الباحث القرآني

* اللغة: (تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ) : قصدوا سوره ونزلوا من أعلاه والسور الحائط المرتفع والمحراب سبق تفسيره والخصم: المخاصم والمنازع وقد يقع للاثنين والجمع والمؤنث فيقال هما خصم وهم خصم وهي خصم لأنه مصدر في أصله وقد تقدم له نظير وهو ضيف في قوله: «حديث ضيف ابراهيم المكرمين» . (وَلا تُشْطِطْ) ولا تجر وهو بضم التاء وسكون الشين وكسر الطاء الأولى من اشطط يشطط أشطاطا إذا تجاوز الحد، قال أبو عبيدة: شططت في الحكم وأشططت فيه إذا جرت فهو مما اتفق فيه فعل وأفعل. (سَواءِ الصِّراطِ) : وسط الطريق الصواب ومحجته. (أَكْفِلْنِيها) : اجعلني كافلها والمراد ملكنيها وفي المختار: «كفل عنه بالمال لغريمه وأكفله المال ضممنه إياه وكفله إياه بالتخفيف فكفل هو من باب نصر ودخل وكفله إياه تكفيلا مثله» . (وَعَزَّنِي) : وغلبني في الجدال وأتى بحجاج لا أقدر على رده وفي المختار «وعز عليه غلبه وبابه رد وفي المثل «من عزيز» أي من غلب سلب والاسم العزة وهي القوة والغلبة وعزه في الخطاب وعازّه أي غلبه» وقال مجنون ليلى: قطاة عزها شرك فباتت ... تجاذبه وقد علق الجناح وقبله: كأن القلب ليلة قيل يغدى ... بليلى العامرية أو يراح شبه قلبه حين سمع برحيلها بحمامة أمسك الشرك جناحها في كثرة الخفقان. (الْخُلَطاءِ) : الشركاء الذين خلطوا أموالهم الواحد خليط. هذا وقد أوردت معاجم اللغة للخليط عدة معان منها المخالط والمشارك والقوم الذين أمرهم واحد والزوج والجار والصاحب وخليط الرجل مخالطه كالجليس المجالس. * الإعراب: (وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ) كلام مستأنف مسوق لإيراد قصة داود، وهل حرف استفهام معناه التعجب والتشويق إلى استماع ما يرد بعده كما تقول لمن تخاطبه: هل تعلم ما وقع اليوم ثم تذكر له ما وقع، وأتاك نبأ الخصم فعل ماض ومفعول به مقدم وفاعل مؤخر وإذ ظرف لمضاف محذوف أي نبأ تخاصم الخصم إذ تسوروا وعبارة الزمخشري: «فإن قلت بم انتصب إذ؟ قلت لا يخلو إما أن ينتصب بأتاك أو بالنبإ أو بمحذوف، فلا يسوغ انتصابه بأتاك لأن إتيان النبأ رسول الله لا يقع إلا في عهده لا في عهد داود ولا بالنبإ لأن إتيان النبأ واقع في عهد داود فلا يصح إتيانه رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن أردت بالنبإ القصة في نفسها لم يكن ناصبا فبقي أن يكون منصوبا بمحذوف وتقديره وهل أتاك نبأ تحاكم الخصم إذ ويجوز أن ينتصب بالخصم لما فيه من معنى الفعل» وجملة تسوروا مضاف إليها الظرف وتسوروا فعل ماض وفاعل والمحراب مفعول به. (إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ) إذ بدل من إذا الأولى وجملة دخلوا في محل جر بإضافة الظرف إليها وعلى داود متعلقان بدخلوا والفاء عاطفة وفزع فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو ومنهم متعلقان بفزع. (قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ) الجملة مستأنفة مسوقة للرد على سؤال نشأ من حكاية فزعه كأنه قيل فماذا قالوا لما شاهدوا أمارات الفزع مرتسمة على وجهه فقال قالوا. ولا ناهية وتخف فعل مضارع مجزوم بلا وفاعله مستتر تقديره أنت وخصمان خبر لمبتدأ محذوف أي نحن خصمان وجملة بغى صفة لخصمان وبعضنا فاعل وعلى بعض متعلقان ببغى. (فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ) الفاء الفصيحة واحكم فعل أمر وفاعله مستتر وبيننا ظرف متعلق باحكم وبالحق حال أو متعلقان باحكم أيضا ولا تشطط عطف على احكم واهد فعل أمر مبني على حذف حرف العلة وفاعله مستتر تقديره أنت ونا مفعول به والى سواء الصراط متعلقان باهدنا. (إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ) إن واسمها وأخي بدل من هذا أو خبر إن وله خبر مقدم وتسع مبتدأ مؤخر والجملة خبر إن أو خبر ثان وتسعون عطف على تسع ونعجة تمييز ولي خبر مقدم ونعجة مبتدأ مؤخر وواحدة نعت وسيأتي حديث الكناية بالنعجة في باب البلاغة. (فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ) الفاء عاطفة وقال فعل ماض وجملة أكفلنيها من الفعل والفاعل المستتر والمفعولين مقول القول وعزني عطف على فقال وفي الخطاب متعلقان بعزني. (قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ) اللام جواب قسم محذوف وقد حرف تحقيق وظلمك فعل وفاعل مستتر والكاف مفعول به وبسؤال جار ومجرور متعلقان بظلمك ونعجتك مضاف اليه من إضافة المصدر إلى مفعوله والفاعل محذوف أي بأن سألك نعجتك والى نعاجه متعلقان بمحذوف تقديره ليضمها. (وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ) الواو عاطفة ويجوز أن تكون حالية وإن واسمها ومن الخلطاء نعت لكثيرا واللام المزحلقة ويبغي بعضهم فعل مضارع وفاعل وعلى بعض متعلقان بيبغي. (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ) إلا أداة استثناء والذين مستثنى متصل وجملة آمنوا صلة وعملوا عطف على آمنوا والصالحات مفعول به والواو حالية وقليل خبر مقدم وما زائدة لتأكيد القلة وهم مبتدأ مؤخر. (وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ) عطف على محذوف أي قال الملكان قضى الرجل على نفسه فتنبه. وظن داود فعل وفاعل وانما كافة ومكفوفة وهي مع مدخولها سدت مسد مفعولي وفتناه فعل ماض وفاعل ومفعول به، فاستغفر عطف على وظن وربه مفعول به وخر عطف أيضا والفاعل مستتر تقديره هو وراكعا حال وأناب عطف أيضا. (فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ) عطف أيضا وغفرنا فعل وفاعل وله متعلقان بغفرنا وذلك مفعول به أي ذلك الذنب، وان الواو عاطفة وأن حرف مشبه بالفعل وله خبر مقدم وعندنا ظرف متعلق بمحذوف في محل نصب على الحال واللام المزحلقة وزلفى اسم إن وحسن مآب عطف على زلفى. * البلاغة: في قوله «إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة» الآية كناية عن المرأة فقد كانوا يكنون عن المرأة بالنعجة والشاة في نحو قول عنترة: يا شاة ما قنص لمن حلت له ... حرمت علي وليتها لم تحرم وإنما ذكر امرأة أبيه وكان يهواها وقيل بل كانت جاريته فلذلك حرمها على نفسه وهذه الكناية تتمشى مع القول بأن القصة جارية مجرى التمثيل، وسنورد خلاصتها مع القصة الخرافية الموضوعة تحريرا للأذهان من الأساطير التي تتنافى مع طهارة الأنبياء ونزاهتهم. القصة كما يرويها المفسرون: كان أهل زمان داود يسأل بعضهم بعضا النزول له عن امرأته إذا أعجبته فيتزوجها، وقد روي مثله عن الأنصار كانوا يواسون المهاجرين بمثل ذلك فوقعت عين داود على امرأة أوريا فأعجبته فسأله إيثاره بها ليتزوجها فاستحيا منه فنزل عنها فتزوجها وأولدها سليمان فقيل له مع كثرة نسائك لم يكن لك أن تسأل رجلا ليس له إلا امرأة واحدة النزول عنها وكان الأفضل قهر الهوى، وقيل خطبها أوريا ثم خطبها داود فرغب إليه أهلها فاندرج في الخاطب على خطبة أخيه. وأما ما يذكر من أن داود تمنى منزلة آبائه فقيل له أنهم ابتلوا فصبروا فسأل الابتلاء ليصبر فقيل له انك تبتلى يوم كذا فاحترس ذلك اليوم وأغلق عليه محرابه فتمثل له الشيطان في صورة حمامة ذهب فمد يده ليأخذها لابن صغير له فطارت فتبعها فرأى امرأة جميلة قد نقضت شعرها فكتب إلى أيوب بن حوريا صاحب بعث البلقاء أن ابعث أوريا وقدمه على التابوت وكان المتقدم يحرم عليه الرجوع حتى يفتح الله على يده أو يستشهد فقدم فسلم فأمر بتقديمه مرة أخرى وثالثة فقتل فلم يحزن عليه كما يحزن على الشهداء وتزوج امرأته المذكورة فهذه الرواية مما يقبح الحديث به عن متسم بصلاح من آحاد المسلمين فضلا عن بعض أعلام الأنبياء. وعن سعيد بن المسيب أن علي بن أبي طالب قال: من حدثكم بقصة داود كما يرويها القصاص جلدته مائة وستين حدّ الفرية مضاعفا. وروي أن عمر بن عبد العزيز حدثه رجل بذلك بحضرة عالم محقق فكذب الحديث وقال: إن كانت القصة على ما في كتاب الله فالتماس خلافها فرية وإن كانت على ما ذكرت وكف الله عنها سترا لنبيه فما ينبغي لك إظهار ما ستره الله فقال عمر بن عبد العزيز: استماعي إلى هذا الكلام أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس. قال الزمخشري: والذي يدل عليه المثل الذي ضربه الله أن قصته ليست إلا طلبه إلى زوج المرأة أن ينزل له عنها فقط ثم نبه الزمخشري على مجيء الإنكار على طريقة التمثيل والتعريض دون التصريح وذلك أن التعريض داع إلى التأمل والتنبيه إلى وجه الخطأ مع ما فيه من اجتناب المجاهرة في الإنكار والتوبيخ وألقاه بطريق التمثيل ليستقبح ذلك من غيره فيجعله مقياسا لاستقباح ذلك من نفسه مع البقاء على الحشمة كما أوصى بذلك في سياسة الوالد لولده إذا حصلت منه هنة منكرة قال: وجاء ذلك على وجه التحاكم ليحكم بقوله لقد ظلمك فتقوم الحجة عليه محكمة. وقال: وقوله وهل أتاك جاء على وجه الاستفهام تنبيها على أن هذه القصة قصة عجيبة من حقها أن تشيع ولا تخفى على أحد وتشويقا إلى سماعها أيضا. وقال في الخطاب يحتمل أن يكون من المخاطبة ومعناه أتاني بما لم أقدر على ردّه من الجدال ويحتمل أن يكون من الخطبة مفاعلة أي خطبت فخطب على خطبتي فغلبني والمفاعلة لأن الخطبة صدرت عنهما جميعا. وقال في ذكر النعاج إنها تمثيل فكان تحاكمهم تمثيلا وكلامهم أيضا تمثيلا لأنه أبلغ لما تقدم وللتنبيه على أن هذا أمر يستحيا من التصريح وأنه مما يكنى عنه لسماجة الإفصاح به وللستر على داود عليه السلام ووجه التمثيل فيه أن مثلت قصة أوريا برجل له نعجة ولخليطه تسع وتسعون فأراد أن يتمها مائة بالنعجة المذكورة فإن قلت طريقة التمثيل إنما تستعمل على جعل الخطاب من الخطابة فإن كان من الخطبة فما وجهه؟ قال الوجه حينئذ أن تجعل النعجة استعارة للمرأة كما استعاروا لها الشاة في قوله: يا شاة ما قنص لمن حلت له ... البيت ... قال: والفرق بين التمثيل والاستعارة انه على التمثيل يكون الذي سبق إلى فهم داود عليه السلام أن التحاكم على ظاهره وهو التخاصم في النعاج التي هي البهائم ثم انتقل بواسطة التنبيه إلى فهم انه تمثيل لحاله وعلى الاستعارة يكون فهم عنهما التحاكم في النساء المعبر عنهن بالنعاج كناية ثم استشعر أنه المراد بذلك. قلت: ونقل بعضهم أن هذه القصة لم تكن من الملائكة وليست تمثيلا وإنما كانت من البشر إما خليطين في الغنم حقيقة وإما كان أحدهما موسرا وله نسوان كثيرة من المهائر والسراري والثاني معسر وما له إلا امرأة واحدة فاستنزله عنها وفزع داود وخوفه أن يكونا مغتالين لأنهما دخلا عليه في غير وقت القضاء وما كان ذنب داود إلا أنه صدق أحدهما على الآخر ونسبه إلى الظلم قبل مسألته. قلت: إنما قصد هذا القائل بما قال تنزيه داود عن ذنب يبعثه عليه شهوة النساء فأخذ الآية على ظاهرها وصرف الذنب إلى العجلة في نسبة الظلم إلى المدعى عليه لأن الباعث على ذلك في الغالب إنما هو التهاب الغضب وكراهيته أخف مما يكون عليه الباعث عليه الشهوة والهوى ولعل هذا القائل يؤكد رأيه في الآية بقوله تعالى عقبها وصية لداود عليه السلام: «يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى» فما جرت العناية بتوصيته فيما يتعلق بالأحكام إلا والذي صدر منه أولا وبان منه من قبيل ما وقع له في الحكم بين الناس. وعبارة أبي حيان: «والظاهر ابقاء لفظ النعجة على حقيقتها من كونها أنثى الضأن ولا يكنى بها عن المرأة ولا ضرورة تدعو إلى ذلك لأن ذلك الإخبار كان صادرا من الملائكة على سبيل التصوير للمسألة فمثلوا بقصة رجل له نعجة ولخليطه تسع وتسعون فأراد صاحبه تتمة الماء فطمع في نعجة خليطه وأراد انتزاعها منه وحاجّه في ذلك محاجّة حريص على بلوغ مراده ويدل على ذلك قوله: وان كثيرا من الخلطاء، وهذا التصوير والتمثيل أبلغ في المقصود وأدل على المراد» إلى أن يقول: «وما حكى القصاص مما فيه غض من منصب النبوة طرحناه ونحن كما قال الشاعر: ونؤثر حكم العقل في كل شبهة ... إذا آثر الاخبار جلاس قصاص
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.