الباحث القرآني

* الإعراب: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) كلام مستأنف مسوق لبيان أن ما تقدم من تشريع هو من حدود الله لعباده ليعملوا بها ولا يتعدوها. وتلك مبتدأ وحدود الله خبر (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ) الواو استئنافية ومن اسم شرط جازم مبتدأ ويطع الله ورسوله فعل الشرط ويدخله جواب الشرط والهاء مفعول به وجنات منصوب بنزع الخافض أو مفعول به ثان على السعة وجملة الشرط والجواب في محل رفع خبر. (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها) جملة تجري صفة لجنات ومن تحتها جار ومجرور متعلقان بتجري والأنهار فاعل وخالدين حال وفيها جار ومجرور متعلقان بخالدين (وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) الواو حالية أو استئنافية وذلك مبتدأ والفوز خبر والعظيم صفة (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ) تقدم اعرابها فعرج عليه. * البلاغة: 1- في هذه الآية فنّ غريب يطلق عليه اسم «جمع المختلفة والمؤتلفة» . وحدّه بأنه عبارة عن أن يريد المتكلم التسوية بين ممدوحين أو مذمومين أو اثنين أحدهما ممدوح والآخر مذموم، ثم يروم بعد ذلك ترجيح أحدهما على الآخر بما لا ينقص من الآخر، فيأتي لأجل ذلك الترجيح بمعان تخالف معاني التسوية، فقد جمع ضمير الخالدين في الجنة لأن كل من دخل الجنة كان خالدا فيها أبدا أو لتفاوت درجات الخالدين. أما أهل النار فبينهم الخالدون وغير الخالدين من عصاة المؤمنين، فساغ الجمع هناك ولم يسغ هنا. لأن الخالدين في النار فرقة واحدة أما الخالدون في الجنان فهم طبقات بحسب تفاوت درجاتهم. وهذا من أسمى مراتب البيان. ومن أمثلته البديعة في الشعر قول الخنساء وقد أرادت مساواة أخيها صخر في الفضل بأبيها مع مراعاة حق الوالد، فقالت: جارى أباه فأقبلا وهما ... يتعاوران ملاة الحضر وهما وقد برزا كأنهما ... صقرآن قد حطا على وكر حتى إذا نزت القلوب وقد لزت هناك العذر بالعذر وعلا هتاف الناس أيهما ... قال المجيب هناك: لا أدري برقت صحيفة وجه والده ... ومضى على غلوائه يجري أولى فأولى أن يساويه ... لولا جلال السنّ والكبر فقد ساوت بينهما في الجرأة وخوض غمار الحرب والإسراع في العدو والسباق في البيت الأول والحضر بضم الحاء السباق والعدو، والملاة بضم الميم: الرّيطة وهي كل ثوب رقيق. ثم ساوت في البيت الثاني بينهما في جعلهما بمثابة صقرين سريعين، وفي البيت الثالث أرادت أن تصف الحرب وكيف لز بعض عذر اللحم على بعضها الآخر، مما يدل على المساواة في العدو، وتساءل الناس في البيت الرابع أيهما الوالد وأيهما الولد لشدة تشابههما، ثم انتهت في البيت الخامس إلى ترجيح الوالد ببريق صفحة وجهه، أي أنه خرج وجهه من الغبار دون وجه رسيله سبقا، وفي البيت السادس قالت إن الولد كان قادرا على مساواة الوالد لولا ما التزمه من الادب مع برّ أبيه ومعرفته بحقه، فغض من عنانه، وخفض من جناح فضله ليؤثر أباه بالفضل على نفسه. ومثله لنصر الله بن أحمد البصري المعروف بالخبز أرزي، وكان أميا يخبز خبز الأرز بالبصرة، وينشد أشعار الغزل. فمن ذلك قوله: رأيت الهلال ووجه الحبيب ... فكانا هلالين عند النظر فلم أدر من حيرتي فيهما ... هلال السما من هلال البشر ولولا التّورّد في الوجنتين ... وما لاح لي من خلال الشعر لكنت أظن الهلال الحبيب ... وكنت أظن الحبيب القمر فقد سوّى بينهما أولا ثم رجع ففضّل الحبيب على الهلال 2- بين الإفراد والجمع: ووثب أبو السعود العمادي مفتي القسطنطينية في تفسيره إلى أوج الذكاء عندما قرر بإلهام موفق أن نكتة الافراد في قوله «خالدا» فيها الإيذان بأن الدخول في دار العقاب بصفة الانفراد أشد في استجلاب الوحشة، أما مجالس الجنة فهي بين الأخلاء والأحباء والاجتماع أدعى إلى تبديد الوحشة.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.