الباحث القرآني

* اللغة: (فُراتٌ) : شديد العذوبة وفي القاموس «وفرت الماء ككرم فروتة عذب» . (أُجاجٌ) : شديد الملوحة وفي القاموس «وأجّ الماء أجوجا بالضم يأجج كيسمع ويضرب وينصر إذا اشتدت ملوحته» وتقول هجير أجاج للشمس فيه مجاج وهو لعاب الشمس وماء أجاج يحرق بملوحته. (قِطْمِيرٍ) : القطمير لفافة النواة وهي القشرة الرقيقة الملتفة عليها وقيل هي النكتة في ظهرها، ومعلوم أن في النواة أربعة أشياء يضرب بها المثل في القلة: الفتيل وهو ما في شق النواة والقطمير وهو اللفافة والنقير وهو ما في ظهرها والثفروق وهو بين القمع والنواة وقال الجوهري: «ويقال هو النكتة البيضاء التي في ظهر النواة تنبت منها النخلة» . * الإعراب: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً) كلام مستأنف مسوق لإيراد تقرير آخر أو دليل آخر على صحة البعث والنشور. والله مبتدأ وجملة خلقكم خبر ومن تراب متعلقان بخلقكم ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي ومن نطفة عطف على من تراب، ثم جعلكم أزواجا عطف على خلقكم من تراب وأزواجا مفعول ثان لجعل أي أصنافا ذكورا وإناثا. (وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ) الواو عاطفة وما نافية وتحمل فعل مضارع مرفوع ومن حرف جر زائد وانثى وأنثى مجرور بمن لفظاً مرفوع محلاً على أنه فاعل ولا تضع عطف على وما تحمل وإلا أداة حصر وبعمله في موضع نصب على الحال أي معلومة له ز (وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب) واو عاطفة وما نافية ويعمر فعل مضارع مبني للمجهول ومن حرف جر زائد ومعمر نائب فاعل ولا ينقص عطف على وما يعمر ومن - متعلقان بينقص وإلا أداة حصر وفي كتاب في محل نصب على الحال وسيأتي معني هذا الكلام المتسامح في باب البلاغة. (إن ذلك على الله يسير) إن واسمها وعلى الله متعلقان بيسير ويسير خبر إن وفي المصباح : «ويسر الشيء مثل قرب قلّ فهو يسير الأمر ييسر يسراً من باب تعب ويسر يسراً من باب قرب فهو يسير أي سهل ويسره الله فتسير واستيسؤ بمعنى». (وما يستوى البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج) كلام مستأنف مسوق لضرب المثل للمؤمن والكافر وما نافية ويستوى فعل مضارع مرفوع والبحران فاعل مرفوع وعلامة رفعة الألف مثنى وهذا مبتدأ وعذب خبر وفرات خبر ثان أو صفة وسائغ شرابه يجوز أن يكون سائغ صفة ثالثة وشرابه فاعل لسائغ لأنه صفة مشبهة أي سهل انحداره ويجوز أن يكون سائغ خبر مقدم وشرابه مبتدأ مؤخر والجملة صفة ثانية وجلمة هذا عذب الخ في محل نصب حال من البحران وهذا ملح أجاج عطف على عذب فرات وسيأتي مزيد بسط عن هذا المثل في باب البلاغة. (ومن كل تأكلون لحماً طرياً وتستخرجون حلية تلبسونها) الواو إما عاطفة والجملة بمثابة والتكميل للتمثيل وإما استئنافية فتكون الجملة مستأنقة استطرادية وسيأتي تفصيل كل من المعنين في باب البلاغة ، ومن كل متعلقان بتأكلون ومنهما صفة للمحذوف بعد كل أي كل واحد منهما وتأكلون فعل مضارع وفاعل ولحماًََ مفعول به ولحماً مفعول به وطرياً صفة وتستخرجون عطف على تأكلون وحلية مفعول به وجملة تلبسوننا نعت لحية وتلبسونها فعل مضارع وفاعل ومفعول به. (وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون) الواو عاطفة وترى الفلك فعل مضارع وفاعل مستتر تقديره أنت والفلك مفعول به وفيه متعلقان بمواخر حال لأن الرؤية بصرية ولتبتغوا اللام للتعزيل وتبتغوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بمواخر ومن فضله متعلقان بتبتغوا ولعل واسمها وجلمة تشكرون خبرها. (يولج الليل في النهار في اليل) لك أن تجعلها مستأنفاً ولك أن تجلعها في محل نصب على الحال من فاعل خلقكم أي الله تعالى والليل مفعول به ليولج وفي النهار متعلقان بيولج النهار في الليل عطف على الجملة التي سبقته. (وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى) الواو عاطفة وسيأتي سر تغاير المتعاطفين في باب البلاغة ، وسخر الشمس فعل وفاعل مستتر يعود على الله ومفعول به والقمر عطف على الشمس وكل مبتدأ أي كل واحد منهما وجملة يجري خبر ولأجل متعلق بيجري ومسمى نعت لأجل. (ذلكم الله ربكم له الملك) ذلكم مبتدأ وأخبر عنه بأخبار ثلاثة وهي الله وربكم وجملة له الملك ، وله خبر مقدم والملك مبتدأ مؤخر. (والذين تدعون من دونه ما يملكون من قمطير) الواو حالية أو استئنافية مبتدأ وجملة تدعون صلة ومن دونه حال وما نافية ويملكون فعل مضارع وفاعل وجملة ما يملكون خبر الذين ومن حرف جر زائد وقمطير مجرور لفظاً منصوب محلاً على أنه مفعول به. (إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم) كلام مستأنف مسوق لتقرير المضمون المتقدم وإن حرف شرط جازم وتدعوهم فعل ماض والواو فاعل وما نفية واستجابوا فعل وفاعل والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم. (ويوم القيامة يكفرون بشرككم) الظرف متعلق بيكفرون وبشر ككم متعلقان بيكفرون والكاف مضافة الى المصدر من اضافة المصدر الى فاعلة أي يتبرءون منكم ومن عبادتكم إياهم. (ولا ينبئك مثل خبير) الأحسن أن يكون الخطاب عاماً أي أيها السامع كائناً من كنت ، ولا نافية وينبئك فعل مضارع والكاف مفعوله ومثل خيبر فاعله أي عالم ببواطن الأمور. * البلاغة : ١ - الكلام المتسامح : في قوله «وما يعمر من معمر الخ» فن الكلام المستامح الذي يثق فيه المتكلم بأفهام السامعين وأذواقهم ، لأنه لا يلتبس عليهم ، ولا يعزب عنهم إدراك منطوياته واكتناه مراميه ، فظاهر الكلام يوهم أن المتعاطفين مما يتعاوران كل إنسان وإن التعمير وخلافه يتعاقبان علهي وذلك محال في حد ذاته ، بيد أنه من البدائه التي تدرك لأول وهلة ، وعليه كلام الناس المستقيض يقولون : لا يثيب عبداً ولا يعاقبه إلا بحق وما تنعمت بلداً ولا اجتويته إلا قل فيه ثورايي ، وفيه - كما يقول الزمخشري - تأويل آخر وهو أنه لا يطول عمر إنسان ولا يقصر إلا في كتاب ، وصورته أن يكتب في اللوح : إن حج فلان فعمره أربعون سنة وإن حج وغزا فعمره ستون سنة فإذا جمع بينهما فبلغ الستين فقد عمر وإذا أفرد أحدهما فلم يتجاوز به الأربعين فقد نقص من عمره الذي هو الغاية وهي الستون. ٢ - التمثيل : وفي قوله «وما يستوي البحران الخ» ويسميه بعضهم الاستعارة التمثيلة وهو تركيب استعمل في غير موضعه لعلاقة المشابهة وليس فيه ذكر للمشبه ولا لأداة التشبيه وهذا مثال يوضحه وهو قولهم : «أنت تضرب في حديد بارد» فقد شبهت حال من يلح في الحصول على شيء يتعذر تحقيقه بحال من يضرب حديداً بارداً بجامع أن كلا منهما يكون عملاً لا يرجى من ورائه أثر ، وليس في هذا التركيب ذكر للمشبه ولا لأداة التشبيه فهو إذن استعارة تمثيلية لأنه تركيب استعمل في غير ما وضع له ، والمشابهه ظاهرة بين المعنين المجازي والحقيقي وهذا النوع يكثر في الأمثال السائرة النثرية والشعرية كقولهم «إن كنت ريحاً فقد لاقيت إعصاراً» يضرب لمن يتطاول عليك أو للقوي يقع فيمن هو أقوى منه وأعنف والمخاطب لم يكن ريحاً ولم يلاق إعصاراً. ولعبد القاهر الجرجاني فصل ممتع في التمثيل نلخصه فيما يلي قال : «وهل يشك في أنه يعمل عمل السحر حتى يختصر بعدما بين المشرق والمغرب» وقال : «وهو يريك للمعاني الممثلة في الأوهام شبهاً في الأشخاص الممالثلة وينطق لك الأخرس ويعطيك البيان من الأجم ، ويريك الحياة في الجماد ويريك التنام عين الأضداد ، ويجعل الشيء البعيد قريباً». وأورد عبد القاهر في كتاب أسرار البلاغة مثالاً شعرياً رائعاً قال : «وتأمل كذلك بيت أبي تمام : ؎ وإذا أراد الله نشر فضيلة ∗∗∗ طويت أتاح لها لسان حسود مقطوعاً عن البيت الذي يليه برغم أن البيت واضح المعنى ثم أتبعه بالبيت التالي وهو : ؎ لولا اشتعال النار فيما جاورت ∗∗∗ ما كان يعرف طيب عرف العود وانظر هل نشر المعنى تمام حلته وأظهر المكنون من حسنه وزينته واستحقق التقديم كله إلا بالبيت الأخير ، وما فيه من التمثيل والتصوير». هذا وليس كل تشبيه يحول الى استعارة كما يوهم الكلام المتقدم وإنما يجوز ذلك إذا كان الشبه بين الشيئين مما يقرب مأخذه ويسهل متناوله ويكون في الحاول دليل عليه حتى يمكن المخاطب إذا أطلقت له الاسم أن يعرف ما أردت فإذا لم يكن سبيل الى معرفة المقصود من الشبه فيه إلا بعد ذكر الجمل التي يعقد بها التمثيل فإن الاستعارة لا تدخلة لأن الشبه إذا كان غامضاً لم يجز أن تقتسرالاسم وتنقله إلى ما هو أهله من غير أن يكون معك شاهد ينبيء عن الشبه ومثل عبد القاهر لذلك ببيت للنابغة الذيباني قال : «فلو حاولت أن تحول قول الشاعر : ؎ فإنك كلليل الذي هو مدركي ∗∗∗ وإن خلت أن المنتأى عنك واسع الى استعارة وان تعامل الليل معاملة الأسد في قولك : «رأيت أسداً» لم تجد له مذهباً في الكلام ، لأنك لا تخلو من أحد أمرين : إما أن تحذف الصفة وتقتصر على ذكر الليل مجرداً فتقول : إن فررت أظلني الليل ، وهذا محاول لأنه ليس في الليل دليل على النكتة التي قصدها الشاعر من أنه لا يفوته وإن أبعد في الهرب لسعة ملكه وطول يده ، وإن لم تحذف الصفة وجدت طريق الاستعارة فيه يؤدي الى تعسف اذ لو قلت : إن فررت منك وجدت ليلاً يدركني وإن ظننت أن المتنادي واسع والمهرب بعيد ، قلت مالا تقبله الطباع لأن العرف لم يجر الممدوح هكذا». ونعود الى ذكر الآية التي نحن بصدد الكلام عليها فقد مثل الله للمؤمن والكافر بالبحرين ثم فضل البحر الأجاج على الكافر بأنه قد شارك العذب في منافع من السمك واللؤلؤ وجري الفلك بما ينفع الناس والكافر خلو من النفع فهو في طريقة قوله تعالى : «ثم قسمت قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشدّ قسوة» ثم قال : «وإن من الحجارة لما يتفجر من الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وان لما يهبط من خشية الله» ويقال أيضاً إن المؤمن والكافر وإن اشتركا في بعض الصفات كالشجاعة والسخاوة لا يتساويان في الخاصية العظمى لبقاء أحدهما على فطرته الأصلية. ٣ - الاستطراد : وعلى ذكر الاستطراد نقول لقد تقدمت الاشارة إليه في هذا الكتاب ونزيده هنا بسطاً فنقول انه أن يبني الشاعر أو الكاتب كلاماً كثيراً على كلام من غير ذلك النوع يقطع عليه الكلام وهو مراده دون جميع ما تقدم ويعود الى كلامه الاول ، وجلّ ما يأتي تشبيها فقد استطراد في الآية الى ذكر البحرين المالح والعذب وما علق بهما من نعمته وعطائه فمن كل منهما تأكلون لحماً طرياً وهو السمك وتستخرجون حلية تلبسونها فالخاتم يجعل في الإصبع والسوار في المعصم والقلادة في العنق والخلخال في الرجل وترى الفلك في كل منهما مواخر أي شواق للماء بجريها بها ، يقال مخرت السفينة الماء ويقال للسحاب بنات مخر لأنها تمخر الهواء والسفن الذي اشتقت منه السفينة قريب من المخر لأنها تسفن الماء كأنها تقشره كما تمخره.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.