الباحث القرآني

* اللغة: (يُكَوِّرُ) : التكوير: اللف واللي يقال كار العمامة على رأسه وكورها وفيه أوجه- كما يقول الزمخشري-: 1- ان الليل والنهار خلفة يذهب هذا ويغشى مكانه هذا فكأنما ألبسه ولف عليه كما يلف اللباس على اللابس ومنه قول ذي الرمة في وصف السراب: تلوى الثنايا بحقويها حواشيه ... لي الملاء بأبواب التفاريج والثنايا: العقبات والحقو الخصر والحواشي الجوانب والملاء جمع ملاءة وهي الجلباب والتفاريج جمع تفراج وهو الباب الصغير والثوب من الديباج، وأسند اللي إلى الثنايا لأنها سبب الالتواء، شبه إحاطة جوانبه وتراكمه في جوانب العقبة بلي الجلباب في أبواب التفاريج. 2- ان كل منهما يغيب الآخر إذا طرأ عليه فشبه في تغييبه إياه بشيء ظاهر لف عليه ما غيبه عن مطامح الأبصار. 3- ان هذا يكر على هذا كرورا متتابعا فشبه ذلك بتتابع أكوار العمامة بعضها على إثر بعض. * الإعراب: (لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ) لو حرف شرط غير جازم وأراد فعل ماض والله فاعل وأن وما في حيزها مفعول أراد واللام رابطة لجواب لو واصطفى فعل ماض وفاعله هو أي الله تعالى والجملة لا محل لها ومما متعلق باصطفى وجملة يخلق صلة ما وما مفعول به وجملة يشاء صلة ما والعائد محذوف أي يشاؤه (سُبْحانَهُ هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ) سبحانه مفعول مطلق لفعل محذوف تنزيه له تعالى عن أن يكون له أحد ما نسبوا إليه، وهو مبتدأ والله خبره والواحد القهار نعتان الله. (خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ) خلق فعل ماض وفاعله مستتر يعود على الله تعالى والسموات مفعول به والأرض عطف على السموات وبالحق حال. (يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ) الجملة حالية أو مستأنفة مبينة لكيفية تصرفه في السموات والأرض، والليل مفعول به وعلى النهار متعلقان بيكور ويكور النهار على الليل عطف على مثيلتها. (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ) وسخر الشمس والقمر عطف على خلق السموات والأرض وكل مبتدأ وجملة يجري خبر ولأجل متعلقان بيجري ومسمى نعت لأجل وألا أداة تنبيه تصدرت الجملة لإظهار مدى الاهتمام بها، والاعتناء بفحواها وهو مبتدأ والعزيز الغفار خبران لهو. (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها) خلقكم فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به ومن نفس جار ومجرور متعلقان بخلقكم وواحدة نعت لنفس والمراد بها آدم ثم حرف للترتيب والتراخي وسيأتي سر العطف بها في باب البلاغة وجعل فعل ماض وفاعله مستتر يعود على الله تعالى ومنها متعلقان بجعل لأنه بمعنى خلق وزوجها مفعول به. (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ) وأنزل عطف على خلقكم ولكم متعلقان بمحذوف حال ومن الأنعام متعلقان بأنزل وثمانية أزواج مفعول به وقد تقدم معنى الزوجين في سورة الأنعام. (يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ) الجملة حالية أو استئنافية مبينة لكيفية خلق ما ذكر، ويخلقكم فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به وفي بطون أمهاتكم متعلقان بيخلقكم وخلقا مفعول مطلق ومن بعد خلق صفة له ويجوز أن يتعلق بيخلقكم فيكون المصدر لمجرد التأكيد، قال البيضاوي: «أي حيوانا سويا من بعد عظام مكسوة لحما من بعد عظام عارية من بعد مضغ من بعد علق من بعد نطف، وفي ظلمات متعلقان بخلق المجرور الذي قبله ولا يجوز تعلقه بخلقا المنصوب لأنه مصدر مؤكد فلا يعمل ولا بيخلق لأنه تعلق به جار مثله ولا يتعلق حرفان متحدان لفظا ومعنى إلا بالبدلية والعطف فإن جعلت في ظلمات بدلا من في بطون أمهاتكم بدل اشتمال لأن البطون مشتملة عليها ويكون بدلا بإعادة العامل جاز ذلك وسيأتي المراد بالظلمات الثلاث في باب الفوائد. (ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) ذلكم مبتدأ والله خبره الأول وربكم خبره الثاني وله خبر مقدم والملك مبتدأ مؤخر والجملة الاسمية خبر ثالث وجملة لا إله إلا هو خبر رابع وقد تقدم إعراب كلمة الشهادة مفصلا، فأنى الفاء استئنافية وأنى اسم استفهام متعلق بمحذوف حال وتصرفون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل. * البلاغة: في قوله «ثم جعل منها زوجها» عطف «ثم» التي تفيد الترتيب مع التراخي في الوجود، وظاهر الأمر يتنافى مع ذلك لأن خلق حواء من آدم سابق على خلقنا منه، وقد استشكل علماء البيان والمفسرون هذا العطف وأجابوا بأجوبة نوردها ثم ترجح ما هو أقرب إلى الرجحان قال الزمخشري: «فإن قلت ما وجه قوله ثم جعل منها زوجها وما يعطيه من معنى التراخي؟ قلت: هما آيتان من جملة الآيات التي عددها دالّا على وحدانيته وقدرته وتشعيب هذا الخلق الفائت للحصر من نفس آدم وخلق حواء من قصرياه (والقصريان ضلعان يليان الترقوتين) إلا أن إحداهما جعلها الله عادة مستمرة والأخرى لم تجر بها عادة ولم تخلق أنثى غير حواء من قصيري رجل فكانت أدخل في كونها آية وأجلب لعجب السامع فعطفها بثم على الآية الأولى للدلالة على مباينتها لها فضلا ومزية وتراخيها عنها فيما يرجع إلى زيادة كونها آية فهو من التراخي في الحال والمنزلة لا من التراخي في الوجود» . وقال غيره: «المعطوف متعلق بمعنى واحدة فثم عاطفة عليه لا على خلقكم فمعناه خلقكم من نفس واحدة أفردت بالإيجاد ثم شفعت بزوج فكانت هاهنا على بابها لتراخي الوجود» . ونرى أن كلا الوجهين مستقيم ويصح حمل العطف عليه. وهنا وقع ابن هشام في خطأ التلاوة فأورد هذه الآية بلفظ «هو الذي خلقكم من نفس واحدة» إلخ.. وقد أوردها شاهدا على أن قوما خالفوا في معناها وهو الترتيب تمسكا بها قال: «والجواب عن الآية من خمسة أوجه: (أحدها) أن العطف على محذوف أي من نفس واحدة أنشأها ثم جعل منها زوجها. (الثاني) ان العطف على واحدة على تأويلها بالفعل أي من نفس توحدت أي انفردت ثم جعل منها زوجها. (الثالث) ان الذرية أخرجت من ظهر آدم عليه الصلاة والسلام كالذر ثم خلقت حواء من قصيراه. (الرابع) ان خلق حواء من آدم لما لم تجر عادة بمثله جيء بثم إيذانا بترتبه وتراخيه في الإعجاب وظهور القدرة لا لترتيب الزمن وتراخيه. (الخامس) ان ثم لترتيب الأخبار لا لترتيب الحكم وانه يقال بلغني ما صنعت اليوم ثم ما صنعت أمس أعجب أي ثم أخبرك أن الذي صنعته أمس أعجب. * الفوائد: أراد بقوله «في ظلمات ثلاث» ظلمة البطن، وظلمة الرحم بفتح الراء وكسر الحاء، والرحم بكسر الراء وسكون الحاء مؤنثة وهي مستودع الجنين في أحشاء الحبلى، وظلمة المشيمة وهي كما في المصباح «وزان كريمة وأصلها مفعلة بسكون الفاء وكسر العين لكن ثقلت الكسرة على الياء فنقلت إلى الشين وهي غشاء ولد الإنسان. وقال ابن الأعرابي: يقال لما يكون فيه الولد المشيمة والكيس والغلاف والجمع مشيم بحذف الهاء ومشايم مثل معيشة ومعايش ويقال لها من غيره السلا» .
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.