الباحث القرآني

* الإعراب: (وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) كلام مستأنف مسوق لتصوير قدرته تعالى وما نافية وقدروا الله فعل وفاعل ومفعول به أي ما علموا كنهه وما عرفوه حق معرفته، وحق قدره نصب على المفعولية المطلقة. (وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) الواو للحال والأرض مبتدأ وجميعا حال وقبضته خبره والجملة حال من الله ويوم القيامة ظرف متعلق بمحذوف حال من قبضته أو هي متعلقة بها على تضمينها معنى مقبوضة والسموات مبتدأ ومطويات خبر وبيمينه متعلقان بمطويات وعبارة أبي البقاء: «والأرض مبتدأ وقبضته الخبر وجميعا حال من الأرض والتقدير إذا كانت مجتمعة قبضته أي مقبوضة فالعامل في إذا المصدر لأنه بمعنى المفعول، وقد ذكر أبو علي في الحجة: التقدير ذات قبضته وقد رد عليه ذلك وأن المضاف إليه لا يعمل فيما قبله وهذا لا يصح لأنه الآن غير مضاف اليه وبعد حذف المضاف لا يبقى حكمه ويقرأ قبضته بالنصب على معنى في قبضته وهو ضعيف لأن هذا الظرف محدود فهو كقولك زيد الدار، والسموات مطويات مبتدأ وخبر وبيمينه متعلقان بالخبر ويجوز أن يكون حالا من الضمير في الخبر وأن يكون خبرا ثانيا وقرىء مطويات بالكسر على الحال وبيمينه الخبر وقيل الخبر محذوف أي والسموات قبضته» هذا وسيأتي مزيد من القول في هذه الآية في باب البلاغة. (سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ) سبحانه مفعول مطلق لفعل محذوف وتعالى فعل ماض وفاعله مستتر يعود على الله تعالى وعما متعلقان بتعالى وجملة يشركون صلة ما. (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ) الواو حرف عطف على ما تقدم وعبر عما سيأتي بالماضي لتحقق وقوعه ونفخ فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر تقديره هو يعود على النافخ قيل هو إسرافيل أو اسرافيل وجبريل وفي الصور متعلقان بنفخ فصعق عطف على نفخ ومن فاعل وفي السموات ومن في الأرض صلة من وإلا أداة استثناء ومن مستثنى واختلف في المستثنى من هم؟ على أقوال متعددة يرجع إليها في المطولات وجملة شاء الله صلة من. (ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي لبعد ما بين النفختين ونفخ فعل ماض مبني للمجهول وفيه متعلقان بنفخ وأخرى نائب فاعل نفخ على حد قوله تعالى «فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة» ويجوز أن يكون الجار والمجرور هو القائم مقام نائب الفاعل وأخرى صفة لمصدر محذوف نابت عنه أي فهي مفعول مطلق والفاء عاطفة وإذا الفجائية لا محل لها وهم مبتدأ وقيام خبر وجملة ينظرون خبر ثان ومعنى ينظرون يقلبون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت المشدوه إذا فاجأه خطب. (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ) الواو عاطفة وأشرقت الأرض فعل وفاعل وبنور ربها متعلقان بأشرقت ووضع الكتاب عطف على ما تقدم ووضع فعل ماض مبني للمجهول والكتاب نائب فاعل وأل في الكتاب للجنس أي أعطي كل واحد كتابه أي صحائف أعماله المدونة فيها حسناته أو سيئاته. (وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) وجيء عطف على ما تقدم أيضا وبالنبيين متعلقان بجيء والشهداء عطف على النبيين وقضي فعل ماض مبني للمجهول وبينهم إما ناب مناب الفاعل وإما متعلق بقضي ونائب الفاعل محذوف مقدر من المصدر المفهوم أي وقضي القضاء وبالحق متعلقان بمحذوف حال والواو حالية وهم مبتدأ وجملة لا يظلمون خبر والجملة في محل نصب على الحال. (وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ) ووفيت عطف أيضا وكل نفس نائب فاعل وما مفعول به ثان لوفيت وجملة عملت صلة ولك أن تجعل ما مصدرية أي عملها فيكون المصدر المؤول هو المفعول الثاني والواو حالية أو عاطفة وهو مبتدأ وأعلم خبر وبما متعلقان بأعلم وجملة يفعلون صلة. (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً) الواو عاطفة وسيق الذين فعل ماض مبني للمجهول والذين نائب فاعل وجملة كفروا صلة وإلى جهنم متعلقان بسيق وزمرا حال وهي جمع زمرة والزمرة الجماعة واشتقاقها من الزمر وهو الصوت لأن الجماعة يكون لها صوت دائما يقال زمر يزمر من بابي دخل وضرب أي غنّى بالنفخ في القصب ونحوه. (حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها) حتى ابتدائية وقد تقدم القول مطولا في حتى وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة جاءوها في محل جر بإضافة الظرف إليها وجملة فتحت أبوابها لا محل لها لأنها جواب إذا وأبوابها نائب فاعل. (وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ) وقال عطف على فتحت ولهم متعلقان بقال وخزنتها فاعل قال والهمزة للاستفهام التقريري الإنكاري ولم حرف نفي وقلب وجزم ويأت فعل مضارع مجزوم بلم والكاف مفعول به ورسل فاعل ومنكم صفة لرسل وجملة يتلون صفة ثانية أو حال وعليكم متعلقان بيتلون وآيات ربكم مفعول يتلون. (وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا) وينذرونكم عطف على يتلون ولقاء يومكم مفعول به ثان أو نصب بنزع الخافض ويومكم مضاف للقاء وأراد به وقت دخولهم النار وقد جاء استعمال اليوم والأيام مستفيضا في أوقات الشدة وهذا نعت ليومكم أو بدل منه. (قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ) بلى حرف جواب لإثبات النفي أي بلى أتونا وتلوا علينا والواو عاطفة ولكن حرف استدراك مهملة وحقت كلمة العذاب فعل وفاعل وعلى الكافرين متعلقان بحقت. (قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ) جملة مستأنفة وجملة ادخلوا مقول القول وأبواب جهنم مفعول به على السعة وخالدين حال وفيها متعلقان بخالدين والفاء استئنافية وبئس فعل ماض جامد لإنشاء الذم ومثوى المتكبرين فاعله والمخصوص بالذم محذوف أي هي. (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً) تقدم إعرابها بنصها وسيأتي الفرق بين السوقين في باب البلاغة. (حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها) حتى الابتدائية وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة جاءوها في محل جر بإضافة الظرف إليها وجوابها هنا محذوف لأنه في صفة أهل الجنة فدل بحذفه على أنه شيء لا يكتنه ولا يحيط به الوصف والواو عاطفة وجملة وفتحت أبوابها معطوفة على جاءوها وسيأتي مزيد من القول فيها. (وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ) الواو عاطفة وقال لهم خزنتها فعل وفاعل وسلام مبتدأ وعليكم خبره وطبتم فعل وفاعل، فادخلوها الفاء تعليلية وادخلوها فعل وفاعل ومفعول وخالدين حال. (وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ) كلام معطوف على جواب إذا المحذوف أي دخلوها وقالوا، والحمد مبتدأ ولله خبره والجملة مقول القول والذي نعت وجملة صدقنا صلة وهي فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به أول ووعده مفعول به ثان. (وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ) جملة وأورثنا عطف على صدقنا والأرض مفعول به ثان وجملة نتبوأ حال من مفعول أورثنا والفاعل مستتر تقديره نحن ومن الجنة متعلقان بمحذوف حال وحيث ظرفية على بابها متعلقة بنتبوأ أو مفعول نتبوأ قال الزمخشري: «يكون لكل واحد منهم جنة لا توصف سعة وزيادة على الحاجة فيتبوأ من جنته حيث يشاء ولا يحتاج إلى جنة غيره» والفاء استئنافية ونعم أجر العاملين تقدم إعرابها. (وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) كلام مستأنف مسوق لوصف الملائكة المقربين في ذلك اليوم وترى الملائكة فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به وحافين حال أي محدقين محيطين بالعرش مصطفين بحافته وجوانبه ومن حول العرش متعلقان بحافين وجملة يسبحون بحمد ربهم حال ثانية. (وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) الواو عاطفة وقضي فعل مبني للمجهول وبينهم ظرف نائب عن فاعل الفاعل أو متعلق بقضي ونائب الفاعل مصدر مفهوم من الفعل أي قضي القضاء وبالحق حال والضمير في بينهم يرجع إلى العباد والملائكة معا وقيل عطف على قضي وجملة الحمد لله رب العالمين مقول القول. * البلاغة: تميز ختام سورة الزمر بذكر أحوال القيامة والتحميد والتسبيح كما تميز بالجزالة في اللفظ ولسنا نعني بالجزالة أن يكون اللفظ وحشيا متوعرا عليه عنجهية البداوة بل نعني بها أن يكون اللفظ متينا قويا على عذوبة في الفم وحلاوة جرسه في السمع، ولو نظرنا إلى قوارع القرآن عند ذكر الحساب والعذاب والميزان والصراط وعند ذكر الموت ومفارقة الدنيا وما جرى هذا المجرى فإننا لا نرى شيئا من ذلك وحشي الألفاظ ولا متوعرا موغلا في الجساوة والنبو، وسنعمد إلى إيضاح ما ورد فيها من فنون. 1- المجاز: فأولها المجاز في قوله «والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه» فإن قبض الله الأرض عبارة عن قدرته وإحاطته بجميع مخلوقاته، يقال: فلان في قبضتي يعني انه في قدرته باعتبار ما يئول اليه لأن القابض يتصرف بما يقبضه كيف يشاء والقبضة المرة من القبض والمراد بالأرض الأرضون السبع يشهد لذلك شاهدان أولهما قوله جميعا والثاني قوله السموات، وطي السموات والأرض مجاز أيضا ليس يريد به طيا كما نفهمه وإنما المراد به الذهاب والفناء، واليمين في كلام العرب تأتي بمعنى القدرة والملك كما قدمنا. 2- الفرق بين السوقين: وفي قوله «وسيق» بالنسبة لأهل النار وأهل الجنة إذ عبر عن الذهاب بالفريقين جميعا بلفظ واحد فن دقيق المسلك وهو أن يأتي المتكلم بكلمة واحدة فتكون تارة دالة على الهوان والعقاب ثم يأتي بها ثانية فتكون دالة على الإكرام وحسن الثواب، وما أجمل قول الزمخشري في هذا الصدد قال: «فإن قلت كيف عبر عن الذهاب بالفريقين جميعا بلفظ السوق؟ قلت: المراد بسوق أهل النار طردهم إليها بالهوان والعنف كما يفعل بالأسارى والخارجين على السلطان إذا سيقوا إلى حبس أو قتل والمراد بسوق أهل الجنة سوق مراكبهم لأنه لا يذهب بهم إلا راكبين وحثها إسراعا إلى دار الكرامة والرضوان كما يفعل بمن يشرف ويكرم من الوافدين على بعض الملوك فشتان ما بين السوقين» . * الفوائد: 1- أقوال المعربين في جواب إذا: أفاض المعربون كثيرا في جواب إذا والسر في مجيء الواو بقوله «حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها» وقد أوردنا في باب الإعراب ما اخترناه، أما السمين فقد لخص أقوال المعربين بقوله: «في جواب إذا ثلاثة أوجه أحدها قوله وفتحت والواو زائدة وهو رأي الكوفيين والأخفش وإنما جيء هاهنا بالواو دون التي قبلها لأن أبواب السجون مغلقة إلى أن يجيئها صاحب الجريمة فتفتح له ثم تغلق عليه فناسب ذلك عدم الواو فيها بخلاف أبواب السرور والفرح فإنها تفتح انتظارا لمن يدخلها والثاني أن الجواب محذوف قال الزمخشري وحقه أن يقدر بعد خالدين يعني لأنه لا يجيء بعد متعلقات الشرط ما عطف عليه والتقدير: اطمأنوا وقدره المبرد سعدوا وعلى هذين الوجهين فتكون الجملة من قوله وفتحت أبوابها في محل نصب على الحال وسمى بعضهم هذه الواو واو الثمانية قال لأن أبواب الجنة ثمانية وكذا قالوا في قوله تعالى: وثامنهم كلبهم وقيل تقديره حتى إذا جاءوها جاءوها وفتحت أبوابها يعني ان الجواب بلفظ الشرط ولكنه يزيد بتقييده بالحال فلذلك صح» . 2- فصل ممتع للرماني: هذا وننقل فيما يلي خلاصة وافية للفصل الذي عقده علي بن عيسى الرماني في تفسيره الكبير المفقود، وكم يؤسفنا أن يضيع هذا الكتاب بين سمع الأرض وبصرها، ولكن الذي يعزينا أن السيوطي نقل عنه كثيرا وذكره كل من ترجم للمؤلف فقد كان الرماني نحويا متكلما وكان شيخ العربية في زمانه شغوفا بالمنطق حتى غلب عليه في جميع تآليفه وكلامه، قيل للصاحب: هلا صنفت تفسيرا؟ فقال: وهل ترك لنا علي بن عيسى شيئا؟ وكان الرماني نفسه يقول: «تفسيري بستان تجتني منه ما تشتهي» وقد اشتهر تفسيره بين الناس وكثر ذكره في كتبهم ولم يصل إلينا هذا التفسير فهو يقول في صدد دراسته لسر الجمال في القرآن عند ما يتحدث عن هذه الآية: «كأنه قيل حصلوا على النعيم المقيم الذي لا يشوبه التنغيص والتكدير وإنما صار الحذف في مثل هذا أبلغ من الذكر لأن النفس تذهب فيه كل مذهب ولو ذكر الجواب لقصر عن الوجه الذي تضمنه البيان.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.