الباحث القرآني

* اللغة: (أُرْكِسُوا فِيها) : انقلبوا فيها شر منقلب. وقد مر ذكره. (ثَقِفْتُمُوهُمْ) ثقف الشيء ثقفا من باب تعب: أخذه، وثقفت الرجل في الحرب: أدركته، وثقفته: ظفرت به، وثقفت الحديث: فهمته بسرعة. والتثقيف في الأصل: تقويم المعوّج من الرماح والقصب وتسويته. وقد نجم عن هذا المعنى: تثقيف الغلام أي: تهذيبه وتقويم سلوكه، ثم صار الثقف يعني الحذر وسرعة الفهم. وتجدد المعنى أخيرا في عصرنا فأصبح خاصا بالعلم والثقافة في المعرفة، وعلى هذا الأساس نلاحظ تطور اللغة في كل قطر عربي، كما رأى أبناء كل جيل في كل بلد من بلاد الناس كيف ارتقت لغتهم بارتقائهم، وتردّت بتردّيهم. التطور الحي في اللغة: وهكذا ما من حدث اجتماعي أو نهضة علمية أو سياسية إلا صحبها تطور في اللغة أو المعاني أو في كليهما معا، نعني في إحداث ألفاظ جديدة لبعض المعاني، أو احداث معان جديدة لبعض الألفاظ، أو في ذلك كله. وما من أحد ألمّ بتاريخ العرب وآدابهم يجهل ما أحدث الإسلام مثلا من ثورة لغوية إلى جانب الثورة الدينية والاجتماعية والفكرية. وستأتي معنا نماذج حية من هذا التطور الحيّ في هذا الكتاب العجيب. ومن هذا المنطلق تتبين ضرورة هذا الكتاب لناشئتنا المتطورة، لترى على ضوئه أسرار ما تجمع، وتبصر على وهجه معنى الحركة في عقل الماضين، وبذلك يستمر العقل اللغوي في منحى الحركة المتطورة بدلا من ركوده في سكون مادة كانت يوما من مقذوفات العقل اللغوي المتحرك. * الإعراب: (سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ) كلام مستأنف مسوق لتقرير حال قوم آخرين من المنافقين غير من سبق الإلماع إليهم. والسين للاستقبال الاستمراري، وسيأتي بحث ظريف عنها في باب الفوائد. وتجدون فعل مضارع وفاعله، وآخرين مفعول به وجملة يريدون صفة لآخرين، وأن وما في حيزها مصدر مؤول مفعول ليريدون (وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ) عطف على ما تقدم (كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها) كلما ظرف زمان متضمن معنى الشرط، وقد تقدم إعرابه. وجملة ردوا إلى الفتنة في محل جر بالاضافة، أو لا محل لها لأنها صلة الموصول الحرفي، والواو نائب فاعل وجملة أركسوا فيها لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، وفيها متعلقان بأركسوا (فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ) الفاء استئنافية، وإن شرطية، ولم حرف نفي وقلب وجزم ويعتزلوكم فعل مضارع مجزوم بلم وهو في محل جزم فعل الشرط، ويلقوا إليكم السلم عطف عليه (فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ) الفاء رابطة للجواب، وجملة خذوهم في محل جزم جواب الشرط، واقتلوهم: عطف على خذوهم، وحيث ظرف مكان مبني على الضم متعلق باقتلوهم، وجملة ثقفتموهم في محل جر بالاضافة (وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً) الواو عاطفة، وأولئكم اسم اشارة مبتدأ. وجملة جعلنا خبر، لكم جار ومجرور في محل نصب مفعول به أول وعليهم متعلقان بمحذوف حال، وسلطانا مفعول به ثان، ومبينا صفة. * الفوائد: بحث هام عن السين: السين حرف يدخل على الفعل المضارع فيخلصه إلى الاستقبال والاستمرار، وأتى بالسين هنا إشارة إلى أن عبثهم بالمؤمنين هذا أمر مستمر، وإن كان قد مضى، وذلك أن رجالا من الكفار كانوا إذا أتوا المدينة أسلموا لأجل أن لا يقاتلوهم، وإذا أتوا لقومهم كفروا. فأتى المولى سبحانه وتعالى بالسين إشارة إلى أن حالتهم هذه هي ديدن مستمر لهم، وأنهم لم يتركوه، وإن كان ذلك قد وقع فيما مضى. وزعم ابن هشام أن الاستمرار إنما استفيد من المضارع، كما تقول: فلان يقري الضيف، ويصنع الجميل. تريد أن ذلك دأبه. والسين مفيدة للاستقبال، إذ الاستمرار لا يكون إلا في المستقبل. وزعم الزمخشري أنها إذا دخلت على فعل محبوب أو مكروه أفادت أنه واقع لا محالة، ولم أر من فهم وجه ذلك. ووجهه أنها تفيد الوعد بحصول الفعل، فدخولها على ما يفيد الوعد أو الوعيد مقتض لتوكيده وتثبيت معناه، لأنه إخبار على إخبار، والمتعلق واحد.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.