول به أول والبرق مفعول به ثان وخوفا وطمعا نصب على أنهما مفعول لأجله وقد اعترض على هذا الإعراب بأن من حق المفعول له أن يكون فعلا لفاعل الفعل المعلل، والخوف والطمع ليسا كذلك، والجواب عن هذا الاعتراض يأتي من جهتين إما ان المفعولين فاعل في المعنى لأنهم راءون فكأنه قيل يجعلكم رائين البرق خوفا وطمعا والثاني أن يكون على تقدير حذف المضاف أي إراءة خوف وإراءة طمع فحذف المضاف وأقيم المضاف اليه مقامه ويجوز أن يكونا حالين أي خائفين طامعين وسيأتي المزيد من هذا البحث في باب الفوائد. (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها) وينزل عطف على يريكم ومن السماء جار ومجرور متعلقان بينزل وماء مفعول به فيحيي عطف على ينزل وبه متعلقان بيحيي والأرض مفعول به وبعد موتها الظرف متعلق بمحذوف حال. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) تقدم إعرابه. (وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ) عطف على ما تقدم. (ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة دعاكم في محل جر بإضافة الظرف إليها ودعاكم فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به ودعوة مفعول مطلق ومن الأرض متعلقان بدعاكم، يقال دعوته من أسفل الوادي فطلع إلي، وإذا الفجائية وهي تقوم مقام الفاء في جواب الشرط وأنتم مبتدأ وجملة تخرجون خبر. (وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ) له خبر مقدم ومن مبتدأ مؤخر وفي السموات والأرض صلة وكل مبتدأ وله متعلقان بقانتون وقانتون خبر كل أي مطيعون طاعة انقياد. * البلاغة: في قوله تعالى «ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله» فن اللف وقد تقدم بحثه كثيرا قال الزمخشري: «هذا من باب اللف وترتيبه: ومن آياته منامكم وابتغاؤكم من فضله بالليل والنهار. إلا أنه فصل بين القرينتين الأوليين بالقرينتين الأخريين لأنهما زمانان والزمان والواقع فيه كشيء واحد مع إعانة اللف على الاتحاد، ويجوز أن يراد منامكم في الزمانين وابتغاؤكم فيهما والظاهر هو الأول لتكرره في القرآن وأشدّ المعاني ما دل عليه القرآن يسمعونه بالآذان الواعية» أقول ما ذكره الزمخشري مشكل من جهة الصناعة النحوية لأنه إذا كان المعنى ما ذكره يكون النهار معمول ابتغاؤكم وقد تقدم عليه وهو مصدر وذلك لا يجوز ثم يلزم العطف على معمولي عاملين فالتركيب لا يسوغ. وشجب ابن هشام قول الزمخشري فقال: «قول الزمخشري ومن مناكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إنه من اللف والنشر وان المعنى منامكم وابتغاؤكم من فضله بالليل والنهار، وهذا يقتضي أن يكون النهار معمولا للابتغاء مع تقديمه عليه وعطفه على معمول منامكم وهو بالليل وهذا لا يجوز في الشعر فكيف في أفصح الكلام؟» . أقول: إن الزمخشري لم يرد العمل الذي قاله ابن هشام بل مراده أن الليل مرتبط معنى بالمنام والنهار مرتبط معنى بالابتغاء وبالليل خبر لمبتدأ محذوف والتقدير وذلك كائن بالليل والنهار والجملة معترضة حقها التأخير. * الفوائد: 1- شرط اتحاد الفاعل في المفعول لأجله: أشرنا في الاعراب إلى الاعتراض الموجه إلى اعراب خوفا وطمعا مفعولا لهما والرد على الاعتراض وشرط اتحاد الفاعل قاله المتأخرون من النحاة وخالفهم ابن خروف فأجاز النصب مع اختلاف الفاعل محتجا بهذه الآية قائلا إن فاعل الإراءة هو الله تعالى وفاعل الخوف والطمع المخاطبون وأجاب عنه ابن مالك في شرح التسهيل فقال: «معنى يريكم يجعلكم ترون ففاعل الرؤية على هذا هو فاعل الخوف والطمع» . ومن أمثلة حذف أن وإنزال الفعل منزلة المصدر المثل المعروف «تسمع بالمعيدي خير من أن تراه» وهذا المثل يضرب لمن خبره خير من مرآه، أول من قاله المنذر بن ماء السماء وكان يسمع بمشقة بن خمرة المعيدي ويعجبه ما يبلغه عنه فلما رآه، وكان كريه المنظر، قال هذا المثل فخير خبر للمصدر المنسبك من أن المضمرة في تسمع أي سماعك، ومنه قول طرفة بن العبد: ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى ... وأن أشهد اللّذات هل أنت مخلدي وقد روى أحضر بالنصب والرفع ووجه النصب بأن مضمرة ويؤيده وأن أشهد، وقول الآخر: وقالوا: ما تشاء؟ فقلت ألهو ... إلى الإصباح آثر ذي أثير وهذا البيت لعروة بن الورد العبسي من جملة أبيات منها: أرقت وصحبتي بمضيق عمق ... لبرق من تهامة مستطير سقوني الخمر ثم تكنفوني ... عداة الله من كذب وزور وقالوا ما تشاء البيت.. وأرقت: سهرت والواو للمعية والمضيق المكان الضيق وعمق بكسر فسكون شجر ببلاد الحجاز وبضم ففتح موضع منخفض عند مكة ولعله سكن هنا للوزن والبرق متعلق بأرقت أي سهرت في هذا الموضع لأجل برق من تهامة جهة محبوبتي ويحتمل أن الواو حالية وحجتي مبتدأ خبره بمضيق عمق وإذا كان أصحابه فيه فهو فيه فرجع إلى الاول ومستطير: منتشر وتكنفوني أحاطوا بي وعداة جمع عاد بمعنى عدو وقيل جمع عدو أي هم أعداء الله من أجل كذبهم وزورهم وهي جملة اعتراضية ويحتمل أن عداة بدل من ضمير الفاعل أي أحاطوا بي وقالوا: ما الذي تريده؟ فقلت ألهو أي هو أن ألهو فأن مقدرة معنى ان ولم ينتصب الفعل لفظا وقال الجوهري في الصحاح: «يقال افعل هذا آثر ذي أثير أي أول كل شيء» فأشار إلى أن آثر نصب على الظرفية المجازية أو الحالية أي افعله حال كونه أول كل شيء يؤثر فهو أفعل تفضيل بمعنى المفعول. 2- خاض المعربون كثيرا في اعراب هذه الآية وقد لخص أبو البقاء أقوالهم جميعا في ثلاثة نوردها فيما يلي بنص كلامه: «ومن آياته يريكم البرق» فيه ثلاثة أوجه أحدها أن من آياته حال من البرق أي يريكم البرق كائنا من آياته إلا أن حق الواو أن تدخل هنا على الفعل ولكن لما قدم الفعل وكانت من جملة المعطوف أولاها الواو وحسن ذلك أن الجار والمجرور في حكم الظرف فهو كقوله: آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة، والوجه الثاني أن أن محذوفة أي ومن آياته أن يريكم وإذا حذفت أن في مثل هذا جاز رفع الفعل والثالث أن يكون الموصوف محذوفا أي ومن آياته آية يريكم فيها البرق فحذف الموصوف والعائد ويجوز أن يكون التقدير: ومن آياته شيء أو سحاب ويكون الفاعل ضمير شيء المحذوف» والوجه الثاني هو الذي اخترناه وهو الظاهر والأبعد عن التكلف وهو الموافق لاخواته التي ذكر فيها الحرف المصدري.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.